إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
التأمين التجاري للتعويض عن الضرر حقيقته وحكمه
الثلاثاء 23 رمضان 1432 الموافق 23 أغسطس 2011
 
التأمين التجاري للتعويض عن الضرر حقيقته وحكمه

د. محمد بن حسن آل الشيخ

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيد المرسلين والناس أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واقتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد:
لم تحظ قضية من قضايا الفقه المعاصر بمثل ما حظيت به مسألة التأمين؛ فمنذ أكثر من مائة عام (1) والمسألة لا تزال موضع بحث ونقاش لدى هيئات الفتوى والمجامع الفقهية، وقد طال الجدل حولها وتشعب، وتعددت الاستدلالات والردود، والأخطر من هذا أن المسألة ارتقت عند البعض إلى مسائل الأصول التي لا يجوز الخلاف فيها؛ وإن كان هذا الخلاف مبنيًا على الاجتهاد المشروع مستكملاً أدواته وشروطه.وإذا كان الاهتمام في بداية طرح هذه المسألة اقتصر على الفقهاء والباحثين في المال والاقتصاد؛ فإن المسألة أضحت – الآن – واقعًا معاشًا لدى عامة الناس وفي أغلب المجتمعات؛ ذلك أن التأمين – من حيث غاياته – أصبح أداة اقتصادية واجتماعية مهمة لتلبية احتياجات معاشية، وتجارية، وصحية ملحة.ولما كان مجتمعنا حديث عهد بقضايا التأمين وتطبيقاته وأنظمته؛ فإن الحكم فيه لم يستقر ولا يزال موضع خلاف بين من يرى تحريمه بإطلاق، ومن يجيز بعض أنواعه، ومن يرى جواز التأمين عمومًا.

لقد اقتصرت في بحثي هذا على التأمين التجاري لأمرين:

ا
لأول: أن من أسباب الخلط في الاستدلال والردود في حكم عقد التأمين هو دمج الكلام عن أنواع التأمين (2) في سياق واحد؛ فربما يعمد الباحث إلى محظور وجده في نوع منها ثم يعممه على بقية الأنواع؛ ولهذا فإن الطريقة الأسلم – في نظري – هي إفراد كل نوع بالبحث على حدة.لثاني: أن المتفحص لأنواع التأمين المطروحة للنقاش يجد أن الفيصل في حكمها يعود إلى نوع واحد منها وهو التأمين التجاري؛ فإذا جاز هذا النوع انسحب الجواز إلى بقية أنواع التأمين بلا إشكال، ومن أجاز بعض أنواعه كالتأمين التعاوني مثلاً فيتمسك ببعض الفوارق بينه وبين التأمين التجاري الذي لا يجيزه؛ وعليه فإن المدخل الصحيح لدراسة عقد التأمين يبدأ من التأمين التجاري والنظر في دعوى التفريق بينه وبين أنواع التأمين الأخرى.ونظرًا لهذه الأهمية التي يمثلها عقد التأمين التجاري لتقرير حكم التأمين عامة أردت أن أدلو بدلوي في هذا الموضوع المهم من خلال هذا البحث الذي عنونته بـ "عقد التأمين التجاري للتعويض عن الضرر" وكما يتضح من العنوان فإن البحث يقتصر على التأمين عن الأضرار؛ فلا يدخل التأمين المقصود به الادخار أو ما يسمى بالتأمين على الحياة.وفي نظري أن موضوع التأمين لا يزال محلاً للنقاش والأخذ والرد حتى وإن كثرت الكتابات فيه وتعددت؛ فربما تأتي الإضافة من خلال دليل لم يفطن له أو مناقشة لم يسبق إليها، وهذا ما حاولت استفراغ الوسع والطاقة فيه بتتبع الأدلة والمناقشات مضيفًا إليها ما فتح الباري – عز وجل – به عليّ في المسألة.وقدمت بين يدي البحث تمهيدًا عرضت فيه حقيقة التأمين ووظيفته وأنواعه، والتعريف بالتعويض والضرر.وختامًا؛ فإني أسأل الله تعالى أن يلهمني الصواب، وأن يريني الحق حقًا ويرزقني اتباعه، وأن ينفع بهذا البحث كاتبه وقارئه، إنه سميع مجيب.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التمهيد:
حقيقة التأمين والتعويض عن الضرر:المبحث الأول: حقيقة التأمين ووظيفته وأنواعهالمطلب الأول: حقيقة التأمينالمطلب الثاني: وظيفة التأمين وفوائدهالمطلب الثالث: أنواع التأمينالمبحث الثاني: حقيقة التعويض عن الضررالمطلب الأول: تعريف التعويضالمطلب الثاني: تعريف الضررالمبحث الأولحقيقة التأمين ووظيفته وأنواعه

المطلب الأول: حقيقة التأمين:أولاً: تعريف التأمين في اللغة:
التأمين لغة: مشتق من الأمن، والأمن مصدر للفعل الثلاثي (أَمِنَ) من باب فَهِم. والأمن ضد الخوف، وهو يعني سكون القلب واطمئنانه وثقته. يقال: أمن فلانًا على كذا وثق فيه واطمأن إليه
(3). قال الراغب: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسمًا للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان" (4).ثانيًا: تعريف التأمين في الاصطلاح القانوني:يختلف نظام التأمين باعتباره فكرة وطريقة ذات أثر اقتصادي واجتماعي عن عقد التأمين باعتباره تصرفًا ينشئ حقوقًا بين طرفين متعاقدين (5).فالتأمين كنظام يقصد به: "تعاون منظم تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرّضين جميعًا لخطر واحد. حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع في مواجهته، بتضحية قليلة يبذلها كل منهم، يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم" (6).وأما التأمين كعقد، فقد عرّفه القانون المدني المصري في المادة (47) بأنه:"عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له، أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال، أو إيرادًا مرتبًا، أو أيّ عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث، أو تحقق الخطر المبين بالعقد؛ وذلك في نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن" (7).وهذا التعريف يبرز عناصر التأمين وأركانه، ويوضح العلاقة بين المؤمِّن والمؤمَّن له، كما يوضح أن العلاقة بينهما علاقة معاوضة، وأن مبلغ التأمين في مقابل الأقساط.إلا أنه قد أهمل جانبًا مهمًا فيه، وهو الاحتمالية؛ فلم يذكر أن الخطر أو الحادث احتمالي، ثم إنه فيه طولاً لا يناسب التعريفات؛ ولهذا عرّفه بعض الباحثين بعبارة موجزة تضمنت أبرز أركان التأمين ومقوماته حيث قال: "التأمين: التزام طرف لآخر بتعويض نقدي يدفعه له أو لمن يعيّنه، عند تحقق حادث احتمالي مبين في العقد، مقابل ما يدفعه له هذا الآخر من مبلغ نقدي في قسط أو نحوه" (8).ويلحظ على هذه التعريفات لعقد التأمين أنها تنطبق على التأمين التجاري؛ ذلك أن هذا النوع من التأمين هو السائد، وهو الذي تنصرف إليه كلمة التأمين عند إطلاقها (9).وقد حاول بعض الباحثين صياغة تعريف عام يشمل التأمين التجاري، والتعاوني، والاجتماعي، فعرّف التأمين بأنه: "الاتفاق بين طرفين أو أكثر على تفتيت مخاطر وتوزيع آثارها على أكثر من واحد، سواء كان الاتفاق عن طريق المعاوضة، أم عن طريق التبرع"(10). 

المطلب الثاني: وظيفة التأمين وفوائده
ي
قوم التأمين بوظائف، وينتج عنه فوائد مهمة للفرد والمجتمع، ويمكن إجمال هذه الوظائف والفوائد فيما يلي:
أولاً: الأمان: إن أهم وظيفة يؤديها التأمين للمؤمن له، هي الأمان، فهو يؤمن الشخص ضد ما قد يحيق به من خسائر وكوارث تهدده في نفسه، أو ماله. ونظرًا لأهمية هذه الوظيفة للتأمين فقد عرّف بعض الباحثين التأمين بقوله: "التأمين هو شراء الأمن... ذلك أن المستأمن مدفوعًا بالرغبة في حماية نفسه ضد خطر ما فإنه يشتري من المؤمِّن حق التعويض إن وقع الضرر بسبب ذلك الخطر" (11).
ثانيًا: النشاط الاقتصادي: التأمين على الأنشطة الاقتصادية يحد من الخسائر، وهذا أدعى إلى ترغيب الناس وتنشيطهم في مجال الأعمال، فيقدمون على المشروعات الاقتصادية المفيدة بشيء من الثقة والاطمئنان.ثالثًا: الوظيفة الاجتماعية: وتتمثل في حماية المستأمن من الفقر، فلا يصبح عالة على المجتمع في حالة إصابته في جسده أو ماله، فيستغني بمبلغ التأمين الذي يعطى له عن مدِّ يده للزكوات والصدقات، وهذا يؤدي عن مصارف التبرعات وتوفيرها للفقراء والضعفاء (12).

