إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مشاهدة البرامج المشتملة على بعض المخالفات
المجيب
د. فهد بن عبدالرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 12 ربيع الثاني 1427 الموافق 10 مايو 2006
السؤال

أشعر بالحيرة بخصوص نوع الموسيقى التي يمكن أن نستمع إليها، ونوع البرامج التلفزيونية التي يمكن أن نشاهدها؛ أفيدونا جزاكم الله خيرا.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد اشتمل سؤالك على مسئلتين:
المسألة الأولى: ما يتعلق بالموسيقى.
فاعلم أن الموسيقى يحرم الاستماع إليها لأنها هي المعازف التي نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عنها، كما في صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، (5590) عن أبي عامر أو -أبي مالك- الأشعري، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر والمعازف".
فقوله: "يستحلّون" دليل على أنها محرمة، و"الحِر" هو الفرج.
بل استدل أهل العلم بآيات من القرآن على تحريم الموسيقى والغناء.
منها قوله -تعالى-: "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ" [الإسراء:64]. قال مجاهد: صوته هو المزامير.
ومنها قوله -سبحانه-: "أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتضحكون ولا تبكون وَأَنتُمْ سَامِدُونَ" [النجم:59-61].
فجعل من صفات الكفار المذمومة السمود، والسمود في اللغة هو: اللهو والغناء.
وقد جاءت أحاديث أخرى في الزجر عن استماع المزامير، والمعازف (وهي الموسيقى) وكذلك الغناء، وهي أحاديث يحتج ببعضها، وبعضها مما يمكن الاعتضاد به.
فمنها حديث أنس -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "صوتان ملعونان في الدنيا و الآخرة، صوت عند نعمة، ورنة عند مصيبة" أخرجه البزار (805)، وقال المنذري (4/177): رواته ثقات.
وعند الترمذي (1005) وحسنه، من حديث جابر –رضي الله عنه- نحوه، وفيه: "صوت عند نعمة لهو وطرب ومزامير الشيطان".
وجاء عن الصحابة والتابعين وطوائف من أهل العلم بعدهم ما يدل على اتفاقهم على ذم المعازف وأهلها، وأنها تصدّ عن ذكر الله.
واستفت قلبك يا أخي فيما يتعلق بهذا الأمر لتجد أن القلب يتغير باستماعه للموسيقى والغناء، وإياك أن تستخف باليسير فتتمادى إلى ما فوقه.
المسألة الثانية: ما يتعلق بالبرامج التلفزيونية:
أودّ أن تعلم ويعلم غيرك قواعد لا بد من التنبيه عليها:
القاعدة الأولى: أن الحكم على الشيء يكون بما غلب عليه إذا كان أصله مباحاً.
فقد يكون الجلوس في مكانٍ ما مباحاً في الأصل ؛ غير أنه قد يحرم إذا غلب على هذا المكان حصول الفتنة فيه، أو حدوث المنكرات منه.
يدل على ذلك أدلة منها قوله -تعالى-: "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ" [النساء:140]، فإذا كان القعود في أصله مباحاً فقد حرم حين يغلب على الحديث ما هو منكر.
القاعدة الثانية: أن المسلم مأمور باجتناب ما يخشى على دينه منه.
ويدل على هذا أدلة كثيرة جداً، منها ما هو مستند على قاعدة سد الذرائع وغيرها.
وقد جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن ، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات " أخرجه أبو داود (4319) بسند صحيح عن عمران -رضي الله عنه -.
فعلى المسلم أن يجتنب مواضع الفتنة ووسائلها ما استطاع.
القاعدة الثالثة : أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومثلها قاعدة مالا يتم اجتناب المنهي عنه إلا به فهو واجب، وهذه قاعدة قد نص عليها الفقهاء والأصوليون، ومن أخذ بها سلم من كثير مما قد يقع فيه الناس من المعاصي والأخطاء، دون أن يدركوا سبب وصولهم إليها.
فمثلاً من كان سهره في الليل يثقله عن صلاة الفجر، فإنه يحرم عليه السهر الذي سيوصله إلى هذا الحد؛ لأن مالا يتم الواجب -وهو أداء الصلاة- إلا به -وهو ترك السهر- فهو واجب.
