الإسلاميون والسلطة.. في بلدان الربيع العربي

الإسلاميون والسلطة.. في بلدان الربيع العربي
الإسلاميين

إنَّ الإسلاميين الذين عرفتهم الساحة السياسية منذ ثمانين سنة بعد سقوط الخلافة، وشعورهم أنَّ الأمة قد ضيَّعت أمرين عظيمين: "وَحدة"، ولو كانت موهومة، ولكنها قائمة في شخص خليفة، و"جمع" بين شأن دنيا وشأن دين، ولو لرجل مريض. إنَّ هذا السقوط قد حزَّ في نفوس أبناء هذه الأمة الذين يتشوفون لواقع جديد، ويرغبون أن يتحقق من خلاله عزُّهم ومجدهم ووحدتهم وقوتهم، وأن يُصبحوا كغيرهم من الأمم فاعلين على مستوى الفعل، قادرين على التأثير، أصحاب فكر، وأصحاب أمر ونهي، مشاركين في بسط قيم الحضارة الإنسانية.. بهذه الكلمات بدأ الشيخ عبدالفتاح مورو مؤسس حزب النهضة في تونس محاضرته في العاصمة الأردنية عمان والتي نظمها المنتدى العالمي للوسطية والتي جاءت تحت عنوان "الإسلاميون والسلطة " وقد حضرها جمع غفير من الشباب ورجال الفكر والدعوة بعمان

وقال الشيخ عبد الفتاح مورو والمعروف بحضوره الطاغي في المنتديات والمحاضرات أنه أتيحت فرصة عند سقوط الخلافة أن تتحرك الحمية في قلوب شباب الأمة ليقولوا: نحن قادرون كشعوب ولسنا حكامًا، نحن قادرون أن نُعيد هذا الكيان المفقود، وأن نؤسسه على جهد وبذل منَّا، وإذا كان الخليفة قد ذهب، أو افْتُكَّ منَّا، فنحن قادرون على حماية كياننا.

ولأول مرة في هذا العصر بدأ شبابنا -الذين أصبحوا شيوخًا بعد ذلك- يتحدثون عن إسلام يُؤسس الحياة، وعن إسلام هو منهج حياة، بعد أن كان عصًا يُتكأ عليها للذهاب للمقابر، تحوَّل الحديث عن الإسلام إلى كيانات قائمة، ومجتمع واقتصاد وسياسة، وحياة وبناء وتشييد، وطلب وعلم، وفعل وتأثير. استمر هذا الأمل قائمًا في النفوس إلى أن حصلت المرحلة التي تعلمون، والتي لست بحاجة للتذكير بها، ولعل عدم التذكير بها أولى حتى يكون جهد أصحابها خالصًا لوجه الله، فليس لأحد عمل لله عملاً أن يعتدَّ به بين الناس، ولو كان لمجرد الحكاية.

اليوم يُفتح أُفُق جديد -ولأول مرة في هذا العصر- أمام شعوب أُفسح أمامها مجال تأسيس بيتها، وقيل لها: أيتها الشعوب، إنكِ قادرة أن تحققي كل أمانيكِ بنفسكِ. ولأول مرة تُباشر هذه الشعوب إزاحة حاكم ظالم، استبدَّ بها مدة طويلة من الزمن، وتشعر أنها قادرة على الفعل، وتختار هذه الشعوب في بعض البلاد طرفًا طالما حظي لديها في قلوبها بتكريم واعتزاز، لنجدته للقيم الأصيلة في الأمة، فهؤلاء ليسوا إلا إسلاميين يَحِنُّون للإسلام، ويحبُّون الإسلام، ويرغبون في أن تنهض الأمة من خلال قيم الإسلام.

