إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الآثار في ستر الجدران
المجيب
د. عبد العزيز بن إبراهيم الشبل
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الثلاثاء 03 ذو الحجة 1426 الموافق 03 يناير 2006
السؤال

ورد في حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- المنع من تغطية الحجر والجدران بالقماش، فهل هذا صحيح؟ وإذا صح، فماذا تقولون عن كسوة الكعبة المشرفة وهي من القماش؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فورد عن النبي –صلى الله عليه وسلم- عدة أحاديث في هذه المسألة، أقواها حديث عائشة –رضي الله عنها-عند مسلم، فقد أخرج الإمام مسلم (2106) عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرج أي النبي –صلى الله عليه وسلم- في غزاته فأخذت نمطاً فسترته على الباب، فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهية في وجهه، فجذبه حتى هتكه أو قطعه، وقال: "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين"، قالت: فقطعنا منه وسادتين وحشوتهما ليفاً فلم يعب ذلك علي.
وقد اختلف العلماء في حكم هذا الستر:
1- فذهب جمهور الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد -هي الأصح في مذهب الحنابلة كما ذكر ذلك ابن قدامة في المغني والمرداوي في تصحيح الفروع وغيرهما- إلى أن النهي للكراهة، ما لم يكن الستر حريراً أو فيه صور فيحرم ذلك.
ومحل الكراهة عند الحنابلة ما لم يكن هناك حاجة إليها كبرد وغيره، فإن كان هناك حاجة فلا كراهة لخروجه عن حد الإسراف، فهو كلبس الثياب.
وما ذكر من القول بعدم تحريم ستر الجدر هو الذي يظهر من مذهب الحنفية؛ فقد جاء في البحر الرائق (8/216): (وله أن يستر الجدار باللبد وغيره).
وفي ملتقى الأبحر مع شرحه مجمع الأنهر (2/556): (ولا بأس بستر حيطان البيت باللبود.. للبرد)؛ لأن فيه منفعة (ويكره للزينة، وكذا إرخاء الستر على البيت)، يعني لا يكره إذا كان لدفع البرد ويكره إن كان للتكبر).
ويظهر –أيضاً- أن هذا هو مذهب المالكية؛ فقد قالوا في كتاب الوليمة: وليس من المنكر ستر الجدران بحرير إذا لم يستند إليه. انظر: الشرح الصغير (2/380)، والشرح الكبير (2/337).
2- وذهب بعض الشافعية -منهم الشيخ أبو نصر المقدسي- والإمام أحمد في رواية عنه إلى أن النهي للتحريم، ومن أهم أدلتهم حديث عائشة –رضي الله عنها-.
وأجيب عن استدلال المانعين بحديث عائشة بأجوبة، منها:
الجواب الأول: أن الحديث ليس فيه نهي عن ستر الجدر، وإنما الذي فيه أننا لم نؤمر بالستر، وعدم الأمر لا يدل على التحريم، بل غاية ما فيه أنه لا يدل على الوجوب ولا الاستحباب، قال النووي رحمه الله: وليس في هذا الحديث ما يقتضي تحريمه؛ لأن حقيقة اللفظ أن الله تعالى لم يأمرنا بذلك، وهذا يقتضي أنه ليس بواجب، ولا مندوب، ولا يقتضي التحريم. ا.هـ
الجواب الثاني: أن نهي النبي –صلى الله عليه وسلم- لعائشة لكون الستر فيه تصاوير -وقد ورد ذلك في روايات أخرى للحديث عند البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم- وقد ذكر هذا الجواب البيهقي في السنن الكبرى (7/272) واختاره بعض الحنابلة.
ومما ورد في هذه المسألة: حديث عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تستروا الجدر" رواه أبو داود (1485) وقال: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضا.
وضعَّف هذا الحديث –أيضاً- جمع من العلماء منهم البيهقي في السنن الكبرى، والحافظ ابن رجب، فقد قال في فتح الباري: (2/207طبعة ابن الجوزي): حديث النهي عن ستر الجدر إسناده ضعيف.
الحديث الثالث: عن محمد بن كعب القرظي، حدثني من سمع علي بن أبي طالب يقول: إنا لجلوس مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في المسجد إذ طلع مصعب بن عمير -رضي الله عنه- ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو اليوم فيه، ثم قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة". قالوا: يا رسول الله: نحن يومئذ خير منا اليوم نتفرغ للعبادة ونكفى المؤنة. فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "لأنتم اليوم خير منكم يومئذ". قال الترمذي (2476): هذا حديث حسن غريب ... ا.هـ.
والحديث فيه جهالة من حدث عن علي بن أبي طالب.
وورد عن بعض الصحابة أيضاً النهي عنه، فقد ذكر البخاري تعليقاً: في كتاب النكاح، باب هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة؟ أن ابن عمر دعا أبا أيوب، فرأى في البيت ستراً على الجدار، فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاما فرجع.
وقال ابن حجر في الفتح: وصله أحمد في كتاب الورع، ومسدد في مسنده، ومن طريقه الطبراني من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: (أعرست في عهد أبي ...). وذكر الحافظ ابن حجر آثاراً أخرى في هذا المعنى فليراجعها من أراد الاستزادة.
وقال الشيخ الألباني عن هذا السند في كتابه آداب الزفاف (130): سند جيد، ونقل عن المروذي في كتابه الورع (19/2) أن الإمام أحمد احتج به.
لكن أجاب بعض العلماء عن هذا الأثر: بأنه اجتهاد من أبي أيوب؛ بدليل أن ابن عمر فعله وحضر بعض الصحابة ولم ينكروا ذلك وإنما أنكر ذلك أبو أيوب، ولو كان محرماً لما غلبت النساء ابن عمر عليه، ولكنهن غلبنه على شيء مكروه، والله أعلم.
وأما ستر الكعبة فإنه مستثنى من النهي لمكانة الكعبة وخصوصيتها، ولا أعلم في ذلك خلافاً، فقد كانت الكعبة تستر في وقت النبي –صلى الله عليه وسلم- وبعده ولم ينكر ذلك أحد فيما أعلم، وفي حديث علي -الذي سبق ذكره- عند الترمذي: "وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة"، ولكن الحديث فيه ضعف، وعند البيهقي (7/272)عن سلمان عندما تزوج امرأة من كندة، وأراد أن يدخل بها ورأى بيتاً مستراً قال: مابال بيتكم محموما أو تحولت الكعبة في كندة.. ولكن قال عنه البيهقي: هذا منقطع.
وقال ابن عمر لرجل دعاه إلى وليمة وقد ستر الجدر: يا فلان متى تحولت الكعبة في بيتك، رواه أحمد في الزهد كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري.
هذا مختصر لما ورد في هذه المسألة، وباختصار فقد ورد حديث صحيح ليس بصريح في هذه المسألة، ووردت أحاديث أخرى ضعيفة، والعلماء مختلفون في حكم ستر الجدر، فالجمهور على أن النهي للكراهة إن لم يكن ذلك حريراً، ورأى بعض العلماء أن النهي للتحريم، والله أعلم وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