القاعدة الرابعة : وهي تابعة للسابقة، أن كل ما يلهي، أو يصدّ أو يضعف عن عمل واجب سواء كان لله، كالصلاة، أو لأحدٍ من عباده، كحق الوالدين، والزوجة، والأولاد، فإنه محرم في حاله تلك.
قال سبحانه: "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" [المائدة:91].
وقال جل ذكره: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" [المنافقون:9]، ولغير ذلك من الأدلة.
إذا تقررت القواعد السابقة فإن الحكم يتضح إن شاء الله فيما يتعلق بالتلفزيون وغيره من وسائل الإعلام، بل وبكل وسيلة هي في الأصل مباحة.
فما عليك إلا أن تطبق القواعد السابقة على تلك الوسيلة ليتبين لك الحكـم.
فمثلاً ما يسمى التلفاز أو الرائي، هو في الأصل آلة ووسيلة تعرض ما تُمدّ به من مادة، فيكون حكمه بحسب هذه المادة،فإن كانت مباحة فاستعماله مباح، وإن كانت محرمة فاستعماله محرم.
فإن كانت المادة مختلطة؛ فيها محرم وفيها مباح فالحكم العام في استعماله يستند إلى القاعدة الأولى، وهي أن الحكم للأغلب، فإذا غلب على برامجه الإباحة كان استعماله مباحاً وإذا غلب على برامجه التحريم كان محرماً.
وهذا الحكم حكم إجمالي لا يعني أننا إذا قلنا بالإباحة أن يباح النظر إلى المحرم منه وهي النسبة القليلة كصور النساء والأغاني ونحوها.
بل المقصود أن يكون الاستعمال مباحاً مع اجتناب المحرم.
وأما لو غلب المحرم فالاستعمال محرم، ولا ينظر إلى وجود المباح القليل فيه.
وبهذا الميزان العام يمكن أن يجاب عن السؤال فيما يتعلق بالتلفزيون، لأن التلفزيون الآن ليست المادة فيه واحدة حتى يعطى حكماً واحداً، بل هو متعدد المواد، يزداد كل يوم تعدادها.
فمنه الفيديو الذي يتوقف الحكم فيه على حكم الأشرطة التي تعرض فيه.
ومنه التلفزيون المحلي، ومنه الفضائيات، وكلها تندرج تحت القواعد السابقة عند الحكم عليها.
بل تلك القواعد يستفاد منها في الحكم على غيرها من الوسائل كما تقدم، ومن ذلك الإنترنت.
وخلاصة القول:
1 – أن التلفزيون ومن باب أولى الفضائيات لا يجوز اقتناؤها إذا كانت مفاسدها أكثر من مصالحها، وما يعرض مما لا يحل أكثر من المباح، وهذا للأسف غالب حال كثير من الفضائيات بل والقنوات المحلية في بعض البلدان.
2 – أن من خشي على نفسه الفتنة إما بصور أو بمسلسلات هابطة أو أغانٍ أو شبهات قد تُعرض بأي شكل؛ كحوار أو مناظرة أو غيرهما، سواء كانت شبهاتٍ للكفار أو للعلمانيين أو للمبتدعة أو غيرهم.
من خشي على نفسه ذلك حرمت عليه المشاهدة والمتابعة، ووجب عليه قطع ذلك، وإزالته بالكلية.
وهذا ينطبق حتى على ما كان غالبه الإباحة، لأن هذه الخشية توجب سد الباب بسبب آخر.
وبهذا يحفظ المسلم دينه، وإلا فقد يهلك بسبب تساهله، ثم تماديه مع علمه بأثر ذلك على نفسه.
وبهذا يعلم أيضاً أن ما قد يظنه البعض من تمكنه من التحكم بما يشاهد في الفضائيات هو من خداع النفس أحياناً ، فإن من النادر أن يملك نفسه عن تقليب القنوات، حيث قد يقع فيما لا يستطيع صرف بصره عنه ثم التعلق به، ومعاودة الرجوع إليه.
ومن الصعب أيضاً حتى لو كان لديه قناة واحدة تعرض ما لا يجوز أحياناً أن يصرف بصره كل مرة، ويحفظ قلبه من خطوات الشيطان التي يقول الله تعالى فيها : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ..." [النور:21].