عقبات ومطبات

وأضاف الشيخ عبد الفتاح مورو قائلا "لكن لما وصل هؤلاء للحكم، وجدوا أنفسهم أمام مطبات كثيرة؛ أولها: أنَّ الحديث عن تقييم تجربة الحكم من الإسلاميين فيه تجاوز كبير؛ لأنَّ الذي يطرح هذا التساؤل يُحقق في نفوسنا شعورًا بأنَّ الإسلاميين يَحكمون، أو أنَّهم بصدد الحكم، وهذا أمر غير صحيح. الإسلاميون اليوم لا يحكمون؛ لأنَّ الحكم هو ممارسة نفوذ بقدرة على مؤسسات، وعلى مجموعة من الناس لتوجيهها لوجهة محددة، ولتنفيذ برنامج مُحدَّد، وهذا المعنى من الحكم ليس متوفرًا اليوم أبدًا؛ لأنكم تعلمون أنَّ ما سُميت بثورات لا ترتقي لأن تكون ثورات، ولكننا نفرح أن نكون ثائرين. هذه الثورات صاحبها مع إزالة الحاكم المستبد خلخلة للكيان السياسي والاجتماعي والقانوني والإداري للبلاد التي قامت فيها هذه الثورات، ورأينا بأعيننا تَفَلُّتًا من كل مرجعية، صحيح أنَّ الدستور أُزيل، والمنظومة القانونية تمَّ الإبقاء عليها، ولكنَّ الشعور الشعبي والتصرف الإرادي لأفراد شعبنا انتهى بنا إلى ملاحظة أنه لم تبقَ مرجعية أبدًا، الكلُّ يَسُبُّ الكلَّ، والكلُّ ينتقد الكلَّ، ولم تبقَ مرجعية لقضاء، ولا لمؤسسات، ولا لإدارة، ولا لبوليس، ووجد الذي ارتقى سدة الحكم نفسه يضغط على أزرار، لا تأثير لها على الواقع، وسمعنا بآذاننا ما حصل في كثير من بلاد الربيع العربي من انتهاك لِحُرمة الملكية الخاصة، من حرق لمؤسسات، واعتداء على قضاة، ومن رغبة من جميع الطوائف بأن يستقل كل عن الكل؛ فالصحافة والإعلام بَنَت لنفسها كيانًا مستقلاً، والقضاء بنى لنفسه كيانًا مستقلاً، وأصبحتَ تجد نفسك في ضيق أن تجد مهربًا إداريًّا في أي نقطة من نقاط بلدك؛ لأنَّك حيثما توجهت لم تجد مرجعية تشكو إليها، ولا تجد لك حاجة تقضيها. وهذا الوضع وإن كان هو بصدد الخفوت شيئًا فشيئًا -من خلال كسب الدولة مواضع تأثير يومًا بعد يوم- فإنَّ الظاهرة مازالت قائمة حتى اليوم، وتشهدون أنَّ هذه المجالس التي انتخبها الشعب نفسه أصبحت في اليوم التالي بعد انتخابها مطعونًا في مصداقيتها، ومطعونًا في قانونيتها، وتُقدَّم للمحاكم الدستورية والمحاكم الإدارية قضايا للطعن في تركيبتها وتشكيلاتها، حُلَّ البعض منها، والبعض منها أُوقف نهائيًّا، وأصبح هذا الذي سميناه حاكمًا مشلول اليدين، لا يقدر على أن يُبدي حراكًا. صحيح أنَّ ما حصل في بلداننا -نحن معاشر أبناء الربيع العربي- لا يمكن أن يُقارن بما حصل في الثورة الفرنسية؛ من امتداد فوضى شملت ربوع البلاد، والمقاصل التي قُتل عليها أولئك الذين قاموا بالثورة، ثم جاء جيل بعدهم فقتلهم، ومن 40 مليون الذين قتلهم ستالين، ومن 25 مليون الذين قتلهم ماوتسي تونج، ومن الفوضى التي حصلت مع كل ثورات هذا العصر، والتي جعلت الشعوب تهيم على وجوهها، تتغير ثورة الحياة أمامها، وتبقى محرومة من سائر حقوقها، وهي التي قامت من أجل تحقيق تلك الحقوق واستعادتها، لم يحصل ذلك في بلدنا؛ لأنَّ الذين جاءوا للحكم، بل الاتفاق الضمني الذي حصل بين السياسيين الجدد اقتضى ألا تُنصب مشانق، وألا يُعاقب الناس من أجل فكرهم، وألا يُعتدى على أملاك، وتسمعون أنَّ الذين يُحالُون من قادة الأنظمة السابقة إلى المحاكم بعضهم يحظى بسراحٍ اليومَ، وبعضهم يُحكم له لا عليه؛ لأنَّ هذه الطبقة التي جاءت للحكم اليوم أرادت أن تمرَّ قضية الثورة بأقل أضرار، لذلك لم تستعمل أدوات العنف والتعنيف، ولم تستعمل أدوات الشدة والكرب على البلد لتسترجع فيه هيبة الدولة التي فقدت من الثورات، ولم تُسترجع كليًّا إلى الآن.

كلُّ ما ذهبتُ إليه سابقًا سببه  أنَّ علماء السياسة علمونا أنَّ هناك فرقًا بين السلطة والقُدرة، وأنَّ الحاكم يمكن أن يكون ماسكًا للسلطة، فهو وزير للميدان الفلاني، وتحته من وكلاء الوزراء ومن المأمورين ما يجعله قادرًا على أن يأمر وينهى، ولكن صاحب السلطة هذا يمكن أن تبقى سلطته في حيزه وحوله، فلا تتحول لنفوذ، وبذلك يصبح الحكم المنوط له حكمًا صوريًّا؛ إذ إنَّ غيره هو الذي يحكم.

إذن لا تقولوا: إنَّ الإسلاميين هم الذين يحكمون، بل قولوا: إنَّ الإسلاميين اليوم يُديرون شأنًا عامًّا. ماذا يُديرون؟! هم يقلبون صفحات المآسي التي تراكمت مدة 50 سنة الماضية. انظر أمام أبواب الوزارات، وانظر أمام مكاتب الاستقبال في الوزارات، فإنك تجد عدد الذين يكتبون ويشتكون ويقفون طوابير كلهم يطلب ولا أحد منهم يبذل، كل المؤسسات في البلد، وكل الجمعيات حققت لنا رقمًا قياسيًّا في المطالب الشعبية لم يشهد العالم له مثيلاً أبدًا. ومن يُطَالَب؟ الذي يُطَالب لا يحكم، بل يُدير الشأن العام، فتحوَّل الوزراء من همة عالية لإعداد سياسات إلى مُسيِّرين للشأن اليومي، يحسبون كم قضية فصلوا بها، وكم معاملة ردوها لأصحابها، وكم شخصًا استرضَوه حتى يشعر هذا بأن الذي يحكم -أو قيل: إنه يحكم- لم يُغلق أذنيه عنه، وأنَّه يتحلى بدماثة أخلاق المسلمين

لماذا اختَرتم أيُّها الإسلاميون الحكمَ؟!

