إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الاقتباس من القرآن في الكلام
المجيب
د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التاريخ السبت 18 ربيع الثاني 1431 الموافق 03 إبريل 2010
السؤال

السلام عليكم.
أنا من الذين لهم ميول أدبية، وأحب عند حديثي مع الناس أن يتخلله كثير من المفردات العربية الفصحى، وأعلم أن القران الكريم هو أفصح اللغة العربية، فلذلك أتحدث أحياناً بمقاطع من القرآن في سياق كلامي بشكل عفوي، وفي أحيان أخرى أتعمد ذلك، على سبيل المثال: عندما رأيت من صديقي أمراً أغضبني عبرت عن استيائي، فقلت له: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً، فهل في ذلك محظور شرعي؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
أما عنايتك –يا أخي الكريم- باللغة العربية واهتمامك بها فهذا أمر يُحمد لك، فهي لغة ليست كغيرها من اللغات، إذ هي لغة القرآن الكريم ولغة الرسول المصطفى –صلى الله عليه وسلم- والعناية بها وحفظها أمر وثيق الصلة بالدين وحفظه، وإذا صاحب اهتمامك بها نية التقرب بذلك إلى الله كنت مأجوراً على صنيعك، لكن ينبغي أن يكون هذا من غير تكلُّف وتشدُّق، ففي الحديث:"إن الله –عز وجل- يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها"، خرجه أبو داود في سننه (5/274) (5005).
أما ما ذكرت من أنك تُورد أحياناً مقاطع من القرآن في سياق كلامك بشكل عفوي، وفي أحيان أخرى تتعمد ذلك، كقولك على سبيل المثال: وقد رأيت من صديقك أمراً أغضبك معبراً عن استيائك "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً" [مريم:24] فأقول لك: إن هذا الأمر يندرج تحت ما يُعرف بالاقتباس، والذي منه تضمين الشعر أو النثر بعض القرآن لا على أنه منه بألاّ يقال فيه قال الله –تعالى- ونحوه، فإنك إن صدرته بقولك: قال الله –تعالى- لم يكن اقتباساً، وإنما يجري هذا مجرى الاستدلال.
ومسألة الاقتباس هذه مما اختلف فيه، فقد نقل السيوطي –رحمه الله- أنه اشتهر عن المالكية تحريمه وتشديد النكير على فاعله، أما الشافعية فلم يتعرض له المتقدمون ولا أكثر المتأخرين منهم، مع شيوع الاقتباس في أعصارهم، واستعمال الشعراء له قديماً وحديثاً وتعرض له جماعة من المتأخرين، فسئل عنه الشيخ: عز الدين بن عبد السلام فأجازه، واستدل بما ورد عنه –صلى الله عليه وسلم- من قوله في الصلاة وغيرها:"وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين..."الخ، رواه مسلم (771) والترمذي (3421) وأبو داود (760) والنسائي (897)، وقوله:"اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً اقض عني الدين وأغنني من الفقر...الخ" خرجه الإمام مالك في الموطأ بلاغاً (1/201)، وورد في سياق وصية أبي بكر –رضي الله عنه- قوله:"أني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وإن يجر ويبدِّل فلا أعلم الغيب، "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" نقلها ابن كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية (3/355).
وبالجملة فهذه النصوص وغيرها تدل على جوازه في النثر في مقام الوعظ والثناء والدعاء وكره بعض العلماء تضمينه في الشعر، وقد ورد في تراجم بعض العلماء استعماله في الشعر كما ورد في ترجمة أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي أنه قال شعراً:
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعـترف
أبشر بقـــول الله في آياته "إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف"
والذي يظهر –والله أعلم- أنه إذا كان المقام يحتمله وفيه موعظة وتذكير فلا حرج، أما إذا كان السياق لا يحتمله فإن هذا مما لا يجوز نظماً أو نثراً، كما قيل عن أحد ولاة بني مروان أنه رُفعت إليه شكاية من بعض عماله فوقَّع عليها "إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم" [الغاشية:25-26] وكذا لو تكلف وأسرف في ليّ أعناق النصوص القرآنية ليعبر بها عن معنى من المعاني كالذي ينقل عن المرأة التي كانت لا تتحدث –في زعمهم- إلا بالقرآن فإن هذا من التكلف، وهو أشبه بالعبث بألفاظ القرآن الكريم –نسأل الله العافية-.
وهذه المسألة تبحث في آداب تلاوة القرآن فليعتنِ اللبيب ببحثها في مظانها من كتب علوم القرآن وممن بحثها الإمام السيوطي –رحمه الله- في كتابه (الإتقان في علوم القرآن)، وفق الله الجميع، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