وكم من شخص ظن أنه يملك نفسه فضعف وانساق وتمادى، فإما غرق ولم يخرج ، وإما عاش في مجاهدة شاقة كي يرفع نفسه من الوحل، وإما لم يخرج إلا بشق الأنفس.
وهذا كما يقال في التلفزيون والفضائيات يقال في الإنترنت.
فأنت يا أخي الكريم مقياسك بيدك، وميزانك في قلبك وعقلك ، ولكن إياك إياك أن تخادع نفسك، وخذ بقاعدة "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، كما في صحيح مسلم (2553).
فمهما كان الأمر في أصله مباحاً ومهما كان غيرك لا يبالي به، أو حتى أن يكون سالماً من آفاته، فأنت وحدك أعلم بنفسك بعد الله تعالى، فبمجرد شعورك بضعفك، أو أنك لا تستطيع أن تملك نفسك تجاه أمر معين، أو غير ذلك من علامات الخطر، فعليك بالانصراف والإعراض والسلامة من كل ذلك، فإن السلامة لا يعدلها شيء، وغاية الأمر فيما تركته أنك تترك مباحاً، فماذا عسى أن ينقص منك؟!
وإذا كان العلماء قد اتفقوا على أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فكيف ما كانت مصلحته من قبيل المباح؟
3 – أن البرامج التي تجوز لك مشاهدتها تتوقف على التلفزيون أو الفضائيات التي تبثه، فإن كان مما غالبه أنه يعرض المحرم، فلا يجوز فتحه أو الاشتراك فيه أصلاً، اللهم إلا في حالة خاصة عند الحاجة إليه بشرط أن يمكن التحكم فيه تحكماً صحيحاً، ليس بمجرد دعوى، وهذا في نظري حالة خاصة جداً، وإنما ذكرتها ليكون الحكم شموليًّا، وإلا فكثير من الناس، وإن ادعى إمكانية التحكم فيه، فهو في حقيقة الأمر يعجز عن ذلك، وقد أشرت إلى هذا قريباً.
وأما إن كان ذلك التلفزيون أو القناة مما يغلب على برامجه التوافق مع الشرع وعدم مخالفتها إياه فهنا نقول: إن البرامج التي تجوز مشاهدتها هي التي لا تشتمل على محرم، والمحرم لا يخفى إن شاء الله على كثير من المسلمين، وسأضرب لذلك بعض الأمثلة فمنها:
* مسلسلات الحب والغرام وأمثال ذلك: مما يغري بالرذيلة أو يخفف شأنها في القلب.
* البرامج المشتملة على صور النساء بالنسبة لمشاهدة الرجل لها. لأن الرجل مأمور بغض البصر عنهن، قال تعالى:"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِم وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ" [النور:30]. وكذلك صور الرجال الفاتنة للمرأة لا يجوز لها النظر إليها، قال سبحانه:"وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ" [النور:31].
وهذا يشمل المسلسلات والدعايات ونحوها.
* بل حتى الأخبار، ينبغي أن يصرف بصره عن النساء فيها، أو يجعل عليها حاجزاً كما قد يوجد في بعض الأجهزة، ولا تنس حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" متفق عليه، البخاري (5096) ومسلم (2740).
* الأغاني والموسيقى بجميع أصنافها وأشكالها.
* ما قد يثير الفتنة على أي صورة أو شكل كان؛ سواء فتنة الشهوة أو فتنة الشبهة.
* ومن ذلك ما أشرنا إليه من بعض الحوارات التي قد تجد من نفسك عدم الحصانة لما ينشر فيها من شبهات، فهنا لا تجوز متابعتها.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/199): (فصل في النظر إلى ما يخشى منه الوقوع في الضلال والشبهة:
ويحرم النظر فيما يخشى منه الضلال والوقوع في الشك والشبهة, ونص الإمام أحمد رحمه الله على المنع من النظر في كتب أهل الكلام والبدع المضلة وقراءتها وروايتها). ا.هـ.
* المسابقات المشتملة على القمار، وهنا تمنع المشاركة، أما المشاهدة إذا لم يكن فيها محذور مما سبق فهي من قبيل المباح.