ويشير الشيخ عبد الفتاح مورو قائلا "هذا الوضع عام في بلدي، وفي مصر، وفي غيرهما من البلاد التي بدأت تأنس بأنَّ لها بداية، ومن خلال فهم للواقع، وأمام هذا كله تجدون طبقة سياسية جديدة، ارتقت للحكم ولم يسبق لها تجربة ذلك أبدًا، حكومة ومعارضة، نحن قلنا للحكام السابقين: اذهبوا لبيوتكم، نحن أقصيناكم من الحياة العامة، وقلنا للشعب: اختر أحسن من عندك، فاخترنا معلمينا وأساتذتنا وأطباءنا ومحامينا، نساءً ورجالاً؛ ليتقدموا وينوبوا عنَّا في الشأن العام، الذين اخترناهم يُصْلِحون في ميادين شغلهم واختصاصهم، ولكنهم يدخلون عالم السياسة لأول مرة، وهم مُطالَبون بأن يقضوا مدة تجربة كافية، وهم مسئولون عن المبادئ التي اختيروا على أساسها، ومقابل ذلك هنالك شعب ينتظر الإنجاز، ولعلكم قد سئمتم رؤية تلك الجلسات التي تُنقل بالتلفاز في كثير من بلادنا لوقائع تتم داخل مجالس محترمة، هي مجالس نيابية أو مجالس شعب أو مجالس تأسيسية؛ فترون من التفاهات والخصومات ما يندى له الجبين. وبعضنا يتكلم وينتقد رجال السياسة، ولكنه ينسى أنه هو الذي قرر، وهو الذي اختار، فهؤلاء الذين يحكمون اليوم يُشبه حالهم حال من وضع في معركة فيها أسلحة عديدة، ولكنه حُرم أن يستعمل سلاحًا نافعًا يحفظ له مجرد وجوده.

يُلاحظ اليوم ظهور تساؤل شعبي مفاده: لماذا اختَرتم أيُّها الإسلاميون الحكمَ؟! ألم يكن من الأولى ألاَّ تحكموا، وأنتم تدركون أنكم لستم إلا حكامًا أوراقًا فقط، وأنَّ حكام الأوراق التي نراهم بالكرتون أفضل من أولئك الذين يجلسون على الكراسي، يُسَبُّون ويُشتَمون، ولا يستطيعون الرد؟!

ومع ذلك اخترنا حقيقة أنَّ مشوار خدمة شعوبنا هو مشوار دائم مستمر، وأنَّ التخلي عن التقدم للقيام بواجب الخدمة لن يفسح المجال لمن هو أفضل منَّا أداءً ليُقدم ما هو أحسن منَّا؛ لأننا نحن والذين يعارضوننا سواسية في عدم قُدرتنا على التحكم في آلية الحكم، ولذلك رأينا أن نتقدم ليُدرك أبناؤنا وشبابنا وشعوبنا بأننا لسنا من الخطباء والكُتَّاب الذين إذا جد الجد لووا أعناقهم، وكروا للوراء، وتركوا البلاء لأهل البلاد. صحيح أنَّ في ذلك مجازفة، ولكن في تصوري المجازفة ليست في مستوى السوء الذي يتصوره البعض للأسباب الآتية:

بداية، في مجال الحكم الذي دخلناه، دخلناه ونحن أبناء حركة تعيش السرية، وفُرض علينا ألا نجتمع إلا تحت جُنح الظلام، وألا نتخاطب إلا بالإشارة، وألا نجتمع في بعض الأحيان إلا في خمارات؛ لندرأ عن أنفسنا شبهة الانتساب لتيار إسلامي؛ حتى لا نؤاخذ ولا نسجن، وهذا انتهى بنا إلى تكوين عالم خاص بنا، أصبحنا نخشى من كل وافد علينا، أو من كل شخص يطل ليطلع على ما نحن فيه، أصبحنا لا نأنس بالناس، ونحن الذين جُعلنا لنتصل بالناس ونتحمل الناس، ولكن وضع المتابعة الشديدة جعلنا ننكفئ على أنفسنا، وجعل الناس في مقابل ذلك يخشوننا، هم يحبون الإسلام يقينًا، وليس في شعوبنا من يكره الإسلام، وشعوبنا علاقتها بدينها علاقة صافية استمرت طوال الزمن لم تتزعزع، ولكنهم أصبحوا ينظرون لهؤلاء الإسلاميين أنهم أصحاب مشروع غريب، وأنَّ لهم نوايا كامنة، وظواهر يبدونها، يُخفون ما وراءها حتى إذا ما تمكنوا عن طريق المسكنة استأثروا لأنفسهم بالجزء الأكبر من سلطتهم، وجعلوا الناس جميعًا تحت أرجلهم.

