آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الإخوان والانتخابات.. هل انتهى الجدل بقرار المشاركة؟!

الاثنين 03 ذو القعدة 1431 الموافق 11 أكتوبر 2010
الإخوان والانتخابات.. هل انتهى الجدل بقرار المشاركة؟!

لعدة أشهر مرَّت استمر الجدل قائمًا حول مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية المصريَّة القادمة، بعد أن ارتفعت دعوات مطالبة الأحزاب السياسية وجماعة الإخوان المسلمين بمقاطعة الانتخابات القادمة، وذلك لعدم توافر ضمانات كافية -على حد قول المعارضة- خاصةً بعد التعديل الدستوري الذي طال الإشراف القضائي على جميع صناديق الانتخابات وقصْره على اللجان العامة فقط.

وكان المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د. محمد بديع قد عقد مؤتمرًا صحفيًّا ليعلن فيه قرار المشاركة بعد أن ظلَّ الجدل محتدمًا طيلة الفترة الماضية حول مشاركة الجماعة، والتي يبدو أنها لم تجدْ سندًا لها من أحزاب المعارضة المصريَّة والتي قرَّرت الأحزاب الرئيسيَّة المشاركة في الانتخابات مثل الوفد والعربي الناصري والتجمع.

وقد حملتْ كلمة المرشد عنوانًا شكَّل رسالة هامة للدولة المصريَّة ونظامها الحاكم إذ حمل عنوان "مشاركة لا مغالبة" وهو رسالة للدولة بأن الجماعة لا تسعى إلى الحكم ولا تنوي السيطرة على جميع المنافذ التي قد تصل بها في يوم من الأيام إلى كرسي الحكم، وهو الخطأ الذي ارتكبتْه الجماعة في السنوات الأولى من حكم الرئيس مبارك؛ إذ سعت عقب تواجدها في مجلس الشعب عام 1986 إلى السيطرة على العديد من مؤسَّسات المجتمع المدني، كالنقابات المهنيَّة ونوادي هيئات التدريس بالجامعات المصريَّة، واتحادات الطلاب الجامعيَّة.. إلخ، وهو ما أدى بالدولة المصريَّة إلى اتخاذ العديد من التدابير الصارمة لوقف الزحف الإخواني على مؤسَّسات المجتمع المدني.. لذا جاءت كلمة المرشد العام لتؤكد أن الجماعة قد تخلَّت عن سياسة السيطرة لصالح "المشاركة" فقط، وهو ما أكَّدَه المرشد العام في كلمته مرة أخرى بقوله: "تعظيمًا للمؤسسيَّة والشورى التي تنتهجها جماعة الإخوان المسلمين عبادةً وخلقًا، فقد تمَّ استطلاع آراء مجالس شورى الإخوان بالمحافظات، ومكاتبها الإداريَّة التي وافقت جميعها على المشاركة، وكذلك ذوي الرأي والفكر، ثم تَمَّ عرض الأمر على مجلس الشورى العام، والذي اتخذ قرارًا بالمشاركة في انتخابات مجلس الشعب القادم 2010م في حدود 30% من المقاعد الكليَّة لمجلس الشعب؛ إعمالًا لحقِّنا الدستوري والقانوني والشعبي".

إضافةً إلى الرسالة السابقة فقد حملت كلمة المرشد العام العديد من الرسائل التي أراد توجيهها إلى جميع الأطراف قبل الدخول إلى معمعة الانتخابات البرلمانيَّة.

فحول أسباب المشاركة أراد المرشد العام تعضيد موقفه أمام جموع الإخوان المسلمين فقال: "إننا حين اتخذنا قرارنا بالمشاركة في هذه الانتخابات فإننا أردنا بذلك إعلاء قيمة الإيجابيَّة في المجتمع، وضرورة ممارسة الشعب لحقوقِه الدستوريَّة والقانونيَّة، والتصدي للفاسدين والمفسدين، وعدم ترك الساحة السياسيَّة مجالًا خصبًا لهم بدون حسيب ولا رقيب، وتعظيمًا للإرادة الشعبيَّة للأمَّة، وترسيخًا لسنة التدافع ﴿وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾".

كما نبَّه د. محمد بديع إلى ضرورة توحُّد القوى السياسيَّة تحت راية الإصلاح وعدم الدخول في معارك كلاميَّة تضرُّ ولا تنفع حيث قال: "إن المعركة الحقيقيَّة للإصلاح بيننا جميعًا، كقوى سياسيَّة وطنيَّة، وبين المستبدين والمزوِّرين، فلا نريد أن ننقلَ المعركة إلى تلاسن بيننا وتسابُق في نقد ودحْضِ كلٍّ منا مواقف الآخر".

ولعلَّ المرشد هنا كان ينبِّه إلى المعارك التلاسنيَّة التي تقودها شخصيات حزبيَّة معيَّنة كرئيس حزب التجمع د. رفعت السعيد ضدّ الجماعة.