والضابط لذلك كله أن تزن كل برنامج بميزان الشرع لديك بتجرد دون هوى وسيتضح لك: "والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
تنبيهات:
التنبيه الأول: إن هذا الحكم في حق الشخص في نفسه فقط، وأما عند النظر فيمن تحت يده ممن قد يستخدم هذا الجهاز سواء تلفزيوناً أو فيديو أو فضائيات أو إنترنت أو غيرها فالأمر يختلف، بحيث إننا لو فرضنا الإباحة للشخص في حق نفسه لتوفر الشروط في حقه بما تقدم تفصيله، فهذا لا يعني أنه غير مسؤول عن أهل بيته ممن يتمكن من استخدام الجهاز المقصود ، فإذا كان لا يستطيع أن يمنعهم من استخدام ما يحرم (على فرض الإباحة حين يكون الغالب فيه المباح) فإنه يمنع من اقتنائه أو تمكين غيره منه.
التنبيه الثاني: أن القول بالمنع فيما يتعلق بالفضائيات وأمثالها لا يلزم منه أن المصلحين من رجال العلم أو الدعوة أو غيرهم يحرم عليهم الخروج في هذه الوسائل الإعلامية وما شاكلها، كما قد ظن البعض، وخروج أمثال هؤلاء ليس حجة للإباحة المطلقة للاقتناء والمشاهدة حتى للقنوات التي يخرج فيها المصلحون فضلاً عن غيرها، واعتقاد هذا التلازم منهج فيه خلل، وذلك لما يلي:
1 – أن الخروج في التلفزيون أو الفضائيات ليس معناه الإقرار بكل ما فيها، بل الخروج فيها استغلال لكل فرصة يمكن أن تتاح للدعوة إلى الله، وبيان الحق، وتعليم الناس، ودفع الشر أو التخفيف منه.
وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- كما -هو معلوم من سيرته- يغشى أندية الكفار ومجالسهم فيتلو القرآن ويدعو إلى الله.
فهل معنى دخوله أنديتهم وأسواقهم ومجالسهم لإيصال صوت الحق إلى من يرتاد تلك المواضع هو إقرار لكل ما فيها؟!
حاشاه بأبي هو وأمي أن يكون كذلك.
بل كان يدعو إلى الله بما يستطيع ويبين الحق بكل وسيلة، وحين يقف في سوق ذي المجاز أو غيرها ليقول لهم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" كما في مسند أحمد (16023).
فهل فهم الناس من ذلك تعارضاً بين دعوته ودخوله هذا السوق؟!
والسوق لا جرم يوجد فيه ربا الجاهلية وغناؤها بل وأوثانها.
وهل اعترض عليه أحد منهم بأنك لو كان ما تدعو إليه حقاً ما دخلت سوقاً أو نادياً أو مجلساً يخالف منهجك؟!
فعلم من هذا أن الخروج في مثل هذه الوسائل لا يلزم منه الإقرار.
وقصة دخول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- السوق أخرجها الإمام أحمد عن رجل من بني مالك –رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: "يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى، وما يلتفت إليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. مسند أحمد (16603)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وأخرج الإمام أحمد أيضا عن ربيعة بن عباد وكان جاهليا فأسلم –رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابيء كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب. مسند أحمد (16022)، ووثق الهيثمي بعض أسانيد هذا الحديث أيضا.
وفي نص هذا الحديث بروايتيه فائدة أخرى؛ هي عدم اكتراث النبي –صلى الله عليه وسلم- لما يعارض دعوته في هذا السوق ومن يعارضها؛ بل هو ماض يبلغ ما يستطيع تبليغه، وإن جاء بعده أمثال هؤلاء الصادين عن ذكر الله.
2 – أن هناك فرقاً بين أن يشارك المسلم في عمل يشتمل على المحرم ويكون عضواً فيه فهذا قد يقال فيه: إنه يستلزم الإقرار.
وبين أن يكون مستضافاً في هذا البرنامج أو ذاك بحيث لا يعتبر عضواً في هذا العمل.
فمن حمّل الثاني الإقرار فقد حمله مالا يلزم، يوضحه ما بعده.