ولَمَّا دخلنا الساحة السياسية من باب العلن والاعتراف كان علينا أن نتفطن إلى أنَّ أسلوب التعامل الذي ينبغي أن يصدر عنَّا لن يبقى وفيًّا ومناسبًا لأسلوب التعامل في فترة المتابعة، نحن اليوم مسئولون عن شأن عام، لا عن جماعة ولا عن مجموعة، ولا حتى عن فكر أو منتسبين إلى فكر، نحن في بلد فيها متاهات أفكار، وآراء وانتسابات، وإذا تقدمنا فعلينا أن نتقدم كطرف فاعل في هذه المجتمعات من منطلق كوننا أحد أفرادها، والذي يعوزنا هو الشجاعة والقدرة على أن نغيِّر سمت التخاطب والتعامل، لذا رأيتم منَّا انكفاءً دائمًا على أنفسنا، لم نعد ننتخب الناس على أساس كفاءاتهم، لأننا نخشى أن تُخبأ تلك الظاهرة -الكفاءة- عداوة يمكن أن تنقلب علينا في يوم من الأيام، وأخذ علينا كثير من أبناء جلدتنا ومواطنينا بأننا نقدم أصحاب الولاء على أصحاب الكفاءة، وهذا مطب كبير في نشاطنا ينبغي أن نتداركه. فاليوم نحن مطالبون بأن ننفتح على واقع جديد، وهذا الواقع أهم ما يُميزه أننا لم نعد في عهد الدولة العثمانية، ولا فيما قبلها من الدول التي قامت على أساس الانتساب لعقيدة واحدة، فالدولة العقائدية لم تَعُد موجودة في القرن العشرين. وعندما خرجنا من الاستعمار، وخرجت عنا فرنسا وبريطانيا وأسبانيا وجدنا أنفسنا أمام دولة وطنية، وهذه الدولة الوطنية الانتساب إليها ليس قائمًا على عقيدة أو دين، وإنما هو قائم على الانتساب لهوية وطنية، تجعل منك أحد الأطراف الذين يجتمعون على هذه الأرض، صاحبة التاريخ الواحد، وصاحبة الاهتمامات الواحدة.

وأمام هذا الوضع الجديد، إضافة إلى ما علَّمَنا إياه آباؤنا وأجدادنا وأساتذتنا ومشايخنا من قوانين تتعلق بالعلاقات الدولية، ومن تصنيف العالم إلى دار إيمان ودار كفر، ودار سلم ودار حرب، ومن جِزية وخَرَاج تُفرض على الذين يخالفوننا في الدين، ومن تعامل مع فئة هي دون الفئة الأصلية في أوطاننا (أهل ذمة)، كلها قضايا أصبحت الآن مربوطة بتاريخ انتهى أثره، ولم يبق لها أثر في عهدنا، ولم يبق لها عهد في وطننا، نحن الآن في دولة وطنية؛ مسيحي بجانب مسلم، ومسلم إلى جانبه ملحد، جميعهم ينتسب لتلك الأرض، حقوقهم واحدة، وواجباتهم واحدة؛ فكيف نتعامل مع هؤلاء، ونحن الذين نرغب في أن نُقيم دولة نسميها دولة إسلامية؟!

هذا المطب لم نفطن له قبل أن نرتقي سدة الحكم؛ لأننا في الفترة السابقة كان شعارنا (الإسلام هو الحل)، وكنَّا ننادي بتطبيق الإسلام، وبالحاكمية لله تعالى، فلم يجرؤ مفكرونا ولا قادتنا على أن يتخطَّوا هذه العموميات الواجبة في كل بداية عمل، أو أن يتخطوها إلى جزئيات من شأنها أن ترعى الواقع المعاش وتأخذه بعين الاعتبار، وتهيئ له الروابط القانونية والفقهية ما يجعله قادرًا أن يسوس تلك الوقائع، ويرتقي بها إلى واقع جديد يكون أفضل وأرفع، فقد شغلْنا أنفسنا فترة من الفترات، أو شغلَتنا المتابعة اليومية لوجودنا عن أن نبرز ذلك الجانب النظري.

اليوم نجد أنفسنا أمام تساؤل كبير: هل يمكننا نحن أن نكون على سدة حكم في بلاد تختلف فيها الآراء والأفكار، وأن لا نوصف بالاستبداد، وأن نبقى في الوقت نفسه أوفياء إلى قيمنا وإلى أخلاقنا وأصولنا الإسلامية؟

اشكالية الديمقراطية والشرعية

ويمضى الشيخ مورو في حديثه ..قالوا لنا: إنَّ في الديمقراطية حلاًّ لهذا الإشكال، ولَمَّا تخوفنا من الديمقراطية، وقال بعضنا: هذا كفر ولا تجوز؛ لأنَّ فيها حاكمية لغير الله تعالى، ولأننا نَرُدُّ الأمر -الذي هو لله- نَرُدُّه إلى الشعوب، ثمَّ راجعنا أنفسنا بعد ذلك لنقول لأبنائنا: إنَّ الديمقراطية هي آلية فقط، وُضعت لتحل إشكال قوم اجتمعوا لقضية واحدة، وبرز الخلاف حولها، لدرجة يمكن أن تتفجر العلاقة القائمة بين الجماعة، فاختاروا أن يفضوا ذلك الإشكال عن طريق آلية يسمونها ديمقراطية، والديمقراطية ليست إلا آلية فيها من النقائص والمصائب ما نعلم جميعًا، ولكنها تبقى هي الحل الوحيد المتاح لنا لنخرج من ضيق الخلاف الذي يمكن أن يهدد كياننا ويفجرنا.