وجاءت كلمات المرشد العام الموجهة إلى قواعد الجماعة، والتي قال فيها: "تحرَّكوا بكل قوة بين الناس، ناشرين بينهم الخير، وعارضين لمشروعكم الإصلاحي ولمبادئ دعوتكم المباركة ورافعين شعار "الإسلام هو الحل" وساعين لجعله واقعًا ملموسًا بين الناس "لتؤكدَ أن الجماعة لن تتخلى عن الشعار المعتاد لها "الإسلام هو الحل" والذي تعتبره السلطات المصريَّة شعارًا دينيًّا يستوجب الحظر إعمالًا لمراد الدستور والقانون.

وإذا كان بيان المرشد العام اليوم قد وضع النقاط على الحروف حول مسألة المشاركة (وهي التي كانت متوقَّعة من قبل) إلا أن الجدل ما زال محتدمًا على جبهات أخرى ترى أن مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات لن يزيدها إلا رهقًا، وأن ما حقَّقَته في انتخابات 2005 بحصولها على 88 مقعدًا لن يتكرر مرة أخرى.. وإن كانت اختلفت الدوافع والأسباب وراء المطالبة بعدم المشاركة.

فمن جانبه اعتبر د. محمد سليم العوا في حوار له مع شبكة "إسلام أون لاين" في يونيو 2007 أن مقاومة الظلم والاستبداد ليست مقصورةً على الترشُّح لمجلس الشعب، بل إن تربية الناس والاشتغال في العمل الاجتماعي هو أحد السُّبُل لإحياء الأمة، وقال في كلمات واضحة: "أنا أدعو جماعة الإخوان المسلمين إلى إعلان التوقُّف عن مباشرة الحقوق السياسيَّة ترشيحًا وانتخابًا وتصويتًا، والتحوُّل تمامًا عن العمل السياسي فيما يتعلَّق بممارسة السلطة أو الحصول على جزءٍ من السلطة؛ إلى ممارسة العمل التوعوي والترشيدي، عن طريق إحياء روح النهضة في الجماهير، وإحياء روح مقاومة الظلم والاستبداد".

وفي إطار تقييمِه لتجربة الجماعة في ممارسة العمل السياسي قال: "إن الجماعة لا تستفيد شيئًا من العمل السياسي، فالإخوان لهم الآن 88 نائبًا في البرلمان، ماذا فعلنا بهم نحن كشعب مسلم؟! لم نستطع أن نحقِّق شيئًا، حتى إن اثنين منهم رفعتْ عنهم الحصانة مؤخرًا.. فهذا العمل السياسي قد أثبت في رأيي عدم جدواه، وتركت الجماعة في مقابل هذا العمل السياسي معظم نشاطاتها التربويَّة الأخرى، التي تنشئ الناس نشأة إسلاميَّة صحيحة".

ونادى الرجل يومها بأعلى صوته قائلًا: "دعنا نجرِّب أن يخرج الصوت الإسلامي من قُمقم العمل السياسي إلى فضاء العمل الثقافي والاجتماعي والتربوي، وسنرى ماذا ستكون النتيجة.. قد أكون مخطئًا.. لكن هذه دعوتي".

أما الجماعة الإسلاميَّة المصريَّة والتي كانت ترى حرمة دخول المجالس البرلمانيَّة في الماضي ولكنها تخلَّت عن ذلك الرأي لصالح الجواز، إلا أنها ترى من جانب آخر أن الدخول في الصدامات السياسيَّة هو لون من ألوان المواجهة الذي يستنزف طاقات وجهد الحركة الإسلاميَّة ويجعلها في حالة صدام دائم مع الدولة، مما يعوقها عن ممارسة دورها الدعوي والتربوي التي هي أحوجُ ما تكون إليه في هذه الآونة.

ففي بيان لها بعنوان "برقيات لمن يهمُّه الأمر" نشرته الجماعة في وقت سابق على موقعها الإلكتروني قالت الجماعة: "لقد تأكَّد لنا بعد طول تجربة وممارسة، وبقراءة واعية عاقلة للواقع أن الحركة الإسلاميَّة لن تصل إلى الحكم لا بالقوة ولا حتى بالديمقراطيَّة عن طريق صناديق الاقتراع.. وإذا وصلتْ إليه أجبرت على تركه.. وما الصومال والجزائر وغزة منا ببعيد.

وعلينا أن نعي تمامًا حجم المسئوليَّة الملقاة على عاتقنا، فلا نضيع الوقت ونستنزف الجهود والطاقات في صراعٍ لا طائل من ورائه، وفي معارك ومناوشات ودوَّامات سياسيَّة تؤدي إلى استهلاك طاقاتنا دون تحقيق أي عائد ملموس للإسلام والدين أو الأوطان على أرض الواقع".

ومن جانبها أصدرت مجموعة من قياديي جماعة الإخوان المسلمين بيانًا أكَّدوا فيه أن دخول الانتخابات قد يحقق المصالح الضيقة، ولكنه يفوِّت المصالح الكبرى وإعلام العالم أن الانتخابات في بلادنا لم تعدْ وسيلة قوية للإصلاح والتغيير.