المطلب الثالث: أنواع التأمين:ينقسم التأمين إلى أقسام مختلفة باعتبارين اثنين، يمكن إيجازهما فيما يلي:أولاً: باعتبار طبيعة التأمين أو المؤسسات القائمة عليه (13):
 1– التأمين الاجتماعي: وهو الذي تقوم به الدولة لمصلحة الموظفين والعمال، فتؤمنهم من إصابة المرض، والعجز والشيخوخة، ويسهم في إيراداته الموظفون والعمال وأرباب الأعمال والدولة، والتأمين الاجتماعي يتخذ أشكالاً منها:
أ – نظام التقاعد: ويهدف إلى صرف مرتبات دورية (شهرية غالبًا) للموظف بعد بلوغه سنًا معينة مقابل اقتطاع جزء من راتبه الشهري.ب – نظام التأمينات الاجتماعية: ويهدف إلى دفع تعويضات إلى العمال في حالة العجز عن العمل بمرض أو حادث أو شيخوخة، مقابل اقتطاع جزء من راتبه بالإضافة إلى ما تدفعه المؤسسة التي يعمل فيها من اشتراكات.
2 - التأمين الصحي: وهو ما تتكفل به بعض الدول من تقدير العلاج اللازم لمن يصاب من مواطنيها بمرض مقابل ما يدفعه المواطن من قسط دوري.
3 – التأمين التبادلي: وهو الذي تقوم به الجمعيات الخيرية والتعاونية، حيث يشترك فيها أصحاب المهنة الواحدة ضد خطر معين، فيدفعون اشتراكات سنوية تزيد وتنقص حسب الحاجة، وفيها يكون المؤمنون هم المؤمن لهم، ويديرها متبرعون من الأعضاء دون مقابل.
4 – التأمين التعاوني: وهو تأمين تبادلي متطور؛ تقوم به جمعيات كبرى، أو شركات متخصصة تؤمن ضد جميع الأخطار، ولكل الناس، فهي لا تقصر تأمينها على الأعضاء ولا على نوع محدد من الأخطار، كما هو الحال في التأمين التبادلي البسيط.
5 – التأمين التجاري: وسيأتي بيانه، وحكمه.ثانيًا: ينقسم التأمين باعتبار طبيعة الأخطار أو طبيعة المصلحة المقصودة من التأمين إلى الأقسام التالية (14):
1 – تأمين الممتلكات: وهو ما يكون فيه الخطر المؤمَّن منه يتعلق بمال المؤمَّن له لا بشخصه، ويضم أنواعًا كثيرة من أشهرها: التأمين من الحريق، والتأمين البحري، والتأمين من السرقة، وتأمين السيارات، بالإضافة إلى أنواع أخرى عديدة تشمل كل ما يلحق بالإنسان من الضرر في ماله.
2 – التأمين من المسؤولية: وهو عقد يؤمِّن – بموجبه – المؤمِّن المؤمَّن له من الأضرار التي تلحق به من جراء رجوع غيره عليه بالمسؤولية، والمسؤوليات التي يؤمن الإنسان منها نفسه كثيرة، منها: مسؤوليته عن حوادث سيارته، أو من مسؤوليته عن الحريق، أو من مسؤوليته المهنية كالتأمين عن الأخطاء الطبية أو الهندسية، وغيرها.
3 – التأمين على الأشخاص: وهو الذي يتعلق فيه الخطر بشخص المؤمَّن له، وأشهر أنواعه: التأمين الطبي، والتأمين من إصابات العمل.
4 – التأمين بقصد الادخار: تتابعت كتابات الباحثين في التأمين على إلحاق هذا النوع بالذي قبله، واعتبروه نوعًا من أنواع التأمين على الأشخاص، وأسموه: التأمين على الحياة(15)، والذي أراه أن هذا التصنيف لهذا النوع من التأمين غير وجيه؛ ذلك أن ما يسمى بالتأمين على الحياة ليست له الصفة التعويضية وهي الركيزة الأساس في عقود التأمين، فالمؤمَّن له يستحق فيه مبلغ التأمين المتفق عليه دون حاجة إلى إثبات ضرر أصابه، ولا يحتاج إلى إثبات أن ما أصابه من ضرر يعادل مبلغ التأمين المتفق عليه، وإنما غاية ما فيه أن تتعهد  شركة تسمى المؤمِّن بأن تدفع للمؤمَّن له أو لورثته أو المستفيد المبيَّن في العقد مبلغًا معينًا أو مرتبًا، وذلك عند حدوث الوفاة أو البقاء حيًا لفترة معينة، مقابل قيام المؤمَّن له بدفع مبلغ من المال دفعة واحدة أو على دفعات دورية. وهذا العقد لا يخرج عن كونه قرضًا إلى أجل مجهول بفائدة محددة.ولأجل ذلك فقد أخرجت هذا النوع عن نطاق البحث لأنه وإن سمي تأمينًا فإنه لا يدخل في سلك التأمين – حقيقة – (16) لما يلي:
1 – أن حقيقة التأمين كونه عقد تعويض عن ضرر أو خسارة حقيقية، بينما ما يسمى بالتأمين على الحياة لا يتضمن هذه الصفة وإنما يهدف إلى الادخار.
2 – أن التعويض في التأمين يقتصر على الضرر الحقيقي دون زيادة حتى لا يكون سبيلاً إلى الإثراء (17)، أما مقدار التعويض عن الوفاة فليس له حد موضوعي ولا قيمة سوقية معلومة فيكون هدفه الاحتكار والإثراء وليس التأمين.

المبحث الثاني

حقيقة التعويض عن الضرر
المطلب الأول: تعريف التعويض:
أولاً: تعريف التعويض في اللغة:العوض: هو البدل، والجمع أعواض، تقول: عضت فلانًا أو عوضته وأعضته: إذا أعطيته بدل ما ذهب منه (18).وجاء في تاج العروس: "العوض – كعنب -: الخلف، وفي العباب: كل ما أعطيته من شيء فكان خلفًا" (19).ومن اشتقاقات مادة (عوض): التعويض، جاء في لسان العرب بعد ذكر اشتقاقات كثيرة للفظ العوض: "... والمستقبل التعويض" (20).وعليه فالعوض في اللغة هو مطلق البدل أو الخلف، والتعويض هو البدل أو الخلف دالاً على الاستقبال.

ثانيًا: ا لتعويض في الاصطلاح:

لم تذكر كتب الفقه لفظ التعويض، واستعملت بدله لفظ الضمان، فمصطلح التعويض مصطلح حديث؛ ولهذا جاء تعريفه عند الفقهاء المعاصرين، وتعريفاتهم للتعويض تدول حول معنى: جبر الضرر وتغطيته. ومن هذه التعريفات للتعويض: "هو جبر الضرر الذي يلحق المصاب" (21).
وهذا التعريف مناسب لموضوع البحث لأن المؤمِّن يجبر الضرر المؤمَّن له (المصاب) بدفع مبلغ التأمين المتفق عليه عند وقوع الضرر، وهذه حقيقة التعويض.إلا إنه يحسن إضافة قيد في التعريف بقصر الضرر على الجبر بالمال دون سواه، فلا يدخل في ذلك الجبر بالقصاص والتعازير؛ لأن مجال عمل التأمين هو الجبر بالمال فقط، وعليه فيمكن تعريف التعويض في مجال التأمين بأنه: "جبر الضرر الذي يلحق المؤمن له بما يدفعه المؤمِّن".المطلب الثاني: تعريف الضرر:أولاً: تعريف الضرر في اللغة:الضرر: ضد  النفع، والضر بالضم: الهزال وسوء الحال.وقيل: الضرّاء: النقص في الأموال والأنفس (22).

ثانيًا: تعريف الضرر في الاصطلاح:
تناول كثير من الفقهاء لفظ الضرر بالتعريف؛ أثناء شرحهم لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (23). ومن تعريفاتهم:"أن ينقص الرجل أخاه شيئًا من حقه" (24)."ما تضر به صاحبك وتنتفع به أنت" (25)."إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا" (26).وبالنظر إلى هذه التعريفات يلحظ أنها اعتنت بفعل الضرر ومن يقوم به؛ غير أن الذي يعنينا في هذا البحث هو نتيجة الفعل وليس ذات الفعل.ونتيجة الفعل: هي الأذى الذي يلحق بمن وقع عليه الضرر، إما في بدنه أو في ماله.وبهذا المعنى فإنه تعريف الضرر الاصطلاحي – المتفق مع موضوع البحث – لا يبعد كثيرًا عن ما ذكره ابن منظور في التعريف اللغوي بأن معنى الضرر: النقص في الأموال والأنفس.ويمكننا استعمال كلمة الأذى في التعريف لأنها أعم من كلمة النقص؛ فيقال في تعريف الضرر اصطلاحًا: "ما يلحق المؤمَّن له من أذى في جسده أو ماله".وقد ذكرت في المقدمة أن البحث يقتصر على التأمين عن الأضرار الحادثة مع حياة المؤمّن له؛ فلا يدخل التأمين المقصود به الادخار أو ما يسمى بالتأمين على الحياة. كما بيّنتُ سبب إخراجي لهذا النوع من التأمين عن نطاق البحث عند ذكر أنواع التأمين (27).

 حقيقة ا لتأمين التجاري وحكمه
المبحث الأول: حقيقة التأمين التجاري وخصائصهالمطلب الأول: حقيقة التأمين التجاريالمطلب الثاني: خصائصهالمبحث الثاني: حكم التأمين التجاري

المبحث الأولحقيقة التأمين التجاري وخصائصهالمطلب الأول: حقيقة التأمين التجاري:
تقدم معنا القول بأن التأمين التجاري هو الأصل في التأمين، وأنه الذي تنصرف إليه كلمة التأمين عند إطلاقها
(28). ولهذا فإن التعريفات المتداولة للتأمين تنطبق على التأمين التجاري؛ ومع هذا فإنه يمكن بيان حقيقة التأمين التجاري بشكل أدق بأنه: التأمين الذي يكون بعقد بين المستأمن والجهة المؤمنة (شركة في الغالب) على أن يدفع لها المستأمن مبلغًا معينًا عن كل دورة زمنية؛ وهو قسط التأمين، في مقابل تعهدها بتعويض الضرر الذي يصيبه إذا وقع الخطر المؤمَّن عنه، وما يزيد عن الأقساط المدفوعة عن تعويضات الأضرار الواقعة يكون ربحًا للجهة المؤمنة نظير قيامها بهذه المهمة (29).وتتضح من تعريف التأمين التجاري أركان العقد، وتتمثل فيما يلي (30):
1 – المؤمِّن: وهو الطرف الذي يقوم بالتعويض عن الضرر للطرف الآخر عند وقوع الحادث المؤمَّن عنه.
2 – المستأمن: وهو الطرف الذي يتمتع بتعويضه عن الضرر الذي يصيبه مقابل التزامه بدفع قسط التأمين للمؤمِّن.
3 – محل العقد: في التأمين على السرقة يكون محل التأمين الأموال المؤمَّن عليها والبضائع ونحو ذلك، وفي تأمين السيارات يكون المحل المسؤولية نحو الغير الناشئة عن استخدام السيارات، وفي الحريق يكون محل التأمين إما السكن أو المصنع... إلخ.
4 – الصيغة: وهي الإيجاب من المستأمن، والقبول من المؤمِّن، والصيغة تتم باللفظ والكتابة، ونحوها من وسائل التعبير عن الإرادة، وجرى العرف بين شركات التأمين على أن التعاقد قد لا يتم بمجرد الاتفاق الشفهي، وإنما من خلال وثيقة موقعة من الطرفين.
5 – الخطر: وهو الحادث الاحتمالي المؤمَّن عنه والمبين في العقد كالحريق والسرقة.
6 – القسط: وهو المقابل المالي الذي يدفعه المستأمن للمؤمِّن مقابل تحمل الآخر تعويضه عن الخطر المؤمَّن عنه.
7 – مبلغ التأمين: وهو المبلغ المتفق عليه مقدمًا ليكون أساسًا للتعويض الذي يقوم بدفعه المؤمِّن إلى المستأمن في حالة وقوع الخطر المؤمَّن عنه.