قالوا لنا: إنَّ الديمقراطية هي أغلبية وليست أقلية، فبرز الفائزون فقالوا: نحن نتحدث عن شرعية، نتمسك بشرعيتنا، فنحن أبناء أغلبية صوتت لنا، لذلك نتمسك بشرعيتنا حيال مَن يخالفنا، وهذه هي ديمقراطية الأغلبية. ولكن تبين أنَّ في الفترات الأولى للبناء لا تصلح هذه الآلية لتفصل الخصومة بين الناس؛ لأنك قد تتصدى وأنت في بلد فيه 20 مليونًا من المسلمين، مقابل مليونين من النصارى، وتقول للنصارى: نحن صوتنا واخترنا قانون الأغلبية، فلا يعني ذلك أننا محقنا تلك الأقلية، وأننا هيئنا لها من خلال تعاملنا معها ما يجعلها؛ إمَّا أن تكيد لنا ما دامت معنا، أو تسعى لتنفرط من العقد الذي يجمعنا بها لتنفصل عنا، كما وقع في بلد من بلادنا قبل سنة –السودان- لما انفصلت مجموعة عن مجموعة أخرى بادِّعاء أنها ظُلمت في حقوقها، باستعمال آلية ديمقراطية الأكثرية، وبذلك يبدو لنا بعد ذلك أنَّ هذه الآلية ليست قادرة على أن تحل الإشكال.

الديمقراطية تكون آلية إذا قامت المؤسسات، وإذا رُوعيت خصائص الأقليات، وهذا ما يسميه فقهاء السياسة اليوم ديمقراطية الوفاق. فهل نحن اليوم قادرون على أن نكون أهل وفاق؟ وهي فرصتنا الذهبية؛ ظهر رأي من الإسلاميين يقول: إنَّ هذه الفرصة هي فرصتنا، أُتيحت لنا فرصة لن تتكرر، نحن أمام آلية حكم فقدناها منذ زمن، ولأجلها تعبنا، ولأجلها فقدنا قيمنا مدة طويلة من الزمن، ولأجلها غيرنا نمط حياتنا، الذي عشنا من أجله، واعتدنا عليه، ودخلنا السجون من أجلها، كل ذلك يمكن أن يتبخر إذا فرَّطنا في آلية الحكم التي بين أيدينا، لسنا في غفلة حتى نترك آلية الحكم هذه لغيرنا، ونبقى ننتظر حتى يحصل وفاق بيننا وبينهم، فنحن متشبثون بكراسينا، ومتمسكون بقدراتنا، ولن نسمح لغيرنا أن ينازعنا فيها.

ومرد هذا التفكير أيها السادة -وأنا أترك لكم التقييم- شعور قائم فينا -نحن معاشر الإسلاميين أو جُلّنا- بكون الإسلام -الذي نرغب فيه عيشًا وحياة- لا يمكن أن يتم إلا عن طريق الدولة، وهذا الانطباع حاصل لدينا بحكم التجربة التاريخية المريرة التي عشناها مدة عشرة قرون، أو أحد عشر قرنًا، حتى تكونت في تاريخنا وعقليتنا فلسفة الحكومة المركزية الغالبة على إرادة الشعب، والتي لا إرادة للشعب أمام إرادتها، فهي تنبع من رأي خليفة له وحده حق الأمر والنهي، وحتى المشورة أمامه ليست إلا مشورة استشارية فقط وليست ملزِمة له، وأصبحنا -بحكم ممارسة هذه الدولة بضغطها على الشعوب- نعتقد أنَّ الدولة التي نطمح إليها هي تلك الدولة القوية التي تحكم العباد والبلاد، والتي تقضي على الناس في حياتهم بما شاءوا وما لم يشاءوا. وآخر تجربة عهدناها تلك الديكتاتورية التي تسلطت علينا، نحن كنا ضحية هذه الدولة؛ الحكام الذين حكمونا -بمنطق الشرعية الجهادية أو النضالية، أو منطق الشرعية الصندوقية لأنَّ الشعب اختارهم، أو منطق الشرعية الحزبية، أو منطق الشرعية القبلية- داسوا على رقابنا، وجعلونا نعتقد فهمًا خاطئًا في تلك المقولة التي شغلتنا "إن الله يَزَع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وأصبحنا نعتقد أنَّ الإسلام لن يعيش إلا بقهر قاهر وحكم حاكم، وأنَّ هؤلاء الذين يستخفون بشخوص المسلمين، ويستخفون بشخصية الإسلام ينقصهم حاكم قوي يأتي عليهم فيفقدهم وجودهم، لذلك نحن نحرص على إقامة تلك الدولة، دولة القهر التي من خلالها سيطبق الإسلام. ورأيتم شعارات مغرية تُرفع في شوارعنا وطرقاتنا، ويتقدمها معمَّمون وملتحون ومشايخ وعلماء، كلهم يُنادي بأحقية تطبيق الشريعة الإسلامية، ويطالبون بتطبيق هذه الشريعة عن طريق حاكم يحكم الناس قهرًا.

اسمحوا لي -أيها السادة الأفاضل- أن أُقدم لكم المقولة -وأترك لكم التعليق عليها- بأنَّ الدولة التي أتانا بها الإسلام ليست هذه الدولة، وأنَّ الإسلام الذي نعلمه لم يُمكَّن في قلوب الناس لا بضغط ولا بقهر ولا بإلزام، وأنَّ الإسلام الذي عهدناه سلوكًا نبويًّا كريمًا في دعوة رحيمة، ثمَّ في إقامة دولة فاضلة كانت تغضُّ عيناها عن المُخطئين في خطئهم، وكان نبيها الأكرم صلى الله عليه وسلم يتجافى أن يُقيم حدًّا على شخص -رجلاً أو امرأة- يَقْدُم إليه ليعترف بفعل محرم شرعًا، فيغضي عن هذا القادم، فلم يضع صلى الله عليه وسلم في آليات الحكم حوله مؤسسة أو إدارة أو أشخاصًا معنيين بأن يتولوا تحويل تلك القوانين الشرعية التي وردت في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة إلى مؤسسة تقضي على الإنسان بقطع يده أو قطع رقبته، بل كان يتحين الفرص ليجد لهؤلاء مخرجًا مما ارتكبوا، ولم يرد في تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم أنه دخل على سر أحد، أو تجسس على بيت أحد، أو أخذ أحدًا بفعلٍ رآه غيرُه من عدو؛ "إني رأيتُ فلانًا مع فلانة، قال: هلا سترتَه بثوبك؟".

الشريعة في قلوب الناس

هذه الأمة قامت فيها الشريعة في قلوب الناس قبل أن تقوم المؤسسات، والرسول صلى الله عليه وسلم بذل من الجهد ثلاث عشرة سنة من حياته الشريفة بعد الأربعين من عمره في فعل دءوب، انتهى إلى ما نسميه نحن بقياسنا البشري "دولة"، فالنبي صلى الله عليه وسلم اضطر بعد ذلك أن يغادر بيته، بل أن يغادر بلده العزيزة، وأن يبعث إخوانه في الدعوة يفتشون عن مآل لهم في الحبشة مرة أولى وثانية، ثم يجد لنفسه ملجأً في المدينة المنورة حيث أخواله، ويبتعد عن تلك المنطقة التي عذبته؛ ليُقيم دولة عزيزة في ظل حرية اختيار جعلها أساسًا لقيام هذه الدولة، وجعل الانخراط فيها انخراطًا في آلية جماعية تكون مسلَّمات في المجتمع، الإسلام قهر أعداءه بمسلماته التي كوَّنها عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أصبح للحياء قيمة في قلوب الناس، لا عن طريق حكم حاكم، ولا قهر قاهر، وإنما عن طريق تربية تظهر آثارها فيما يُبديه المجتمع من ضغط على كل خارج عليه، يفرض على هذا الخارج أن يتأخر للوراء؛ لأنَّه لا يستطيع أن يجهر بفكره المعارض، ولا يستطيع أن ينتهك حرمة مجتمع، قام على قيم أصيلة، دون حاجة لحاكم يظهر للناس عصًا يضربهم بها ليتحول الإسلام في أذهان البعض لقوة قاهرة، وإلى دين غير متسامح.

الإسلاميون اليوم أمامهم مخرج عظيم، ليس هو الحكم، وإن مارسوا الحكم، وليس من حقهم أن يمتنعوا عن ممارسته إذا عُرض عليهم، لكن ليس من حقهم كذلك أن يجعلوه هدفهم الأوحد، فإذا أُخرجوا عنه ظهر للناس أنهم خسروا كل شيء، وأنهم رجعوا إلى حالة الصفر أو ما تحت الصفر، يجب أن يُدرك الإسلاميون اليوم أنَّ مشروعهم هو مشروع استغلال هذه الحرية التي حُرموا منها من قبل، تحت استبداد سلاطين لم يكونوا يسمحون بالرأي المخالف، ومن بعدُ تحت حكم مستعمر كان يقطع الألسنة التي تخالفه، ثم بعد كل ذلك تحت ديكتاتورية ظالمة حَرمت هذه الأمة من حقها في إبداء الرأي، حتى تحوَّل الرأي الواحد إلى عقيدة ودين، بينما هذه الأمة عزها ومجدها في رأي يُخالف فيه بعضُها بعضًا؛ لأنَّ الله خلقنا لأجل ذلك ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وهو خلقهم من أجل الرأي المخالف، ولم يصنع منَّا أبدانًا وآراءً وأفكارًا متطابقة؛ لأنَّ ذلك يقتل فينا نزعة المبادرة وفكرة التسابق.

الإسلاميون اليوم غافلون عن المكسب الأكبر الذي حازوه، وهو تلك الحرية المتاحة لهم، اليوم أنا أُخاطبكم بكل حرية واستقلال، وقبل عشرين سنة كنتُ ممنوعًا أن أُخاطب أبنائي في بيتي، وأخشى أن يُتجسس عليَّ من خلال هاتفي، ولا أجرؤ أن أقول رأيي مع زوجتي إلا في الظلام الدامس، بعد أن ننزل تحت الفراش. اليوم أنا أتمتع بهذه الحرية، وهذا مكسب عظيم، ومن خلال هذا المكسب أنا أُحقق ذاتي، وأُبشِّر بقضيتي، وأدعو إلى رأيي، وفيَّ من الفهم لهذا الرأي، وفيكم من القدرة والإدراك ومن الجرأة أن تقولوا: إنني أصبحت قادرًا أن أُبشِّر برأيي دون أن أحتاج إلى عصا بوليس أو بندقية عسكري.

أمَّا أبنائي من هؤلاء المتعجلين، الذين يُكفِّرون بالمخالفة، ويضربون لمجرد وجود مشهد لا يعجبهم، والذين يسبُّون ويشتمون، والذين ينظِّرون للحروب الطائفية، والذين يدعون للتقاتل بين المسلمين، والذين يتصورون أنهم يفعلون ذلك من أجل الإسلام. أقول لهم: أنتم أبعد ما يكون عن فهم ذلك الدين العظيم الذي قام على أساس: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وعلى أساس: ﴿لسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، وأنه لم يأمر أحدًا، ولم يفرض على أحد إلا ما تبناه بمحض إرادته، وأنَّ القوانين التي تطبق على أبناء الأمة في داخل حيزها القائم هو نتيجة رغبتها في أن يكون الإسلام هو الذي يحكمها، ونحن اليوم في حاجة لوفاق مجتمعي يجعل القيم الأساسية لهويتنا أمرًا مشتركًا بيننا وبين الذين يخالفوننا في التوجه السياسي، لا يحق لعلماني ولا لقومي ولا لسلفي ولا لشيعي ولا لسني أن يختلف حول القيم الأساسية المكونة لمجتمعاتنا، فهذه قضية من قبيل تحصيل الحاصل، وهي نتاج عرق آبائنا وأجدادنا ونضالهم واستشهادهم، وليس لنا بعد 1400 عام أن نأتي لنشكك في هويتنا الجمعية، فنحن لنا هوية تجمعنا، أمَّا السلوكيات الفردية فهذه قضية ممنوحة للقانون، والقانون يراعي فيها مصلحة المجتمع، وإذا تدخل القانون فيها فليس من باب التأثير على إرادة الأفراد في اختيار ما يُريدون، وإنما في كبح كباح الظالم الذي يريد أن يعتدي بسلوكه الفردي على كرامة المجتمع البشري الذي ينتمي إليه، فتتدخل القوانين لردعه، سواء في الدولة التي قامت على أساس الإسلام، أو في دولة أخرى -في شمال الأرض أو شرقها أو غربها- قامت على العلمانية، هذا الذي نطمح إليه وهذا الذي نرغب فيه.

إنَّ الذي نطمح إليه، والذي نرغب فيه، ونحتاجه اليوم: جهد فكري، وجهد علمي، يجعلنا نؤصِّل هذه القضايا، فالقيم التي جاء بها الإسلام، والتي نعتبرها هي أساس الشريعة، من حرية ومساواة وكرامة وعدل؛ هي قيم نشترك فيها مع أبناء الأرض جميعًا، بل نحن مؤهَّلون قبل غيرنا بأن نحوِّلها لواقع نعيشه، وإذا تمسكنا بأننا نريد أن نفرض على الناس سمتًا في لباسهم، وأن نفرض على الناس سمتًا في تفكيرهم؛ فإننا نلعب بهذا المخزون العظيم الذي قام على جمعه آباؤنا وأجدادنا ومفكرونا؛ لأننا نقرن الديكتاتورية والظلم والاستبداد والظلامية بالإسلام، والإسلام من ذلك براء.

الذين قاموا في بلادنا بثورة الحرية والكرامة لم يرغبوا في أن يُكمموا أفواه الناس، ولم يرغبوا في أن يعطلوا عقول الناس، ولم يرغبوا في أن يفرضوا على الناس ما لم يرتضوه ولو كان إسلامًا؛ فالإسلام عقيدة وإيمان وقناعة لا يصلح في تبنيها قهر خارجي، الذي يسلط السياط على جلدي فيلهبه، لا يمكن أن ينال قلبي لأقبل رأيه.

خشية الخسارة في الانتخابات

المطب اليوم هو ما ينتظرنا، نحن الآن نخشى في بلادنا أن ندخل امتحانًا جديدًا تحت عنوان: "انتخابات لخمس سنوات قادمة"، ونخشى أن نخسر، بل الكثيرون من أصدقائنا وأحبابنا ينحون علينا باللائمة؛ لأننا وصلنا لحد أن نُلام ونُسب ونُشتم، وأننا يمكن أن نخسر الانتخابات، ويقولون: انتهى الأمر، انتهت الدنيا، والمشروع الإسلامي سقط عند أول امتحان. هذا كلام مبالَغ فيه.

أقول للإسلاميين: لا تجعلوا سبب وجودكم حكمًا تصلون إليه بالانتخابات أو بغيرها، الحكم ليس إلا امتحانًا من عدة امتحانات، لعله أظهرها وأبرزها وأقربها نتيجة على النفس، ولكن نحن مطالبون -بعد أن كسبنا حريتنا- أن نفعل فعلنا في مجتمعاتنا، ألم نكن -من قبل أن يُحقق لنا وجود قانوني- نشتكي من تكميم أفواهنا؟ ألم نكن نقول من قبل: إنَّ سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يقول: (خلوا بيني وبين الناس)، ونحن نقول: خلوا بيننا وبين الناس؟ ما دمنا نقول: خلوا بيننا وبين الناس، فهاهي الفرصة مُتاحة للإسلاميين، وقد خُلي بينهم وبين شعوبهم، افعلوا ما تشاءون، قدموا ما تريدون، أم أنكم عاجزون أن تقدموا أكثر من الخطب الرنانة التي تحرك قلوب الناس وشعورها، فإذا دُعيتم إلى فعل قلتم نرتقي سدة الحكم، ونرغم الناس على اتباعنا؟! أهذا هو الإسلام الذي كنت تدعون إليه؟! الإسلام الآن يتيح لكم فرصة أن تدخلوا في المجتمع فتعملوا فيه، شعوبكم تنتظر منكم أن تعلموها سلوكًا سياسيًّا حسنًا، أن تعلِّموها: كيف تسمع؟ وكيف تفكر؟ وكيف تفهم؟ وكيف تُدرك؟ أن تخرجوها من بهرج الظواهر إلى عمق القرار في داخله حتى يدرك الناس: من يقرر لنا؟ ومن يفعل بنا ما يفعل؟ الآن نحن نتصور أننا أحرار إرادة، وأنَّ قرارنا بأيدينا؛ لأننا غافلون عما يُحاك حولنا من مؤامرات بدأت منذ عشرات السنين، والسودان الشقيق -الذي وقع فيه فصال منذ سنة واحدة- لم يَصدر قرار الفصل قبل استقلاله بأربعة أعوام، ولكن قبل 65 سنة تقرر فصل السودان إلى شمال وجنوب، ونُفِّذ ذلك منذ سنة واحدة، ونحن لا ندرك ذلك؛ لأننا لا نقرأ ولا نتعلم ولا نتابع خصومنا، ولأننا قياديون إسلاميون أو قواعد إسلامية لا ندرك أنَّ وراء الأكمة ما وراءها، وأنَّ هناك أناسًا وراءهم مراكز إستراتيجية، ودراسات طويلة عريضة، وعلماء يجوبون أرضنا، يحصون علينا عثراتنا وسكناتنا، يعلمون إنتاجنا بالقطر والقطمير والكيلوجرام من القمح، يحسبونه ويعلمون ما سنقع فيه من مطبات اقتصادية بعد خمسة أعوام أو عشرة أعوام.