3 – أن المسلم قد يكون موظفاً في عمل، وهو يعتقد أن هذا العمل يشتمل على شئ من المحرمات، ولكنه في عمله لا صلة له بذلك المحرم لكونه في جهة أخرى، كمثل بعض الدوائر التي قد تأخذ ضرائب في جزء من قطاعاتها، أو حتى بعض جهات التعليم التي قد لا تكون موافقةً للشرع في جميع توجهاتها..، ففي جميع تلك الوظائف لا يمكن القول بأن الموظف فيها مقر لكل ما فيها فنحرم عليه العمل فيها مطلقاً.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقبله القرطبي في تفسيره، أن يوسف عليه السلام عمل في حكومة العزيز في مصر خازناً (كمثل وزير المالية في هذا العصر)، مع أن الحكومة لم تكن على المنهج الحق، وعمل عليه السلام بما يستطيع عمله من الحق.
ومثله عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فمع تمكنه في الخلافة، إلا أنه عمل ما أمكنه من عمل الخير، وإن كان يعلم أن نظام الخلافة العام لا يمكن تعديله بسهولة.
التنبيه الثالث: أن جميع ما ذكرنا من التفصيل في التلفزيون وما يشبهه من كل ما يشتمل على الصور، إنما يجري على القول بأن التصوير فيها ليس من قبيل المحرم، سواء قلنا إنه لا يشمله معنى التصوير المحرم، كما يقوله بعض المعاصرين، أو قلنا إنه داخل في التصوير وإنما جاز للحاجة والمصلحة العامة، كما يقوله علماء كثيرون؛ بل منهم من كان يشدد في التصوير بأنواعه، ومع ذلك يرى أنه إذا اشتمل على مصلحة جاز، كمثل شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى، فإنه كان يرى المصلحة في تصوير المحاضرات ونحوها لتعميم فائدتها، وكذلك العلامة الألباني رحمه الله أيضاً، فإنه مع تشدده في شأن التصوير، إلا أنه كان يرى إخراج الأفلام في تعليم الصلاة ونحوها.
وقد ظهر لي بعد التأمل في شأن التصوير الفوتوغرافي والمتحرك أيضاً (الفيديو) أننا وإن قلنا: إنها كانت داخلة في عموم التصوير؛ لكنها أخف من التصوير الوارد تحريمه في النصوص لانتفاء المضاهاة، وهي العلة التي دل عليها حديث أبي هريرة وحديث عائشة رضي الله عنهما.
وانتفاء المضاهاة هنا لكون هذا التصوير لا يمكن أن يدعي من قام به أنه أتى بما يشبه الحقيقة، بل الناس مجمعون على أن هذه الصورة هي عين الحقيقة التي خلقها الله تعالى، فهي كالصورة في المرآة لا تختلف، وإنما الفرق في التحكّم فيها وتثبيتها.
وليس هذا موضع تفصيل ما يتعلق بتحقيق هذا المأخذ.
وأما العلة الثانية وهي خشية الشرك فهي أيضاً ليست في قوة تحققها كالتصوير في الماضي؛ وذلك لكون هذا الأمر أصبح مجرد وسيلة اتصال واطلاع، ليست الصورة فيه مقصودة لذاتها، كما أصبح عاما شائعا لا يختص بكبير أو صغير.
ولذا فإذا قويت هذه العلة حرم التصوير واقتناؤه؛ كمثل الصور المعلقة للعظماء، والصور المجسمة لغير لعب الصغيرات ونحو ذلك.
وعلى هذا فما دامت العلتان أصبحتا في شأن هذا التصوير أخف، فينبغي أن يكون الحكم كذلك، ولذا جاز للحاجة والمصلحة، بخلاف التصوير في السابق، فإن العلتين فيه أقوى مع ضعف المصلحة المعارضة على فرض دعوى وجودها في أمرٍ ما.
وهذا المقام لا يتسع لبسط هذه المسألة بأكثر مما سبق.
التنبيه الرابع: علم مما تقدم أن مسألة التصوير المعاصر مسألة اجتهادية لا ينبغي التشنيع فيها على المخالف، فمن رأى التحريم مطلقاً فلا شك أنه يرى التحريم في جميع وسائل الإعلام المشتملة على الصور.