 المطلب الثاني: خصائص عقد التأمين التجاري:
يتميز عقد التأمين التجاري بما يلي (31):
1 – عقد معاوضة: فكل من طرفي العقد يأخذ مقابلاً لما أعطى، فالمستأمن من يحظى بالأمان، ويستحق مبلغ التأمين عند وقوع الخطر مقابل دفع الأقساط، والمؤمِّن يتحمل التعويض عن الضرر مقابل أخذه أقساط التأمين.
2 – عقد إلزام: فلا يجوز لأحد الطرفين فسخه بعد انعقاده إلا برضا العاقد الآخر.
3 – عقد احتمالي: فكلا العاقدين لا يعرف عند إبرام العقد مجموع ما سيأخذ من المال، ولا مقدار ما سيدفع؛ لأن ذلك متوقف على وقوع الخطر أو عدم وقوعه؛ وعليه فلا يصح أن يكون الخطر متعلقًا بإرادة أحد طرفي العقد لانتفاء عنصر الاحتمال – حينئذ – فيبطل العقد.
4 – عقد إذعان (32): واعتبار الإذعان إنما هو في جانب المؤمِّن لأنه الأقوى فشركات التأمين تتمتع بمركز مالي قوي وفي قدرتها أن تقرر من الشروط ما تراه محققًا لمصالحها. والمستأمن يجد نفسه مضطرًا إلى قبول كل شروط العقد، وخاصة إذا كان المستأمن فردًا؛ أما إذا كان المستأمن مجموعة يمثلها طرف يتفاوض باسمهم مع شركة التأمين فبإمكانه أن يعدَّل في بعض الشروط لمصلحتهم (33).

 المبحث الثانيحكم التأمين التجاري
قبل البدء في ذكر الأقوال في حكم التأمين التجاري وأدلتها، والمناقشات التي ترد عليها، أرى أنه من المناسب التمهيد بذكر الأمور التالية:
1 – التأمين من المسائل المستجدة التي لم يرد فيها نص بحل ولاحرمة وقت نزول التشريع؛ وعليه فإن البحث فيه قابل للمناقشة والأخذ والرد، ولذلك لا أرى مبرِّرًا للتعصب لرأي معين في حكمه ورمي الآخرين إما بالتساهل أو التشدد.
2 – التأمين كغيره من مسائل المعاملات لا يحتاج إلى التكلف في إيراد الاستدلالات لبيان حلها، وذلك لوجود الأصل المتفق عليه عند جمهور أهل العلم وهو: الأصل في المعاملات الحل
(34)، وإنما الذي ينبغي هو البحث عن ما قد يوجد من أدلة تفيد تحريمها، ثم النظر بعد ذلك في مدى صحة الاستدلال بها عند المناقشة.
3 – التأمين – من حيث مبدأ تفتيت المخاطر ودرء آثار المصائب والتكافل عند الملمات – جائز عند الفقهاء المعاصرين (35)، وهذا يعني أن المصلحة الناتجة عنه مصلحة معتبرة شرعًا.إذا عُلم هذا، فإن فقهاء العصر اختلفوا في حكم التأمين التجاري على قولين:القول الأول: تحريم التأمين التجاري، ومن القائلين به: ابن عابدين الحنفي (36)، ومحمد بخيت المطيعي (37)، وأحمد إبراهيم، ومحمد أبو زهرة، وعبدالله القلقيلي (38)... وغيرهم، كما أصدرت بعض المجامع الفقهية قرارات – بالأغلبية – بتحريم هذا النوع من التأمين (39).القول الثاني: إباحة التأمين التجاري، ومن أبرز القائلين به: مصطفى الزرقا، وعلي الخفيف، ومحمد سلام مدكور، وعبدالرحمن عيسى، وعبدالله بن زيد آل محمود (40)... وغيرهم.

 أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عقد التأمين ينطوي على الغرر، والغرر مفسد للعقود، والأصل في ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الغرر)
(41). والغرر يدخل في عقد التأمين لأن المؤمِّن وقت إبرام العقد لا يعرف مقدار ما يأخذه ولا مقدار ما يعطي؛ إذ إن ذلك متوقف على وقوع الخطر أو عدم وقوعه، وكذلك الحال بالنسبة للمستأمن، فكل من العوضين مجهول بالنسبة لطرفي العقد عند إبرامه (42).وهذا الدليل هو أقوى أدلة القائلين بتحريم التأمين التجاري، ونظرًا لأهميته اقتصر عليه مجمع الفقه الإسلامي الدولي في نص قراره المتعلق بحكم التأمين، حيث جاء فيه: "عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعًا" (43).المناقشة: نوقش هذا الدليل بما يلي:
1 – الغرر المنهي عنه في الحديث ليس هو المدعى وجوده في التأمين؛ ذلك أن الحديث ليس نصًا قوليًا من النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل هو حكاية عن النهي ولا يستبعد أن يكون فهمًا فهمه الصحابي – الذي روى الحديث – من مجموع المناهي التفصيلية، ومنها:- "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما في ضروع الماشية قبل أن تحلب، وعن الجنين في بطون الأنعام، وعن بيع السمك في الماء، وعن المضامين وعن الملاقيح، وعن حبل الحبلة (44)" (45).- "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضربة الغائص" (46).- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وقال: "أرأيت أن منع الله الثمرة ففيم يأخذ أحدكم مال أخيه" (47).وكل تلك المناهي تطبيق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر، وهي من طبيعة واحدة تدل على المقصود، وهو النهي عن بيع الأشياء المعدومة أو غير المقدور على تسليمها في زمن العقد، وهذا نوع من الغرر الفاحش الذي يجعل العقد كالقمار المحض اعتمادًا على الحظ المجرد في خسارة واحد وربح آخر دون مقابل (48).والذي يؤيد أن النهي الوارد عن الغرر هو ما فهمه الصحابة من جملة ما سبق من المناهي التفصيلية هو جواز كثير من العقود رغم اشتمالها على نوع من الغرر كالسلم وبيع المغيبات في الأرض والعرايا والاستصناع والجعالة؛ إذ لو كان هذا النهي صادرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لتناول كل غرر قليله وكثيره، ولما جاز شيء من هذه العقود، وهذا الجمع يعفينا عن كثير من الإجابات المتكلفة عن القول بجواز هذه العقود مع ما اشتملت عليه من غرر، وخصوصًا إذا علمنا أن قول الصحابي: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كذا، لا يدل على العموم عند أكثر الأصوليين (49).
2 – لا نسلم بوجود الغرر في عقود التأمين سواء بالنسبة للمؤمِّن أو المستأمن، لأن التأمين له غاية محققة النتيجة فور إبرام عقده، حيث إن نظامه يرتكز على أساس إحصائي ينفي عنصر الاحتمال؛ بحيث لا تتعرض شركة التأمين لخطر يزيد على الخطر الذي تتحمله الشركات عادة في أعمال التجارة الأخرى غير أعمال التأمين. أما بالنسبة للمستأمن فإن الاحتمال فيه معدوم؛ وذلك لأن المعاوضة الحقيقية في التأمين بأقساط إنما هي بين القسط الذي يدفعه المستأمن وبين الأمان الذي يحصل عليه، وهذا الأمان حاصل للمستأمن بمجرد العقد دون توقف على الخطر المؤمَّن منه بعد ذلك
(50).فالتأمين ليس معاوضة بين مالين حتى يسأل عن كونه مجهولاً أم لا؟ فالأقساط التي يدفعها المستأمن تقابل الأمن الذي يحصل عليه؛ والمال الذي يدفعه المؤمِّن ليس عوضًا في المعاملة بل العوض هو نفس التأمين.