ووقَّع على البيان مجموعة من القيادات الإصلاحيَّة بالجماعة، التي يأتي على رأسهم الدكتور إبراهيم الزعفراني عضو مجلس شورى الجماعة السابق والمحامي مختار نوح وحامد الدفراوي وهيثم أبو خليل، وجيهان الحلفاوي مرشحة الجماعة السابقة لانتخابات مجلس الشعب، وكمال الهلباوي المتحدث الرسمي السابق باسم إخوان أوروبا، إضافةً إلى خالد داود أحد قيادات الجماعة بالإسكندرية وعصام تليمة عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

ويبدو أن جماعة الإخوان المسلمين أرادتْ أن تحتاط لهذه الاعتراضات، فرأتْ أن تؤصِّل لقرارها المنتظر من الناحية الشرعيَّة، فعلى مدار الأيام القليلة التي سبقت صدور بيان المشاركة انْبَرى د. عبد الرحمن البرّ أستاذ الحديث في جامعة الأزهر والقيادي البارز بجماعة الإخوان في تأصيل المشاركة فقهيًّا وشرعيًّا؛ ففي مقاله الذي حمل عنوان "الانتخابات.. رؤية شرعيَّة" والمنشور على موقع الجماعة قال: "نعم هي جهاد أكبر؛ لأنها فريضة الوقت، فقضيَّة الإسلام اليوم هي انحراف كثير من الحكومات عن دين الله تبارك وتعالى وعن شريعة الحق، وشيوع الفساد في كثيرٍ من الجوانب ومناحي الحياة على أيدي رجالات الدولة، والجهاد الأكبر هو في إصلاحهم أو استبدالهم، ولا شك أن المشاركة في الانتخابات هي الوسيلة المعاصرة الآمنة لذلك، وهي التي تدخل في حدود الاستطاعة، أما الذي لا يشارك في عمليات الانتخابات، فإنه يفوته القيام بهذا الواجب، وإن كان يقوم بواجبات أخرى، لكنها ليست بديلًا -فيما نرى- عن المشاركة في الانتخابات، وأي أنشطة أخرى لا تزيل عن المتخلف إثم التخلف عن هذه المشاركة".

ولكن ما قاله د. البرّ وما أصَّله من قواعد لم يسلمْ من المعارضة؛ فقد انبرى له الشيخ عصام تليمة عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في مقال له بجريدة "المصريون" حمل عنوان: "إلى الدكتور البرّ: ما هكذا تورد الإبل" اعترض فيها على إقحام أهل الشريعة لأنفسهم في أمورٍ ذات دلالات سياسيَّة خاصَّة، ولم يعد هناك من يقول بحرمة الدخول في مجلس الشعب مما يؤدي إلى وقوع المواطن في حيرة من أمْرِه، خاصةً عند صدور رأى مضاد من أهل الشريعة أيضًا، كما حذَّر من أن مثل هذه المقالات قد توقع جماعة الإخوان في حَرَج شديد، وذلك بقوله: "سيجعل الإخوان في موقف المتلاعب بالدين، عند تغير رأيها، لو قرَّرت ليلة الانتخابات –مثلا- الانسحاب والمقاطعة، فماذا تفعل جماعة إسلاميَّة كالإخوان بالنصوص التي حشدتْها يا دكتور عبد الرحمن، وجعلت المقاطعة إثْمًا، والمشاركة واجبًا شرعيًّا؟! كيف المخرج؟ فإن قاطعت تكون وقعت في إثم شرعي، وإن جاءت بمبرِّر وقتها للمقاطعة، كانت في نظرِ الناس كالتي نقضت غزلها".

والجدير بالذكر أن د. البرّ قد انبرى للردّ على ما أورده الشيخ تليمة في مقالِه في سجال يبدو أنه قد يطول بعض الشيء.

كما يبدو أيضًا أن بيان المرشد العام الذي حسم مشاركة الجماعة من عدمِه في الانتخابات البرلمانيَّة القادمة لم يستطعْ أن يحسم الجدل الدائر حول جدوى استفادة الإسلام وقضاياه من هذه المشاركة، وهو الجدل الذي أراه ضروريًّا ومهمًّا.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - شكرا عركي والإسلام اليوم 12:40:00 2010/10/11 مساءً

    مقال جيد شكرا عزيزي الكاتب العركي والإسلام اليوم على هذا التحليل

  2. 2 - اسلامي محلل 12:50:00 2010/10/22 مساءً

    شكرا لموقع الاسلام اليوم ولكن الاخ سمير العركي من الجماعة الاسلامية فتحليله فيه نظر لانه الجماعة الاسلامية لا في التربية ولافي الجهاد ولا في السياسة نسال الله ان يعين اخواننا في مصر ويولي عليهم خيارهم ويكفيهم شر مبارك وابنه والبرادعي وغيرهم ....

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً