إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان جهاد الدفع وجهاد الطلب
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الثلاثاء 04 ربيع الثاني 1427 الموافق 02 مايو 2006
السؤال

نحن في العراق أهل السنة والجماعة والملتزمين بمنهج سلف الأمة نعاني من المضايقات ما نعاني ونشكو أمرنا إلى الله ولكن يا شيخ لقلة أهل العلم عندنا فنجد الكثير من شبابنا مندفعين بنص أو بحديث دون النظر إلى نصوص أخرى وفهم سلف الأمة فتجده قد يقوم بالتفجير أو القتل.
شيخنا أنا أحاول أن أطلب العلم من خلال متابعة الأكاديمية الإسلامية المفتوحة وسماع محاضرات شرح لبعض أمهات الكتب للشيخ محمد صالح بن عثيمين رحمة الله عليه فوجدت أنه في قضية الجهاد يقسم الجهاد إلى نوعين جهاد طلب وجهاد دفاع ويوجب الشيخ على من احتلت بلاده الجهاد على أن يكون لنصرة دين الإسلام في ذلك البلد أو للحفاظ على الإسلام في ذلك البلد لكن لا نقاتل من أجل أن هذه الأرض المحتلة هي بلدنا يعني لا نقاتل من أجل وطنيتنا.
أرجو أن توضح لنا منهجا نسير عليه الآن في العراق فهل نجاهد؟ وهل يجوز قتل من نجده فيه ضرراً على المسلمين من المسؤولين، لأن الشباب هنا متخبطون فلتكن رسالة كالتي بعثها ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لأهل واسط وسميت بالعقيدة الواسطية، والآن أصبحت منهجا يدرسها كل من طلب العلم وأصبحت مستندا يستند إليها، وقد أكون أطلت عليك ولكن اعلم يا شيخ ما هو حالنا وإنا حيارى. وجزاكم الله خير الجزاء وأثابكم وجمعنا وإياكم مع سيد المرسلين في جنات النعيم.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأسأل الله أن يثبتني وإياكم على الحق المبين والصراط المستقيم وأن يجنبنا جميعاً طريق المغضوب عليهم المعاندين وطريق الضالين الجاهلين. آمين.
واعلموا أن قتال الكفار والمعتدين على بلاد المسلمين وحرماتهم –أمر واجب ومتعين على القادرين من أهل ذلك البلد المحتل خاصة، ونظراً لقيمة الوطن في الإسلام أمر الله بقتال كل معتدٍ يريد إخراجنا منه وإفساد ديننا وأخلاقنا وامتصاص خيراتنا، وسماه فتنة وجعلها أكبر من القتل فقال: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ" [البقرة:190-191]. وفي الوقت ذاته حرّم قتال من لم يقاتلنا ونهانا عن ما يعرف اليوم بالحرب الأهلية فقال: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ" [البقرة:84]. وهذا القتال يجب أن يكون لإعلاء كلمة الله وفي سبيل نصرة المظلومين المضطهدين وكسراً لشوكة الكافرين المعاندين، وإذا كان من قتل دون نفسه أو ماله أو عرضه أو دينه فهو شهيد، فإن هذه الأمور كلها توجد داخل الوطن فالمحاماة عنها محاماة عن الوطن والدفاع عن الوطن هو دفاع عنها، وحكم الجهاد بنوعيه: جهاد الطلب وجهاد الدفع باقٍ لم ينسخ، وإنما هو حسب حال الأمة من القوة والضعف، فإذا كانت الأمة قوية في عددها وعدتها فهي مطالبة بالأخذ بنصوص القتل والقتال وغزو المشركين والقعود لهم في كل مرصد؛ ليؤمنوا بالله أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإن كانت الأمة ضعيفة مستضعفة كحال المسلمين اليوم فالواجب الأخذ بآيات الصبر والمصابرة وعدم محارشة الكفار وإثارة حميتهم، قال –تعالى-: "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ" [الأنعام:108].
وفي هذا العصر الذي لا يكاد يوجد فيه للمسلم ركن يركن إليه، فعليه اللجوء إلى الله وأداء شعائر دينه، والصبر على الأذى فيه، لا سيما إذا كان فرداً وخصمه جماعة، أو دولة، أو قوبل رأيه بفتوى شرعية مستندة إلى الكتاب والسنة وجب عليه قبولها.
وتقدير جهاد الدفع وتحديده وإعلانه يخضع للاجتهاد الجماعي من أهل العلم الشرعي –في كل بلد بحسبه- إلا إذا اعتدي على المرء في نفسه أو ماله أو عرضه فيجوز له أن يدفع ذلك عنه ما استطاع، والأفضل أن يستشير قبل ذلك من هو أعلم منه وأكثر خبرة وتجربة.