الإجابة: أجيب عن ذلك بأن زوال الاحتمال بالنسبة للمؤمِّن غير دقيق لأنه مهما بلغت دقة إحصاءاته يبقى أنه لا يعرف مجموع ما سيأخذه ومجموع ما سيعطيه يقينًا، وإنما كل الذي ستفعله الإحصاءات أنها تشير إلى ذلك بصورة قريبة من الواقع فحسب. أما بالنسبة للمستأمن فإن المعاوضة إنما هي بين القسط ومبلغ التأمين وكل منهما مجهول المقدار عند التعاقد، ولا يصح أن يكون الأمان محلاً للعقد ولكنه الباعث عليه (51).الرد: يمكن أن يقال بأنه لا سبيل إلى اليقين، ولو اشترط في المعاملات لما جاز كثير منها، فإذا وجد فرق بين الإحصاءات الدقيقة وبين الواقع فإنه – غالبًا – يكون فرقًا يسيرًا، والغرر اليسير يغتفر – حتى في المعاوضات – بالاتفاق. يقول النووي: "أجمع ا لمسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير" (52).أما بالنسبة للمستأمن فإنه التفرقة بين الباعث والمحل في التأثير ليست مسلمة، خصوصًا إذا علمنا أن الأمور المعنوية كالحقوق الفكرية لها قيمة مالية (53) ويعتاض عنها – الآن – بالمبالغ الطائلة، والأمان من هذا القبيل (54).
3 – سلمنا بوجود الغرر في عقود التأمين، ولكن الغرر لا تخلو منه أعمال الإنسان وتصرفاته المشروعة، فهذه التجارة والزراعة والكفالة أعمال مشروعة باتفاق المذاهب مع كون فاعلها مقدم على قدر من الخطر لا تخلو منه طبيعة الأشياء، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما المخاطرة فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة، بل قد عُلم أن الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة"
(55).وقد أقرّ الفقهاء عقودًا يكتنفها قدر من الغرر كدخول الحمامات بأجر غير محدد في البدء مع الجهل بمدة البقاء وكمية الماء المستعمل، وأقرّوا استئجار المرضع بطعامها وشرابها غير المحدد، وأجازوا بيع الثمار المتلاحقة على أشجارها (56).بل إن بعض العقود الجائزة يكتنفها الغرر الكثير كعقد الجعالة حيث إن فيه غررًا في إنجاز العمل وغررًا في مقداره وغررًا في مدته، ومع ذلك أجازه جمهور أهل العلم للحاجة إليه، يقول ابن قدامة في معرض استدلاله لجواز عقد الجعالة: "... ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن العمل قد يكون مجهولاً كرد الآبق والضالة ونحو ذلك، ولا تنعقد الإجارة فيه، والحاجة داعية إلى ردهما، وقد لا يجد من يتبرع به، فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعالة فيه مع جهالة العمل" (57). ويقول الشيخ زكريا الأنصاري عن السلّم: "عقد غرر جُوِّز للحاجة"(58).وكذلك أجاز فقهاؤنا ضمان السوق رغم ما فيه من احتمال وغرر، وممن صرّح به شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يقول: "وضمان السوق هو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر من الديون وما يقبضه من الأعيان المضمونة، وهو ضمان ما لم يجب وضمان المجهول، وهو جائز عند الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد" (59).ولا يقال: إن الضمان تبرع فيجوز في المجهول؛ لأن الضمان وإن كان في مبدئه تبرعًا إلا أنه فور انعقاده يترتب عليه التزام الضامن تجاه المضمون. وهذا الالتزام يجب الوفاء به وإن كان مجهولاً للضامن عند تبرعه بالضمان.ولهذا؛ فإن الفقهاء لما وجدوا أن الشرع أجاز البيع في بعض الصور التي يوجد فيها غرر؛ اتفقوا على أن الغرر منه ما هو مؤثر ومنه ما ليس كذلك، ثم اختلفوا في ضابط الفرق بين المؤثر وغير المؤثر، ومن أهم أقوالهم في ذلك:قيل إن الغرر الكثير مؤثر دون القليل (60)، ويرد على هذا الضابط عدم انضباط الكثرة والقلة.وقيل: إن الغرر التابع لا يؤثر، دون الغرر المقصود لنفسه (61)، ومن القواعد المقررة: أنه يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها (62). ولعل مما يدل على ذلك قوله في الحديث: (بيع الغرر)، فإنه مشعر بأن المراد به ما مقصوده وأعظمه غرر، لاستعماله لفظ العموم في المنع دون ألفاظ الإطلاق.وقد أطلق شيخ الإسلام ابن تيمية على العقود الجائزة المتضمنة غررًا غير مقصود بأنها من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات؛ حيث يقول في معرض رده على من يرى أن المزارعة والمساقاة والمضاربة أجيزت على خلاف القياس: "ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا العمل في هذه العقود غير معلوم، والربح فيها غير معلوم، قالوا: تخالف القياس وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركات جنس من غير جنس المعاوضات؛ وإن قيل إن فيها شوب معاوضة" (63).وقيل: إن ما احتيج إليه من بيع الغرر جائز، دون ما لا يحتاج إليه (64)، وممن ذهب إلى هذا النووي حيث يقول: "قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر، والصحة مع وجوده هو أنه إذا ادعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة أو كان الغرر حقيرًا جاز البيع، وإلا فلا" (65). كما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن  أقواله في ذلك: "ومفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا" (66)، ويقول أيضًا: "وأما الغرر: فأشد الناس فيه قولاً أبو حنيفة والشافعي... لكن أصول الشافعي المحرمة  أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك، وأما مالك: فمذهبه أحسن المذاهب في هذا فيجوِّز بيع جميع ما تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره... وأحمد قريب منه في ذلك" (67) إلى أن قال: "وهذا القول الذي دلت عليه أصول مالك وأصول أحمد وبعض أصول  غيرهما: هو أصح الأقوال، وعليه يدل غالب معاملات السلف، ولا يستقيم أمر الناس في معاشهم إلا به، وكل من توسع في تحريم ما يعتقده غررًا فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرّمه: فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في المسألة، وإما أن يحتال"(68).ومعلوم أن عقد التأمين أصبح في بعض مجالاته موضع حاجة للكثير من الناس، فما يوجد فيه من غرر يعد مغتفرًا أمام المصلحة التي يقدمها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل الأموال بالباطل: فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل؛ لما كانت فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض، وإن لم يجز غيره بعوض" (69).الدليل الثاني: عقد التأمين يشتمل على القمار المحرم، لأن المستأمن قد يدفع أقساط التأمين طيلة مدة العقد، ولا يحدث أي خطر فتذهب أمواله سدى، وقد يؤمِّن في أول النهار ويحصل الخطر في آخره، فتدفع الشركة أضعاف ما دفع من القسط بلا مقابل (70).المناقشة: نوقش هذا الدليل ببيان الفرق بين التأمين والقمار من وجوه:الوجه الأول: التأمين ليس قمارًا؛ لأن القمار لعب ولهو، والتأمين جد ونشاط؛ والقمار خلق للمخاطر، والتأمين تحصن منها؛ فالمقامر لا يتحصن من الخطر، بل يوقع نفسه فيه؛ بخلاف المستأمن فإنه يتحصن من الخطر قبل وقوعه، وينشد التعويض بعد وقوعه.ثم إن عامل التحريم الشرعي في القمار ليس عاملاً اقتصاديًا فقط حتى تتم الموازنة بينه وبين التأمين من حيث العوض المالي والعنصر الاحتمالي، وإنما العامل في تحريم القمار شرعًا هو عامل خلقي واجتماعي في الدرجة الأولى (71) كما قال الله تعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" (72).
الإجابة: التعاقد في كل من القمار والتأمين يكون على واقعة غير محققة، وهذا هو العنصر الأساس في القمار حيث يبدو عنصر المخاطرة الكبرى واضحًا في كل منهما، وهو مناط الحرمة، فمتى وجد لم يكن التعاقد الذي يتضمنها مشروعًا (73).الرد: الغايات والمقاصد وإن لم تكن مناط الحكم إلا أنها تؤثر فيه، وقد اعتمدها العلماء في اعتبار كثير من الأحكام، يقول أبو عبيد معلقًا على قول من قال بأن الخرص قمار: "كيف يتساوى هذان الأمران؟ وإنما قصد بالخرص البر والتقوى، ووضع الحقوق في مواضعها، وقصد بالقمار الفجور، والزيغ عن الحق، واجتياح الأموال بغير حلها، فما أكبر الفرق بينهما؟ وهل يُسوّى الغي بالرشاد؟" (74).الوجه الثاني: المخاطرة وحدها لا تجعل من العقد قمارًا لمجرد عدم تناسب الكسب مع الخسارة؛ إذ طبيعة القمار تتطلب إلى جانب المخاطرة سعي المقامر إلى إيقاع المتعاقد الآخر في الخطر، وهو ما يسمى بعنصر المغالبة، وعقد التأمين خالٍ من هذا المعنى (75).الوجه الثالث: أن الخطر الذي يتحمله المقامر يصنعه بنفسه، أما الخطر الذي يتعرض له المستأمن؛ فإنما ينشأ من النشاط الاقتصادي وطوارئه (76).الوجه الرابع: يمكن القول باشتمال عقد التأمين على القمار لو كان مقتصرًا على مستأمن واحدٍ مثلاً، أما بالنظر إلى مجموع العقود التي يجريها المؤمِّن فإن ذلك يؤدي إلى نفي هذه الشبهة حيث إنه يعتمد أساليب إحصائية تنفي عنصر الاحتمال، أما في جانب المستأمن فإنه بدفعه للأقساط – ولو لم يحصل على مبلغ التأمين – فإنه ينتفع بالشعور بالأمان لعلمه بأنه سيستفيد من التعويض إذا وقع الحادث، والشعور بالأمان مطلب فطري للإنسان ليس في الشريعة ما يمنع من اتخاذ الأسباب للوصول إليه ولو بعوض، حتى وإن كان أمرًا معنويًا بدليل أن الأمور المعنوية الأخرى كحقوق الملكية الفكرية والشعارات التجارية يجوز أن يعتاض عنها بأغلى الأثمان، وإذا كان الأمر كذلك فإن الشعور بالأمان من باب أولى أن يُقدّم المال لأجل حصوله (77).الدليل الثالث: عقد التأمين يشتمل على الربا، حيث يحيط به من وجهين:الوجه الأول: تفاوت ما يأخذه المؤمِّن مع ما يدفعه للمستأمن، وذلك هو ربا الفضل الذي يوجد معه ربا النسيئة؛ لأن مبلغ التأمين نقد يتأخر دفعه عن العوض المقابل له، وهو الأقساط.

المناقشة: نوقش بما يلي:
1 – التأمين ليس من ربا النسيئة ولا الفضل؛ لأن أحد العوضين ليس نقدًا بل هو منفعة تحصل في تحمل المؤمِّن تبعة تحقق الخطر، ولا يتحقق ربا الفضل لاختلاف جنس البدلين، ثم إن الزيادة في الربا مضمونة، أما التأمين فالزيادة فيه غير مضمونة، فقد تحصل، وقد لا تحصل(78).
2 – التأمين يقوم على فكرة التعاون على جبر المصائب والأضرار الناشئة عن مفاجآت الأخطار بخلاف الربا القائم على الظلم والجور، ولا شك أن للباعث دورًا مهمًا في الحكم بدليل جواز قرض النقدين لأنه من باب البر والإحسان رغم أن القياس يقتضي منعه لأن صورته صورة ربا النسيئة لتأخر أحد البدلين فجاز استنادًا إلى المقصد منه وكذلك التأمين.
3 – إذا قيل بتحريم التأمين التجاري لما فيه من الربا؛ لوجب القول عندئذ بحرمة التأمين التعاوني، لأن المستأمن فيه يدفع أقساطًا ويتلقى في مقابله تعويضًا أكبر عند وقوع الخطر المؤمَّن منه، وكذلك لوجب تحريم نظام معاشات التقاعد؛ لأن الموظف يقتطع من راتبه نسبة معينة ويتلقى عند تقاعده أو تتلقى أسرته عند وفاته راتبًا شهريًا يكون بمجموعه أقل أو أكثر مما اقتطع من راتبه مدة الوظيفة.الإجابة: أجيب عن ذلك بأن وجود الزيادة في التأمين التعاوني ومعاشات التقاعد غير مؤثرة لأنهما من عقود التبرعات والربا لا يجري فيها؛ بل يجري في عقود المعاوضات، ومنها التأمين التجاري.الرد: لا يُسلّم بأن التعاونيات من عقود التبرعات، بل إنها قائمة على أساس: أتبرع لك بشرط أن تتبرع لي، وهذان تبرعان متقابلان بالشرط أو الاتفاق، والتبرع إذا قابله تبرع صار معاوضة، ولم يعد تبرعًا (79).الوجه الثاني: شركات التأمين تستغل الأقساط المدفوعة من المستأمنين في معاملات ربوية كالإقراض بفائدة، وتعامل الناس معها بهذا الوصف إعانة لها على سلوك سبل محرمة في استثمار المال (80).المناقشة : الحكم بمشروعية التأمين لا يعني إقرار جميع الأساليب التعاملية والاقتصادية التي تلجأ إليها شركات التأمين، فقد يحكم على عقد تأمين جرى بين طرفين بعدم الصحة لشرط غير مقبول شرعًا ورد فيه، تمامًا كما قد تُبطل بعضُ الشروط العقود المسماة المشروعة في ذاتها كالبيع والإجارة، ولا يعني ذلك أن العقد في ذاته من حيث نوعه وموضوعه غير مشروع (81).

 أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة، منها:
الدليل الأول: عقد التأمين يشبه إلى حدٍ كبير جملة من العقود المعروفة في الفقه الإسلامي، والتي تلقاها العلماء بالقبول، وهذه العقود تصلح أن تكون مستندًا قياسيًا واضحًا في جواز عقد التأمين، وهذه العقود هي:أولاً: عقد الموالاة: ومعنى هذا العقد هو قول الرجل للآخر: ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيت. وهو يشبه عقد التأمين من حيث اشتمال كل منهما على التزام بالموجب المالي الناشيء عن مسؤولية أحد عاقديه، ويتضح هذا باستعراض أركان التأمين وما يقابلها في عقد الموالاة (82):
1 – الخطر المؤمَّن منه، وهو يقابل الجناية التي يعقلها مولى الموالاة.
2 – قسط التأمين الذي يحصل عليه المؤمِّن من المستأمن، وهو يقابل المال الذي يرثه مولى الموالاة إذا مات المعقول عنه.
3 – مبلغ التأمين الذي يدفعه المؤمن للمستأمن، ويقابل الدية التي يتحملها مولى الموالاة.
4 – المصلحة القابلة للتأمين، وتقابل مصلحة المعقول عنه.المناقشة: نوقش هذا الدليل من وجوه (83):الوجه الأول: لا يصح الاستدلال بصحة عقد الموالاة على صحة عقد التأمين، لأن عقد الموالاة مختلف في نسخه وأحكامه بالنسبة للإرث به.الإجابة: الذين يستدلون لعقد التأمين بولاء الموالاة يرجحون صحة قول من قال بجواز الموالاة، وهو مروي عن عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس (84)، وهو مذهب الحنفية (85)، ورواية عن الإمام أحمد (86).الوجه الثاني: على فرض صحة عقد الموالاة إلا أنه لا يناظر التأمين المشوب بالغرر وفاحش الجهالة بخلاف عقد الموالاة فالقصد الأول فيه التعاون في الشدة والرخاء، وما نتج عنه من كسب مادي فالقصد فيه بالتبع (87).الإجابة: عقد الموالاة لا يخلو من الغرر الفاحش، حيث إن المقاصة بين الإرث والعقل تؤدي إلى ربح أحدهما أو خسارته، ثم إنه لا يُعلم هل يتوفى هذا الشخص قبل مولاه أم بعده؟ ولا يعلم متى يتوفى؟ وهل سيترك مالاً يورث عنه أم لا؟ وكم سيكون إرثه إذا ورث؟ كذلك في العقل (الدية) لا يعلم هل سيرتكب جناية أم لا؟ ومتى؟ وكم سيكون نصيبه من الدية؟ وإذا كان كل هذا الغرر لا يؤثر على صحة عقد الموالاة لأن القصد منه التعاون؛ فكذلك التأمين لأنه لا يخلو من هذا القصد.الوجه الثالث: هذا الاستدلال لا يدل إلا على جواز نوع واحد من أنواع التأمين، وهو التأمين ضد المسؤولية، والمدعى جواز التأمين مطلقًا، فلا مطابقة بين الدليل والدعوى.الإجابة: إذا صح الاستدلال بعقد الموالاة على جواز التأمين ضد المسؤولية عن الغير، جاز ما سواه من أنواع التأمين إذا احتيج إليه بطريق القياس.ثانيًا: ضمان خطر الطريق: والقول بضمان خطر الطريق هو مذهب الحنفية (88). وصورته: أن يقول شخص لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فإن كان مخوفًا وأُخذ مالك فأنا ضامن، فإذا سلكه وأُخذ ماله؛ فإنه يضمن. والتزام القائل هنا بالضمان هو نفس التزام المؤمِّن بضمان المستأمن عند وقوع الخطر (89).المناقشة: القياس على ضمان خطر الطريق قياس من غير علة جامعة؛ لأن علة ضمان خطر الطريق هي التغرير المتسبب في الإتلاف، أما هيئات التأمين فإنها لا تغر من يتعاقد معها، ولا تعلم خطرًا يجهلونه؛ فليس فيها تغرير يشبه تغرير الضامن لصاحب المال (90).الإجابة: يمكن أن يجاب عن ذلك بأن التغرير ليس لازمًا في ضمان خطر الطريق، فقد يكون الضامن ناصحًا ولا يقصد التغرير بسلوك هذا الطريق لأنه يغلب على ظنه أنه آمن ومع ذلك يقع الخطر المخوف فيضمن وإن لم يكن مغرِّرًا، وكذلك التأمين.ثالثًا: الاستئجار على الحراسة: فالأجير الحارس وإن كان مستأجرًا على عمل يؤديه، وهو الحراسة نجد أن العمل المستأجر عليه ليس له أثر أو نتيجة سوى تحقيق الأمان للمستأجر على الشيء المحروس واطمئنانه إلى استمرار سلامته، فهو ليس كعمل الصانع فيما استؤجر على صنعته وعمل الخادم في الخدمة المستأجر عليها، وعمل الناقل في نقل الأشياء التي استؤجر على نقلها، فكل هذه أعمال منتجة لأمر محسوس يقوم بها الأجير، أما الحارس فليس لعمله أي نتيجة سوى هذا الأمان الذي بذل المستأجر ماله للحصول عليه، وهكذا الحال في عقد التأمين يبذل فيه المستأمن جزءًا من ماله في سبيل الحصول على الأمان من نتائج الأخطار التي يخشاها (91).المناقشة: الأمان هو الباعث على العقد وليس هو محل العقد، فمن يشتري عقارًا يكون محل العقد فيه هو العقار، والباعث عليه هو السكنى، ولا تعد السكنى محلاً للعقد، والأمان أمر معنوي لا يباع ولا يشترى (92).الإجابة: العقود إنما شرعت لأجل غاياتها ونتائجها، وغاية عقد الحراسة ليس سوى أمان المستأجر واطمئنانه إلى أن هذه الحراسة ستحقق له سلامة الشيء المحروس من السطو والتعدي ونحو ذلك، دون أن يحدث عمل الحارس أي أثر في ذلك الشيء يزيد في قيمته، أو تحويل في مكانه ينتج فرقًا في السعر، أو غير ذلك، فهذا دليل على أن الأمان من الطوارئ يجوز شرعًا أن يبتغى بعوض.أما القول بإن الأمان: ليس محل معاوضة، فيجاب عنه: بأن الأمان من أعظم المصالح في الحياة، وهو الذي امتن الله به على قريش بقوله: "فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ" (93). وإن الإنسان يسعى ويكد ويكدح ويبذل أغلى الأثمان من ماله وراحته في سبيل الحصول على الأمان لنفسه ولأسرته. فأي دليل في الشرع يثبت أنه لا يجوز الحصول عليه لقاء مقابل؟بل إنني وجدت في كلام أهل العلم ما يدل على أن الأمان له قيمة يعتاض عنها؛ حيث ذهب جمهور أهل العلم إلى القول بتحريم السفتجة (94) وعللوا ذلك بأنها: قرض يستفيد به المقرض أمن خطر الطريق (95). فاعتبروا أمن خطر الطريق من قبيل الزيادة المشترطة في القرض التي تجر نفعًا للمقرض ولا يقابلها عوض (96)، مما يدل على أن الأمان من الخطر له قيمة مالية يمكن الاعتياض عنها.وقد أقرّت المجامع الفقهية (97) جواز الاعتياض عن أمور أقل من الأمان مثل حقوق التأليف والأسماء التجارية: فكيف يمكن أن يكون اسم المتجر محلاً يتعاقد عليه في عقود المعاوضات، ولا يكون الأمان الاقتصادي من عواقب الأخطار محلاً قابلاً للتعاقد لقاء عوض؟.رابعًا: الوعد الملزم: فيقاس التأمين على الوعد الملزم عند المالكية (98)؛ حيث إن من وعد غيره بقرض أو تحمل خسارة أو نحو ذلك مما ليس بواجب عليه في الأصل؛ فإنه يلزم به، فكذلك يتحمل المؤمِّن ما التزم به للمستأمن في حادث معين محتمل الوقوع بطريق الوعد الملزم، فيجوز التأمين كما جاز الوعد (99).المناقشة: نوقش هذا القياس من وجهين (100):الوجه الأول: الوعد الملزم من قبيل التبرعات، والتأمين معاوضة فلا يصح القياس.الوجه الثاني: يشترط في التأمين أن يكون الخطر المؤمن منه غير محقق الوقوع، وغير متعلق بإرادة أحد طرفي العقد، أما في الوعد الملزم فعلى الرأي الراجح عند القائلين به لا يلزم الوعد إلا بناء على عمل إرادي مقصود من الموعود، وهو دخوله في السبب المذكور في الوعد، فلا يصح القياس.الدليل الثاني: قياس التأمين على العاقلة:نظام العاقلة وردت به السنة النبوية الصحيحة، وأخذت به المذاهب، يقول الشافعي: "لم أعلم مخالفًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة" (101). وإذا كان الشارع ألزم العاقلة بتحمل دية الخطأ لما في ذلك من المصلحة والتعاون، فما المانع من فتح باب تنظيم مثل ذلك، وجعله إلزاميًا بطريق التعاقد والإرادة الحرة، كما ألزم الشارع به دون تعاقد، وهل المصلحة التي ألزم بها الشارع لعظمها تكون مفسدة إذا حققها الناس على نطاق واسع بطريق التعاقد والمعاوضة؟ (102). مع ملاحظة أن هذا التوسع داخل في دائرة المندوب إليه شرعًا بصورة غير إلزامية، يقول ابن القيم: "كل ما يجوز بذله وتركه دون اشتراط فهو لازم بالشرط" (103).المناقشة: قياس التأمين على العاقلة فاسد للاختلاف بينهما من وجوه (104):الوجه الأول: العاقلة ليست عقدًا؛ بل نظام تناصر بين العصبات، فرض عليهم جزاء تقصيرهم في مراقبة الجاني، أما التأمين فليس ضمانًا يلتزم به المؤمن إزاء تقصير حصل منه.الإجابة: القول بأن فرض الدية على العاقلة لأجل تقصيرهم في مراقبة الجاني لا يُسلّم؛ بل فرض من أجل تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ، وكذلك التأمين يخفف أثر المصيبة عن المستأمن.الوجه الثاني: نظام العاقلة ليس من باب المعاوضة فعصبة الجاني لم تتلق منه أقساطًا تلتزم بعدها بتسليم دية المجني عليه، وقصد التعاون ظاهر فيها، أما المستأمنون فليست بينهم هذه الرابطة، ولم يكن قصد التعاون واردًا لدى تعاقدهم مع شركة التأمين.الإجابة: قصد التعاون ليس لازمًا في العاقلة فيجب عليهم دفع الدية وإن لم يكن قصدهم التعاون، وكذلك المستأمنون فالجامع بين العاقلة والتأمين تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ والمستأمن، وهو متحقق في النظامين.الوجه الثالث: ما يحمله فرد العاقلة يختلف بالغنى والفقر، ولا اعتبار لذلك في التأمين فافترقا.الإجابة: القول بقياس التأمين على العاقلة لا يعني اتحاد المقيس والمقيس عليه من كل وجه، وإلا لما كانت الحاجة داعية لإجراء القياس؛ إذ يكون المقيس عندئذ فردًا من أفراد المقيس عليه يدخل مباشرة تحت النص الشرعي الذي يقرر الحكم في المقيس عليه؛ بل يكفي في القياس التشابه بين المقيس والمقيس عليه في نقطة ارتكاز الحكم ومناطه؛ وهي العلة وهي في العاقلة : تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ والمستأمن، وهذا متحقق في التأمين كما هو متحقق في العاقلة (105).الدليل الثالث: قياس التأمين على نظام معاشات التقاعد:لا فرق بين التأمين التجاري وبين نظام التقاعد الذي أباحه العلماء (106) رغم ما فيه من الغرر والجهالة، لأن الموظف يدفع قسطًا ضيئلاً دوريًا، ولا يدري كم يستمر في دفعه؟ وكم يبلغ أضعاف ما دفعه، فما الفرق بين هذا النظام وبين التأمين؟ وإذا كان من أجاز نظام معاشات التقاعد يرى فيه مصلحة عامة لا بد منها لإعانة الموظفين بعد تقاعدهم؛ فكيف يحسن وجود هذا النظام بين الدولة وموظفيها ولا يجوز نظيره تعاقدًا ملزمًا بين الناس (107)؟.المناقشة: قياس التأمين على نظام معاشات التقاعد لا يصح للاختلاف بينهما من وجوه (108):الوجه الأول: الحكومات لا تقصد من هذا النظام ربحًا تجنيه من مجموع الموظفين؛ لأنه من المعلوم أنها تدفع لمجموعهم أكثر مما تحصله منهم فهي لا تقصد التجارة والربح بدعوى توفير الأمن كما هو المقصد الأساسي المبتغى من إنشاء شركات التأمين.الإجابة: لا يُسلّم أن الحكومات لا تجني ربحًا من نظام التقاعد، بل قد يتحصل لديها فائض كبير، ومع ذلك لم يمنع المجيزون لنظام التقاعد العمل به إذا حققت الحكومات ربحًا من ورائه.الوجه الثاني: نظام التقاعد لا يعدو أن يكون حملاً لطائفة من المواطنين ينقطع كسبها بعد تقاعدها على أن تدخل في نظام تعاوني تديره الدولة لصالحهم أجمعين، وهو وإن اشتمل على غرر فيما يأخذ الموظف وما يعطي إلا أنه معفو عنه لأن التبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعاوضات كالتأمين التجاري.الإجابة: 1 - لا يُسلّم بأن نظام التقاعد من باب التبرعات؛ بل هو معاوضة بدليل أن الموظفين غير المشمولين بنظام التقاعد (كذوي الراتب المقطوع) لا يستفيدون من مزاياه لأنه لا يقتطع من مرتباتهم أقساطًا لصندوق التقاعد، فيتبين أن ما يدفعه الصندوق بعد التقاعد هو في مقابل الأقساط، وهذه حقيقة المعاوضة وليس التبرع.2 – إذا كان الحافز لإقرار نظام التقاعد هو مصلحة الموظفين، فما المانع من وجود المصلحة في نظام شبيه بنظام التقاعد ويلبي احتياجات أخرى للموظف، وهذا النظام هو التأمين.الدليل الرابع: قياس التأمين التجاري على التأمين التعاوني: حيث يلزم من أجاز التأمين التعاوني أن يجيز التأمين التجاري؛ إذ لا فرق بينهما، لأن المحاذير التي أوردوها على التأمين التجاري كالغرر والربا والقمار هي موجودة في التأمين التعاوني، ففي التأمين التعاوني قد يأخذ المصاب أكثر مما أدى للصندوق المشترك، وأخذه هذا التعويض متوقف على إصابته بالخطر الذي يتعاونون ضده، فعلى الذين ينادون بتحريم التأمين التجاري أن يحرموا التعاوني ليخرجوا من التناقض أو يسووا بينهما في الإباحة (109).المناقشة: نوقش هذا الدليل بوجود الفرق بين التأمين التعاوني والتجاري، ويتمثل هذا الفرق بأن التأمين التعاوني من باب التبرعات فيغتفر فيه ما لا يغتفر في المعاوضات ومنها التأمين التجاري، وكذلك فإن الغرض من التأمين التعاوني هو المساعدة والإحسان، أما التأمين التجاري فالغرض منه الربح والتجارة، وهذا الفرق كافٍ للقول بتحريم التأمين التجاري، وفي التأمين التعاوني غنية عنه (110).الإجابة: أجيب عن هذه المناقشة من وجوه:الوجه الأول: التأمين التعاوني ليس من باب التبرعات؛ إذ إن عنصر المعاوضة موجود فيه كما في التأمين التجاري، لأن المساهم في صندوق التأمين التعاوني إنما يقدم مبلغ مساهمته ليخفف الضرر الذي يلحق به، ولولا أنه مشمول بهذا لما ساهم أصلاً، كما أنه يساهم على أساس عدم تعويض غير المشتركين، وهذه حقيقة الهبة بشرط العوض التي تعتبر كالبيع وتأخذ أحكامه (111).الوجه الثاني: الطريقة الاسترباحية في التأمين لا يوجد ما يمنع منها شرعًا لأنها من مقتضيات انتشار هذا النظام على نطاق واسع جدًا، حيث أصبح المشتركون فيه بالآلاف بل ربما الملايين، وهذه الأعداد الهائلة من المشتركين تحتاج إلى إدارة تستلزم تفرغًا ونفقات وأجورًا تحتاج تغطيتها إلى ربح يحصل للشركة من وفر الأقساط عن ترميم الأضرار الواقعة، ومن المقرر شرعًا أن من يتفرغ للعمل لمصلحة غيره يستحق أن يأخذ أجرًا من هذا العمل الذي تفرغ له، حتى وصي اليتيم ومتولي الوقف (112).الوجه الثالث: القول بأن التأمين التعاوني يغني عن التجاري غير مسلّم لأمور:
1 – أن التأمين التجاري يوفر اطمئنانًا وأمانًا للمشتركين فيه أعظم مما يحققه التأمين التعاوني.
2 – أن التأمين التجاري أكفأ اقتصاديًا من التأمين التعاوني.3 – أن حافز المعاوضة في التأمين التجاري أقوى من حافز التبرع في التأمين التعاوني، والدوافع المبنية على المصالح هي التي ينبني عليها النشاط الاقتصادي، بخلاف الدوافع الأخرى حيث لا يمكن الاعتماد عليها. يقول العز بن عبدالسلام: "كذلك تمنن الله على عباده بما أباحه من البيع والشراء وبما جوّزه من الإجارات والجعالات والوكالات... ولا عبرة بالهبات والوصايا والصدقات لأنها نادرة لا يجود بها مستحقها إلا نادرًا" (113).

الموازنة والترجيح:بعد ذكر أدلة الفريقين وما ورد عليها من مناقشات، أخلص إلى النتائج التالية:
1 – كان أقوى الأدلة للقائلين بتحريم التأمين التجاري هو اشتماله على الغرر الكثير المفسد لعقود المعاوضات، ووجود الغرر في التأمين التجاري مُسلّم حتى عند القائلين بجوازه ولكنهم اغتفروه للحاجة إلى هذا النوع من التأمين، كما اغتفر في عقد الجعالة واستئجار الظئر للحاجة إليها.
2 – استدل القائلون بجواز التأمين التجاري بأدلة كثيرة لعل أقواها القياس على نظام العاقلة والذي هو محل اتفاق عند المذاهب جميعها، وقد عجزت المناقشات التي وردت عليه أن تؤثر على الاستدلال به، فكل من نظام العاقلة والتأمين يقوم على فكرة تخفيف أثر الضرر عن كل من الجاني المخطئ والمستأمن، ولا يؤثر بعد ذلك الاختلاف في بعض الفروق الصغيرة بعد أن اتفق النظامان في نقطة ارتكاز الحكم ومناطهيقول الشاطبي واصفًا عمل المجتهد: "إذا استقرى معنى عامًا من أدلة خاصة، واطّرد له ذلك المعنى؛ لم يفتقر إلى دليل خاص على خصوص نازلة تَعن؛ بل يحكم عليها – وإن كانت خاصة – بالدخول تحت عموم المعنى المستقرى؛ من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذا صار ما استقرأ من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصة بمطلوبه" (114).
3 – لم يظهر لي فرق مؤثر بين التأمين التجاري من جهة ونظام التقاعد والتأمين التعاوني من جهة أخرى (115).
الترجيح:الراجح – والله أعلم – هو جواز التأمين التجاري، وفقًا للضوابط التالية:
1 – أن يكون الشيء المؤمَّن مما هو مباح شرعًا، فلا يجوز التأمين على أصوات المغنين ولا الآلات الموسيقية ولا تجارة الخمور والمخدرات ونحو ذلك من المحرمات.
2 – أن يكون مجال التأمين مما هو موضع الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة كالتأمين على البضائع المستوردة والتأمين الطبي، والتأمين ضد المسؤولية عن الغير مثل تأمين المركبات، وذلك لأن التأمين يشتمل الغرر، والغرر لا يتجاوز عنه إلا فيما تدعو إليه الحاجة.
3 – القول بجواز التأمين ليس حكمًا بجواز كل ما تقوم به شركات التأمين من عقود، وكل ما يشترطه الطرفان في هذه العقود من شروط، وكل ما تلجأ إليه شركات التأمين من وسائل لاستثمار أموالها، فكل ذلك بعد جواز التأمين يخضع للأحكام الشرعية في محل العقد وما يشترط فيه من شروط؛ كما أن جواز البيع شرعًا لا يستلزم أن يعتبر معه كل شيء محلاً صالحًا للبيع، ولا كل شرط مقبولاً فيه.

 أسباب الترجيح:
1 – قوة الأدلة التي استدل بها المجيزون، وهم وإن استدلوا بأدلة فيها ضعف إلا أن أكثر أدلتهم قوية ويصعب ردها، في مقابل ما ورد على أدلة من يرى التحريم من مناقشات.
2 – ظهور المصلحة العامة في إباحة التأمين التجاري؛ إذ إن المصلحة التي يحققها راجحة، وفي تحريمه حرج على الناس في هذا الزمان، ففي التأمين ضد المسؤولية عن الغير – مثلاً – تبدو المصلحة ظاهرة كما في التأمين على المركبات؛ حيث إن الكثير من السائقين من الفقراء ولا عاقلة له، وقد تجحف الديات ببيت المال خصوصًا وقد أصبحت السيارات تتسع للعشرات من الأشخاص، والطائرات تتسع للمئات، والسفن للآلاف، فلو لم نقل بجواز التأمين لربما ذهب كثير من الحقوق والديات. وكذلك القول في التأمين الطبي خصوصًا مع ارتفاع تكاليف العلاج وعجز كثير من الحكومات عن توفير الحد الأدنى من العناية الطبية في مقابل الغلاء الفاحش للخدمات الطبية الخاصة، فليس من مخرج لهذا الأمر إلا بإجازة التأمين التجاري لا سيما عند عدم وجود ما يسمى التأمين التعاوني مع أنه لا فرق بينهما عند التحقيق.وقد رأينا الشارع الحكيم يعتبر مثل هذه المصالح في كثير مما يحتاج إليه الناس فرخص في بعض العقود مع مخالفتها للأصول العامة في المعاملات كما في العرايا والسَّلم والاستصناع.يقول العز بن عبدالسلام: "من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها؛ وإن لم يكن فيه إجماع ولا نص ولا قياس خاص؛ فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك" (116).
3 – ظهور الحاجة العامة لهذا النوع من المعاملات؛ وقد قرر الفقهاء: أن الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر. يقول ابن العربي: "إن اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرّم" (117) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "يجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها، كما يجوز بيع العرايا خرصًا بالتمر" (118).
4 – حث الشريعة على التعاون ومساعدة الآخرين، وحقيقة التعاون لا يمكن نفيها عن التأمين – وإن كان تجاريًا – ما دام موضوع عقوده إشراك أكبر عدد ممكن في تحمل ضرر الخطر الواقع على المصاب به، وكون الجهة التي تتفرغ للقيام بهذه العملية تربح منها هو أمر مشروع، فلا بأس أن يربح من العمل من ينصرف إليه ويقوم به، وهذا لا ينافي المعنى التعاوني الموجود في أساسه ومبناه وهو موضوعه الأصلي.

الخاتمةالحمد لله الذي بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، أحمده على فضله وجزيل عطائه، وأشكره على ما يسر من إتمام هذا البحث، وأصلي وأسلم على خاتم رسله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه، وبعد:ففي خاتمة هذا البحث؛ أذكر أهم النتائج التي انتهيت إليها فيما يلي:
1– يختلف نظام التأمين باعتباره فكرة وطريقة ذات أثر اقتصادي واجتماعي عن عقد التأمين باعتباره تصرفًا ينشئ حقوقًا بين طرفين متعاقدين.
2 – يقوم التأمين بوظائف، وينتج عنه فوائد مهمة للفرد والمجتمع؛ تتعلق بالنشاط الاقتصادي، والأمان من المخاطر، والحماية الاجتماعية.
3 – ينقسم التأمين إلى أقسام مختلفة باعتبار طبيعته، ونوع المصلحة المقصودة منه.
4 – المتفحص لأنواع التأمين يجد أن الفيصل في حكمها يعود إلى نوع واحد منها وهو التأمين التجاري.
5 – يتميز عقد التأمين التجاري بخصائص، منها: أنه عقد معاوضة، وإلزام، وإذعان، وأنه عقد احتمالي.
6 – التأمين من حيث مبدأ تفتيت المخاطر ودرء آثار المصائب، والتكافل عند الملمات؛ محل اتفاق عند الفقهاء المعاصرين.
7 – يعتبر دليل الغرر أقوى أدلة المانعين للتأمين التجاري.
8 – أصح ضابط في التفريق بين الغرر المؤثر وغير المؤثر: أن ما حتيج إليه من بيع الغرر جائز؛ دون ما لا يحتاج إليه.
9 – ثبوت الفارق الواضح بين التأمين وكل من القمار والربا.
10 – شبه التأمين بجملة من العقود المعروفة في الفقه الإسلامي: كعقد الموالاة، والاستئجار على الحراسة.11 – الفقهاء السابقون أقرّروا ماليّة أمن الخطر وذلك في معرض استدلالهم لتحريم السفتجة.
12 – ملاءمة قياس التأمين على نظام العاقلة؛ حيث يقوم كل منهما على فكرة تخفيف أثر الضرر عن كل من الجاني المخطئ والمستأمن.
13 – لم يظهر فرق مؤثر بين التأمين التجاري من جهة، ونظام التقاعد والتأمين التعاوني من جهة أخرى.
14 – ظهور المصلحة العامة في إباحة التأمين التجاري؛ وهو الذي ترجّح عندي – بعد طول بحث وتروٍ – وفقًا للضوابط المذكورة في الترجيح.وبعد، فهذه جملة من أهم نتائج البحث؛ فما كان فيه من صواب، فالحمد لله على توفيقه، وما كان فيه من خطأ؛ فأستغفر الله منه.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
_______________
(1) صدر أول حكم شرعي في قضية تأمين في محكمة مصر الشرعية الكبرى في 4 ديسمبر 1906م. ينظر: التأمين الإسلامي للقره داغي ص149.

(2) ينقسم التأمين باعتبارات مختلفة، والمقصود بأنواع التأمين – هنا – باعتبار طبيعة التأمين وأساسه، وينقسم إلى: التأمين التجاري، والتعاوني، والاجتماعي.

(3) ينظر: مقاييس اللغة 1/ 133، لسان العرب 13/ 21، القاموس المحيط ص 1518. مادة "أمن".

(4) معجم مفردات ألفاظ القرآن ص33.

(5) نظام التأمين للزرقاء ص 21.

(6) حكم الشريعة في عقود التأمين لحسين حامد حسان ص16. وينظر: الوسيط للسنهوري 7/ 1086.
(7)الوسيط للسنهوري 7/ 1084، التأمين الإسلامي للقره داغي ص16.
(8) التأمين للثنيان ص40.
(9) نظرية التأمين لزكي السيد ص 47.
(10) التأمين الإسلامي لعلي قره داغي ص 18.
(11) حكم الإسلام في التأمين لعبدالله علوان ص35، نقلاً عن "سلوتر" شارح القانون التجاري في إنجلترا.
(12) ينظر: التأمين الإسلامي لعلي قره داغي ص140، نظرية التأمين لزكي السيد ص60، الخطر والتأمين لرفيق المصري ص38، حكم الشريعة في عقود التأمين لحسين حسان ص 31.
(13) ينظر: المعاملات المالية لشبير ص94، التأمين التجاري للشنقيطي، ضمن كتاب: دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة 2/476، التأمين وأحكامه للثنيان ص80.
(14) ينظر: نظرية التأمين لزكي السيد ص49، التأمين التجاري للشنقيطي ص 2/ 480.
(15) له أنواع كثيرة، منها: التأمين لحالة الوفاة، والتأمين لحالة البقاء، والتأمين المختلط. ينظر: التأمين لشوكت عليان ص34، حكم الشريعة في عقود التأمين لحسين حامد حسان ص543.
(16) ولو من حيث التناول الفقهي على الأقل.
(17) الوسيط للسنهوري 7/ 1530.
(18) لسان العرب 7/ 192 مادة (عوض).

(19) تاج العروس 10/ 106 مادة (عوض).

(20) لسان العرب 7/ 192.
(21) النظرية العامة للموجبات للمحمصاني 1/ 158.
(22) لسان العرب 4/ 482 مادة (ضرر).
(23) رواه الحاكم في المستدرك برقم 2345 (2/ 66)، والدارقطني في سننه برقم 3060 (3/ 64). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وحسنه النووي بتعدد طرقه في الأربعين النووية ص115، ووافقه ابن رجب في جامع العلوم والحكم 2/ 210.
(24) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 3/ 75 مادة (ضرر).
(25) المصدر السابق.
(26) شرح الطوفي لحديث "لا ضرر" ص 15 ملحق بكتاب: المصلحة في التشريع الإسلامي لمصطفى أبو زيد.
(27) ينظر ص ..............

(28) ينظر: ص5
(29) ينظر: الوسيط للسنهوري 7/ 1084، نظام التأمين للزرقاء ص127.
(30) ينظر: التأمين لشوكت عليان ص19، التأمين للقره داغي ص31.

(31) المعاملات المالية لشبير ص101، حكم الشريعة في عقود التأمين لحسان ص28، التأمين التجاري للشنقيطي 2/470.
(32) عقود الإذعان: صيغة من صيغ إبرام العقود تعتمد على استخدام أنموذج نمطي للعقد، يعده أحد طرفي العلاقة التعاقدية بصورة منفردة ويعرضه على الطرف الآخر الذي ليس له إلا الموافقة عليه كما هو، أو رفضه دون أن يكون له أن يغير في العبارات الواردة فيه أو الشروط والأحكام التي يتضمنها، ولا أن يدخل في مجاذبة أو مساومة حقيقية على شروطه مع الطرف المعد لهذا العقد. الموجز في النظرية العامة للالتزام للسنهوري 68.
(33) يمكن التمثيل لذلك بالتأمين الطبي، فإن موقف المؤسسات التي تسعى إلى تأمين موظفيها مع شركات التأمين أقوى من الموظف إذا فاوض بمفرده فيما يتعلق بالقسط ومجال التغطية ومقدار تحمل التكاليف وغيرها.