إننا اليوم لم ندرك بعد: كيف يمكن أن نقاوم تخطيطاتهم؟ لأننا أمة متساهلة مع نفسها، ولأننا عشنا ستة قرون مع تاريخ ننظر وراءنا، ولم ندرك أنَّ اليوم الذي نعيشه قد خططه غيرنا، وأنَّ غيرنا هو الذي يقودنا، وأنَّ غيرنا هو الذي يُفجِّرنا، وإذا كنا -بعد جهد- قد أدركنا أنَّ تقسيم بلاد العرب -بعد الحرب العالمية الأولى- كان نتيجة "سايكس بيكو"؛ فإننا لم ندرك أنَّ ما يُحاق لنا اليوم من فتنة طائفية -بدأ قرناها يظهران بيننا- قد خُطط له منذ خمسين أو ستين سنة، وأننا بغفلتنا لسنا إلا محققين -بدون وعي- لإرادة خصومنا فينا، وأننا بأيدينا وبعشوائيتنا وبحساسياتنا لسنا إلا محققين لإرادة خصومنا فينا، وأنَّ الدولة الإسلامية التي نرغب في إقامتها ستبقى دولة منقوصة الإرادة والقرار إذا لم ندرك: مَن الذين يخططون؟ وكيف يمكننا أن نسترجع قرارنا بأيدينا؟ وإذا كنَّا نتصور أنَّ استقلالنا عن المستعمرين السابقين هو استرجاع للقرار؛ فإنَّا خاطئون وغير مدركين؛ لأننا كنا تحت قوى عسكرية تحكمنا بالحديد والنار، فلما خرجت هذه القوى العسكرية أصبحت شركات الشيكولاتة والقهوة والسكر والجبن والحديد والنايك والسامسونج وغيرها من الشركات هي التي تتحكم فينا، وتقرر لنا، وتمتص منا زبدة عرقنا، وهي التي تلعب بعقولنا، وهي التي تفرض علينا أن نشتري بضاعتها، وبعد ستة أشهر تقول: الموضة انتهت، وتبيعنا بضاعة أخرى، وبناتنا وأبناؤنا يطلبون، ونحن نخرج عرق جبيننا وأموالنا لندفعه إلى أولئك الذين مايزالون يتحكمون في قرارنا.

الحكومة الإسلامية هي مشروع، وليست واقعًا يُعاش اليوم؛ لأنَّ الحكومة أمر أعظم من أن يتحقق في يوم أو يومين أو عام أو عامين، وإنَّ ثقل القرون التي مرت علينا ونأت بحملها ظهورنا لا يمكن أن يُزال عنَّا بمجرد تصفيقة في برلمان، أو رئيس يمر في التلفاز ليحيي شعبه ويقول: قد انتصرنا، وانتصر الشعب.

واختتم الشيخ عبد الفتاح مورو محاضرته بقوله "أنا في كل هذا لست أبث رُوح يأس، بل أبث فيكم رُوح أمل مقترن بعمل وإرادة، يُحقق للأمَّة ما تصبو إليه، ومن يصبو إلى شيء فليس من حقه أن يجلس على كرسي ليصفق، بل عليه -وهو صاحب أمل- أن يُحقق للأمة إرادتها، وأن يُدرك أنَّ التغيير خاضع لإرادة الأقوام أنفسهم، وأنَّ الله وضع نواميس إذا تحققت؛ تحققت نتائجها، وإذا تخلَّفت النواميس تخلَّفت نتائجها، وأنَّ النصر لن يكون حليفًا لأحد -وإن كان نبيًّا- دون عمل، وعليكم أن تقارنوا يومكم بمعركة بدر حتى تدركوا أنَّ قانون الله يجب أن لا نختلف عليه، وأنَّ أنبياءه يمكن أن يُغلبوا أو يُقهروا، بل يمكن أن يُظلموا؛ فعلى شعوب الأمة وحكامها أن تتحمل مسؤوليتها في تحقيق إرادة الله تعالى فوق الأرض.

اليمن الى اين؟

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم


تبقى لديك حرف

   

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...