إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ما تباح فيه الغيبة
المجيب
سليمان بن إبراهيم الأصقه
نائب رئيس المحكمة العامة في الخرج
التاريخ السبت 03 ربيع الأول 1427 الموافق 01 إبريل 2006
السؤال

نحن نتناقش في أمور تتعلق بزعماء البلد من قادة وسياسيين ووزراء، وكل منا يدلي برأيه وما يقرأه في الصحف عن هذه الفئة، ومعظم من نتكلم عنهم معروفون بالفساد على أوسع نطاق، فهل يُعدُّ كلامنا عن هذه الفئة من الغيبة المحرمة؟ علماً أننا نتكلم عن أفعالهم الفاسدة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد ذكر العلماء أموراً تباح فيها الغيبة هي من الأغراض الصحيحة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بها، فمن ذلك ما ذكره البخاري في "صحيحه"، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيب، ومن ذلك ما ذكره ابن أبي الدنيا في كتابيه: كتاب (الصمت وأدب اللسان)، وكتاب (الغيبة والنميمة)، باب الغيبة التي يحل لصاحبها الكلام بها، وذكروا في ذلك أحاديث وآثارا. وقد جمع بعض العلماء الأمور التي تجوز فيها الغيبة في ستة أمور منظومة في هذين البيتين:
الذم ليس بغيبة في ستة *** متظلِّم ومعرِّف ومحذِّر
ولمظهر فسقاً ومستفت ومن *** طلب الإعانة في إزالة منكر
وذكر الكبراء المعروفين بالفساد من قواد ووزراء إن كان داخلاً في أحد هذه الأمور الستة أو في أكثر من واحد منها فلا بأس به، وليس من الغيبة المحرمة، ويكون ذلك بأن يُتظلم منهم إلى من له ولاية أو قدرة على إنصاف المظلوم من ظالمه، أو يُستعان بمن له قدرة على إزالة ما يرتكبون من فساد ومنكرات، أو يذكرون على سبيل التحذير والنصيحة بعدم الاغترار بما وقعوا فيه من فساد، أو يذكرون بما جاهروا به من الفسق والبدعة دون ما لم يجاهروا به. ففي صحيح البخاري (6032) وصحيح مسلم (2591) عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: استأذن رجل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة". فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله: قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام؟! قال: "أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس -أو ودعه الناس- اتقاء شره".
وفي صحيح البخاري (6067) عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "ما أظن فلانا ًوفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً".
وعن زيد بن أسلم قال: إنما الغيبة لمن لم يعلن بالمعاصي.
وقال إبراهيم النخعي: ثلاث كانوا لا يعدونهن من الغيبة: الإمام الجائر، والمبتدع، والفاسق المجاهر بفسقه.
وعن الصلت بن طريف قال: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلن بفجوره، ذكري له بما فيه غيبة؟ قال: لا ولا كرامة.
وعن الحسن أيضاً أنه قال: ثلاثة ليس لهم غيبة: صاحب هوى، والفاسق المعلن بالفسق، والإمام الجائر.
وقد جاء في هذا المعنى حديث ضعيف أخرجه البيهقي في السنن (10/210) والشعب (9664) فيه: "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له".
قال أبو العباس بن تيمية –رحمه الله-: "وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء" ا.هـ من مجموع الفتاوى (28/219).
والمراد بالنوعين المشار إليهما: أن يكون الرجل مظهراً للفجور، والثاني: ما كان على سبيل النصيحة والتحذير.
أما إذا ذُكر الكبراء الفاسدون على وجه لا تحصل به أي مصلحة من المصالح السابقة بل على سبيل السب والتهكم وإشغال المجالس وتقطيع الأوقات ومجارات الجلساء، أو كان ذكرهم مبنياً على ظنون لا صحة لها، أو على أفعال يظن المتكلم أنها من موارد ذمهم، وهي ليست كذلك، فإن ذلك لا يجوز، أو على أقل الأحوال هو من فضول الكلام الذي ينبغي تركه.
وعلى المؤمن أن يشتغل بما ينفعه من الأقوال والأفعال، وليعلم أن الله –تعالى- لم يأمره إلا بما يستطيع، وقد عفى عنه فيما لا يستطيع، قال تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم". [التغابن:16].
قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- مبيناً الفرق بين الغيبة المحرمة والجائزة في حق الفاسق: "فإذا ذكرنا فسقه على وجه العيب والسب فإن ذلك لا يجوز، وإن ذكرناه على سبيل النصيحة والتحذير منه فلا بأس بل قد يجب" ا.هـ شرح رياض الصالحين (4/63).
ومما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه السنة (1015) عن أنس –رضي الله عنه- قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7523). وأنس –رضي الله عنه- تأخرت وفاته إلى 92-93هـ وقد أدرك زمن الحجاج بن يوسف وهو من الظلمة المشهورين.
وفي كتاب آداب الحسن البصري لابن الجوزي (ص119): سمع الحسن رجلاً يدعو على الحجاج، فقال: لا تفعل رحمك الله إنكم من أنفسكم أُتيتم إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن تليكم القردة والخنازير؛ فقد روي أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "عمالكم كأعمالكم وكما تكونوا يول عليكم". [وانظر السلسة الضعيفة رقم (320)].
ولقد بلغني أن رجلاً كتب إلى بعض الصالحين يشكو إليه جور العمال –الحكام ونحوهم- فكتب إليه: يا أخي وصلني كتابك تذكر ما أنتم فيه من جور العمال, وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة، وما أظن الذي أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب والسلام.
ولقد بلغني أن أبا بكر –رضي الله عنه- خطب على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أيها الناس سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله جل ثناؤه يقول: أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني منكم جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا قلوبكم بسبب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم". انتهى.
[والأثر لا يصح مرفوعاً، انظر الطبراني الأوسط رقم (8957)، ومجمع الزوائد (5/249) قال فيه إبراهيم بن راشد وهو متروك].
وذكر الغزالي في الأحياء (3/303) عن رجل دخل على ابن سيرين، فتناول عنده الحجاج فقال ابن سيرين: إن الله حكم عدل ينتقم للحجاج ممن اغتابه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه، وإنك إذا لقيت الله غداً كان أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج. ا.هـ
وجماع ذلك أن الواجب على المؤمن أن يحفظ لسانه، ويعلم أنه محاسب ومحصى عليه كل ما يتكلم به، قال تعالى: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" [ق:18]، وقال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وهذا الحديث جامع مانع، وهو قاعدة عظيمة لما يتكلم به المؤمن وما لا يتكلم به.
أسأل الله –تعالى- أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يولي عليهم خيارهم ويكفيهم شرارهم، وصلى الله على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