(34) ينظر تبيين الحقائق 4/5، المقدمات لابن رشد 2/ 548، المجموع للنووي 9/ 170، المغني 6/ 360.

(35) ينظر: التأمين الإسلامي للقره داغي ص137، التأمين التجاري للشنقيطي 2/502، حكم الشريعة في عقود التأمين لحسان ص44.

(36) حاشية ابن عابدين 3/ 245.
(37) ينظر: رسالة السوكرتاه ص 24.
(38) ينظر: التأمين التجاري للشنقيطي 2/ 498.
(39) قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة ذو الرقم 55 في 4/ 4/ 1397هـ، وقرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في 10/ 8/ 1398هـ، وقرار المجمع الفقهي التابع للمؤتمر الإسلامي في 16/ 4/ 1406هـ. ينظر: مجلة المجمع الفقهي في جدة، العدد الثاني 2/ 731، التأمين التجاري للشنقيطي 2/ 597، المعاملات المالية لشبير ص106.
(40) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص8، التأمين التجاري للشنقيطي 2/ 499، نظام التأمين لمولوي ص79.
(41) رواه مسلم في كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر ص 614 (1513).
(42) ينظر: الغرر وأثره في العقود للضرير ص662، التأمين لشوكت عليان ص163.
مجلة المجمع، العدد الثاني 2/731. وينظر: حكم الشريعة في عقود التأمين لحسان ص 94.
(43) مجلة المجمع، العدد الثاني 2/731. وينظر: حكم الشريعة في عقود التأمين لحسان ص 94.
(44) كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حَبَل الحبَلة: أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت. فتح الباري لابن حجر 4/ 419.
(45) رواه مالك في الموطأ مرسلاً عن ابن المسيب في كتاب البيوع – باب بيع الغرر 3/ 219 (775)، وعزاه ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 7) إلى أبي بكر بن عاصم في كتاب البيوع، من رواية عمران بن حصين.
(46) رواه ابن ماجه في كتاب التجارات – باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام ص237 (2196). عن أبي سعيد الخدري. وقد ضعفه الألباني لأنه من رواية شهر بن حوشب، قال عنه ابن حجر: "صدوق، كثير الإرسال والأوهام". تقريب التهذيب ص441.
(47) رواه البخاري في كتاب البيوع – باب: إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ص410 (2198). ومسلم في كتاب المساقاة – باب: وضع الجوائح ص636 (1555).
(48) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص50.
(49) ينظر: البرهان 1/ 348، الإحكام للآمدي 2/ 255، روضة الناظر 2/ 698.
(50) ينظر: الوسيط للسنهوري 7/ 1086، نظام التأمين للزرقا ص52.
51) ينظر: عقود التأمين لمحمد بلتاجي ص83.
(52) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي 10/ 156. وينظر: بداية المجتهد 2/ 158.
(53) صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي. ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الخامس 3/ 2581.
(54) ينظر: الخطر والتأمين لرفيق المصري ص 68.

(55) مختصر الفتاوى المصرية، ص 504.
(56) ينظر: الهداية للمرغيناني 3/270، بداية المجتهد 2/158، المجموع 9/311، المغني 8/68، مجموع الفتاوى 29/480.
(57) المغني 8/ 323. وينظر: المعونة للقاضي عبدالوهاب 2/ 1114، المهذب 3/570.
(58) أسنى المطالب 2/ 122.
(59) مجموع الفتاوى 29/ 549. وينظر: الهداية للمرغيناني 3/99، حاشية الدسوقي 3/334، المغني 7/72.

(60) ينظر: بداية المجتهد 2/ 168، الفروق 3/ 265، المجموع 9/ 258.
(61) ينظر: المنتقى للباجي 5/ 41، المجموع 9/ 326.
(62) ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 135، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 156.
(63) مجموع الفتاوى 20/ 506. قلتُ: ولعل عقد التأمين التجاري أشبه شيء بما أسماه شيخ الإسلام بعقود المشاركات التي لا يشترط فيها العلم بالعوضين على وجه التحديد.
(64) ينظر: بدائع الصنائع 5/ 174، المغني 6/ 301.
(65) المجموع 9/ 258.
(66) القواعد النورانية ص 140.

(67) القواعد النورانية ص 143، 144.

(68) المصدر السابق ص 152.

(69) المصدر السابق ص 152.
(70) ينظر: التأمين لشوكت عليان ص 170، حكم التأمين لحسان ص74، التأمين التجاري والبديل الإسلامي لغريب الجمال ص 6.
(71) ينظر: الغرر وأثره في العقود للضرير ص 649، نظام التأمين للزرقا ص48.

(72) سورة المائدة: الآية 91.

(73) ينظر: عقود التأمين لبلتاجي ص 93.
(74) ينظر: الأموال ص 594.
(75) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 136.
(76) ينظر: المصدر السابق.
(77) ينظر: الوسيط للسنهوري 7/ 1086، التأمين الإسلامي للقره داغي ص176، التأمين لعليان ص144.
(78) ينظر: الخطر والتأمين لرفيق المصري ص99.

(79) ينظر: الخطر والتأمين ص59.
(80) ينظر: التأمين الأصيل والبديل لعيسى عبده ص 241، التأمين لشوكت عليان ص158.
(81) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 56.
(82) ينظر: التأمين التجاري للشنقيطي 2/ 546، التأمين التجاري لغريب الجمال ص165.
(83) ينظر: عقود التأمين لبلتاجي ص116.
(84) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 2/ 226 .
(85) ينظر: المبسوط 8/ 91، الاختيار لتعليل المختار 4/43 .
(86) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 4.
(87) ينظر: عقود التأمين لبلتاجي ص 116.

(88) ينظر: مجمع الأنهر 2/ 146، حاشية ابن عابدين 3/ 271.

(89) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 60.

(90) ينظر: عقود التأمين لبلتاجي ص 124.

(91) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 53، التأمين التجاري لغريب الجمال ص 138.
(92) ينظر: عقود التأمين لبلتاجي ص 132.
(93) سورة قريش: الآيات 3-4.

(94) السفتجة: كتاب لصاحب المال إلى وكيله في بلد آخر، ليدفع إليه بدله. المطلع ص261.

(95) وهذا قول المذاهب الأربعة في المعتمد عندهم، ينظر: الفتاوى الهندية 3/ 204، البحر الرائق 6/ 426، مواهب الجليل 6/ 532، حاشية الدسوقي 3/ 226، الحاوي الكبير 6/ 467، المهذب للشيرازي 3/ 187، المغني 6/436، الإنصاف 5/ 415.

(96) وعلى كثرة من كتب عن التأمين لم أقف على من تفطن لهذا الملحظ في اعتبار مالية أمن الخطر لتحريم السفتجة، فالحمد لله على توفيقه.
(97) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، العدد الخامس 3/581م قرار رقم 5.
(98) ينظر: التمهيد لابن عبدالبر 3/ 208، الفروق 4/ 25.

(99) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 60، التأمين الأصيل والبديل لعيسى عبده ص 175.

(100) ينظر: التأمين لشوكت عليان ص 129، عقود التأمين لبلتاجي ص 121.

(101) الأم 6/ 101. وينظر: الإجماع لابن المنذر ص109.
(102) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 62.
(103) إعلام الموقعين 3/ 390.
(104) ينظر: عقود التأمين لبلتاجي ص 128.
(105) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 94.
(106) صدر بذلك قرار من مجمع البحوث الإسلامية حيث جاء في مقررات مؤتمره الثاني: "ب- نظام المعاشات الحكومي، وما يشبهها من نظام الضمان الاجتماعي المتبع في بعض الدول، ونظام التأمينات الاجتماعية المتبع في دول أخرى كل هذا من الأعمال الجائزة". ينظر: التأمين الإسلامي للقره داغي ص30، التأمين لسعدي أبو جيب ص71، الإسلام والتأمين للفنجري ص68.
(107) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 64، التأمين التجاري للشنقيطي 2/ 578.

(108) ينظر: عقود التأمين لبلتاجي ص 169.
(109) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 176.
(110) ينظر: عقود التأمين لبلتاجي ص 191.

(111) ينظر: المبسوط 12/ 75، حاشية الدسوقي 4/ 114، مغني المحتاج 2/ 404، الروض المربع ص 326.

(112) ينظر: نظام التأمين للزرقا ص 134.
(113) قواعد الأحكام 1/ 170.
(114) الموافقات 3/ 226.
(115) وقد أقرّ بهذا حتى الذين لا يرون جواز التأمين التعاوني؛ يقول أحدهم: "نظرًا لما حدث للتأمين التبادلي (التعاوني) من تطورات وتوسعات وتطلعات في جميع المجالات، فقد أصبح من العسير التفريق بينه وبين التأمين التجاري إلا في فروق شكلية، لا أثر لها ولا مساس في وحدة الحقيقة، فالمقومات الأساسية في النوعين واحدة: فكل منهما عقد يدور فلكه حول الخطر، وهما عقد احتمال وإذعان وإلزام واستمرار. وأركانهما واحدة: وهي الخطر والقسط، ومبلغ التأمين. وهدفهما واحد: وهو تحقيق أكبر قدر من الأرباح مهما كانت الوسائل إلى ذلك". التأمين وأحكامه للثنيان ص278.
(116) قواعد الأحكام 2/ 327.
(117) القبس شرح الموطأ 2/ 790.

(118) مجموع الفتاوى 29/ 480.
 

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
سامى باخت   |       
ًصباحا 11:40:00 2013/01/07
ما شاء الله تبارك الله

حفيد معيبد   |       
مساءً 06:38:00 2011/09/15
هل الدفع حاليا مقابل عوض ( اقل او اكثر ) في مسائل غيبيه قد تحدث او قد لا تحدث وقد استحق او قد لا استحق مضيعه للمال ام ﻻ؟

سلطان الغامدي   |       
ًصباحا 03:09:00 2011/08/26
نتمني ان لا يكون الجواز اجبارا عليك ,,,,,,,,,,,,,

محاور   |       
مساءً 03:33:00 2011/08/25
بحث قيم

الصفحة 1 من 1

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم

   

الحقوق محفوظة لمؤسسة الإسلام اليوم 1420هـ - 1435 هـ