إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان عندي إشكال في حديث "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً"!
المجيب
أ.د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الثلاثاء 11 ربيع الثاني 1427 الموافق 09 مايو 2006
السؤال

حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون".
1- هل يعني أن الصحابة لو علموا ما علم النبي صلى الله عليه وسلم لكانوا أشد خوفاً لله منه؟
2- لقد علم النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لم يعلموا، ومع ذلك تلذذ بالنساء على الفرش، ولم يخرج إلى الصعدات يجأر؟ نرجو التوضيح وإزالة الإشكال، وإحالتنا إلى مرجع مقروء يفيد في ذلك.

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الحديث المذكور في السؤال قد رواه ابن ماجه (4190)، والترمذي (2312)، وقال: حسن غريب.
وقد ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير، وأوله في الصحيحين.
والجواب على القول بصحة الحديث ما يأتي:
أما السؤال الأول: فجوابه أن نقول: حاشا لله أن يكون الصحابة –رضي الله عنهم- لو علموا ما علم النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يكونوا أشد خوفا لله منه، وهو القائل: "والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401). وهذا مما لا يختلف فيه اثنان.
أما السؤال الثاني: فجوابه أن الحديث المذكور فيه إخباره صلى الله عليه وسلم بأمور مخيفة قد لا يطيقها البشر لو علموها؛ لكن نقول بالفرق بين النبي –صلى الله عليه وسلم- وبين غيره من الناس، في صبره، وتحمله، وأخلاقه، وكافة أحواله، فله خصائص كثيرة لا تحصى، ومن تلك الخصائص التي لها علاقة بالموضوع: تثبيت الله له قال تعالى: "وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ" [هود:120]. وقال تعالى "كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا" [الفرقان:32]. وأيضاً قد عصمه الله قال تعالى: "وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" [المائدة:67]. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يواصل في الصوم، فرغب الصحابة في ذلك فنهاهم، وقال: "إنى لست كهيئتكم"، وفي رواية "لست مثلكم، إني أبيت أطعم وأسقى". صحيح البخاري (7299،1922) وصحيح مسلم (1103،1102). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر". صحيح البخاري (335)، وصحيح مسلم (521). وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تنام عيناي ولا ينام قلبي" صحيح البخاري (3569).
وخصائصه صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر، وفيها مؤلفات. وعلى السائل وغيره أن يرجع إلى تلك المؤلفات.
هذا وقد عقد العلامة البهوتي في كتابه (كشاف القناع) فصلاً في خصائصه صلى الله عليه وسلم بما يقرب من أربع عشرة صفحة (5/23-37) في أول كتاب النكاح، وكان آخر ما قال: "وخصائصه صلى الله عليه وسلم لا تنحصر فيما ذُكر، وفيها كتب مشتملة على بعضها". انتهى.
هذا ومما يزيل الإشكال أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم، صاحب رسالة عازم على تبليغها وإظهارها، ولهذا روي عنه أنه قال: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" تاريخ الطبري (2/315)، وسيرة ابن هشام (1/284-285)، والسلسلة الصحيحة (92)، والضعيفة (909). وإذا كان الأمر كذلك، فهل يليق بصاحب هذه الرسالة أن يخرج إلى الصعدات يجأر، ويترك ما حَمَّلَهُ ربه القائل "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ" [المدثر:1].
هذا ومن اطلع على سيرة الرسول –صلى الله عليه وسلم- وما يلقاه من الشدة عند تبليغ رسالة ربه، وعند نزول الوحي، عرف أنه -صلى الله عليه وسلم- ليس كغيره من الناس كما تقدم إيضاحه.
وجاء في صحيح مسلم (2867) في قصة مرور النبي صلى الله عليه وسلم ببعض القبور قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه"، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "... تعوذوا بالله من عذاب القبر...".
قلت فهذا الحديث يدل على ما ذكرته من وجود الفرق بين المصطفى –صلى الله عليه وسلم- وبين غيره من الناس، فالله سبحانه قد أطلعه على عذاب القبر، وأسمعه، وكان بالإمكان أن يدعو ربه لأمته أن يسمعها ما يسمع، لكنه صلى الله عليه وسلم امتنع عن ذلك لسبب ذكره صلى الله عليه وسلم بقوله: "لولا أن لا تدافنوا" ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد دفن كثيراً من أصحابه، فما منعه اطلاعه على عذاب بعض أهل القبور من الدفن، بينما يراه صلى الله عليه وسلم في أمته مانعاً، مما يدلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من الناس، فالله سبحانه قد ثبت فؤاده وقوى إيمانه، فلا يقاس عليه غيره مطلقاً.
هذا ما أردت إيضاحه حول هذا السؤال المهم، وهذا هو رأيي حول هذا الإشكال، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، ومن الشيطان، والله بريئ منه ورسوله.
والله أعلم وصلى الله علي نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