وليس هناك علامات ينتفي بها جهاد الدفع بل هو باق إلى يوم القيامة ما دامت الأمة ضعيفة مستضعفة، واختيار أي نوع من نوعي الجهاد يخضع لتقرير أهل العلم والفكر والشوكة في كل بلد من بلاد المسلمين، وكل أهل بلد أدرى بشؤونهم من غيرهم.
ومن أوجه الشبه بين المسلمين اليوم والمسلمين في العهد المكي: الضعف وقلة العدد والعُدد، وتكالب الأعداء على المسلمين من اليهود وأذنابهم، والمشركين وإخوانهم، والمنافقين وأتباعهم.
ومن أوجه الاختلاف بين الحاضر والماضي –في العهد المكي خاصة-: وجود الرسول –صلى الله عليه وسلم- بين ظهراني المسلمين في مكة، ينزل عليه الوحي ويصحح لهم أخطاءهم ويسدد آراءهم، وكانوا لا يتجاوزون عشر آيات من القرآن يتلونها حتى يعملوا بها، أما نحن اليوم فقد يحفظ الواحد منا القرآن كاملاً أو يختمه أكثر من مرة، ولكنه لا يكاد يعرف شيئاً من حلاله وحرامه، وكانوا عرباً خلصاً على صفات حميدة من الصدق والشجاعة والكرم والشهامة والرجولة، أما نحن فعلى خلاف ذلك –إلا ما شاء الله-.
وإذا دخل العدو بلداً من بلاد المسلمين وجب على أهل ذلك البلد –المواطن منهم والمقيم- عينا الدفاع عن ذلك البلد، بكل وسيلة مشروعة ممكنة، فإن لم يستطع أهل هذا البلد المغزو وجب على أقرب البلاد إليهم إعانتهم والدفاع معهم ونصرتهم، وجوباً عينياً أيضاً، ولو كان أهل ذلك البلد أو من جاورهم ليس عندهم عدة ولا عتاد يساويان أو يقاربان عدد وعدة العدو لأن قتالهم هذا قتال دفع لا طلب، وجهاد الدفع لا يشترط فيه ما يشترط في جهاد الطلب، بل الواجب عليهم في مثل هذه الحال أن يقاتلوا العدو بأي حال؛ لقوله –تعالى-: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" [الحج:39].
ولعموم حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم" رواه أبو داود (2504) والنسائي (3096) من حديث أنس –رضي الله عنه-.
فجهاد الدفع لا يشترط فيه اجتماع عدد معلوم، ولا يلزم أن يكون للمسلمين المغزوين إمام يستأذن كما لا يستأذن الأب ولا الأم، ونحو ذلك، وإن كان المسلمون المعتدى عليهم خليطاً من المؤمنين والكفار، لا يشترط لهم حينئذ أن تكون لهم راية واحدة يقاتلون تحتها، وإن أمكن ذلك فحسن، وإن لم يمكن تعاون المسلمون مع الكفار الذين يسكنون معهم على العدو الذي غزاهم في عقر دارهم، ولكن يجب على المسلمين –فرادى كانوا أو جماعة- حينئذ أن يعلنوا أن جهادهم إنما هو لإعلاء كلمة الله وفي سبيله لا غير، (والراية العِمِّيَّة) التي يحرم القتال تحتها ولو مات فيها مات ميتة جاهلية، هي التي دل عليها حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- في صحيح مسلم (1848): "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية".
وجاء في حديث سعيد بن زيد –رضي الله عنه- عند الترمذي (142)، وأبي داود (4772)، والنسائي (4094)، وابن ماجه (2580): "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" والعدو المعتدي -مسلماً كان أو كافراً- إنما يريد هذه الأمور الأربعة مجتمعة أو بعضها، ومن لازم ذلك القتال للدفاع عن بلاد المسلمين إذا غزيت من قبل العدو الكافر؛ لأن هذه الأمور داخلة في بلاد المسلم أو وطنه.
أما القول بوجوب اشتراط وجود الإمام أو إذنه في الجهاد في سبيل الله فلا أعرف أحداً من أهل العلم المقتدى بهم اشترطه، بل الواجب خلافه، وهو أن الإمام لا يكون إماماً إلا أن يقوم بالجهاد في سبيل الله، لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (34/176). والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، .... فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت، إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها" انتهى. وعمل أبي بصير –رضي الله عنه- في قصة الحديبية ومن معه من المهاجرين الذين قاموا بقطع الطريق على قافلة قريش أظهر دليل على عدم اشتراط وجود الإمام أو إذنه للجهاد في سبيل الله، بل قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في أبي بصير لما بلغه فعله في قريش: "ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد" انظر صحيح البخاري (2731-2732)، يؤكد عدم اشتراط وجود الإمام أو إذنه في الجهاد في سبيل الله، بل نجد أئمة الدعوة في نجد منعوا وأنكروا مثل هذا الاشتراط، فيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت1258): (بأي كتاب أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع؟ هذا من الفرية في الدين والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر...)، انظر الدرر السنية (5/97-99). والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