وهذا قول له وجاهته، وللقائلين به اعتبارهم واحترامهم ، ولكن تبقى المسألة اجتهادية لا يعنف طرف فيها طرفاً, ولا يحمله على رأيه حملاً، ولا يقصره عليه قصراً.
وكذلك مسألة المشاركة في التلفزيون والقنوات الفضائية، حتى عند من يرى جواز التصوير للحاجة، إذا رأى فيها المنع فعليه أن يدرك أنها مسألة اجتهادية، لا تصل إلى حد تسفيه المخالف وتعنيفه وطرد اللوازم على قوله.
ومن العجب أن يصل الإنكار فيها إلى المنع من السعي لتأسيس قناة فضائية إسلامية تعمل وفق منهج إسلامي ومن خلال هيئة شرعية!
فماذا يريدون إذاً أن يعمل أهل الخير والإصلاح؟! أم أنهم يعزلون أنفسهم عن واقعهم بوسائله و إمكانياته؟!
مع أن من ينكر ذلك قد يستخدم وسائل ليست بأنقى ولا أصفى من القنوات كالإنترنت وأضرابه.
فمن كان إنكاره من أجل التصوير فالخطب أيسر؛ ولكن عليه أن يعلم أن التصوير المعاصر مسألة اجتهادية, والعلماء الكبار لا يخالفون في ذلك إذا وجدت المصلحة، كما أشرت آنفاً إلى رأي الإمام ابن باز والعلامة الألباني، وأضيف أيضًا شيخنا ابن عثيمين رحمه الله وشيخنا ابن جبرين حفظه الله وغيرهما كثير.
وأما من كان يرى رأي هؤلاء المشايخ في التصوير أي بجوازه للمصلحة، ثم هو مع ذلك يشدد النكير على وجود قنوات إسلامية فهذا لم أجد له وجهاً.
ومن ظن أن مثل ذلك يعد إقراراً لبقية القنوات، وأن فيه إغراءً للشباب بمتابعتها، كما قد ظن أيضاً من شدد النكير على من يشاركون في القنوات غير الإسلامية، أن ذلك حمل البعض على اقتناء القنوات ومشاهدتها من أجلهم، ثم فسدوا بسبب تماديهم في البرامج والقنوات.
من ظن ذلك فقد حمّل الأمر ما لا يحتمل، وألزم من غير لزوم، فطالب العلم حين يخرج في برنامج في فضائية لإيصال الحق وتعليم الناس نظراً لكثرة من يتابعها ويشاهدها فهل هو بفعله أراد من كل أحد أن يقتني الدش من أجله؟
كلا..، وذنب من اقتنى وتمادى إنما هو على نفسه، أما طالب العلم والداعية فقصده من كان يشاهد في الأصل، وجمهورهم كثير على المستوى المحلي والعالمي.
وإذا كان لك موقع في الإنترنت تبث منه الخير، أي خير كان في العلم أو الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو غيرها, فهل تتحمل ذنب شخص أدخل الإنترنت من أجل موقعك ثم وقع في المواقع الهابطة فأفسدته؟! إن مثل هذا كمثل ذاك لا فرق.
فينبغي تناول المسائل باعتدال كي لا ينقلب الأمر إلى منهج مختل قد يأتي على كثير من المصالح والقواعد فتخرّ. أو يقف صاحبه عند بعض الأمور لا يستطيع طرد منهجه فيها، فهذا يدل على الخلل فيه، إذ لو كان صائباً لا طّرد ولم يتخلف في بعض المسائل والحالات.
وقد كنت أنتظر بدلاً من الرفض التام للمشاركة في القنوات أن لو كُتب في ضوابط المشاركة فيها، والتنبيه على بعض الأخطاء ممن قد يشارك من أهل العلم والدعوة وأمثالهم من أهل الإصلاح, لا أن تتخذ هذه الأخطاء دليلاً على تحريم المشاركة مطلقاً, فهذا أيضاً من الخطأ في المنهج، حين تكون الأخطاء في العمل المباح أو المشروع من أدلة المنع منه.
بل المنهج الصحيح في تناول المسائل والقضايا أن تناقش على فرض الصورة الخالية من الأخطاء ليعرف الحكم في أصلها.
وفي الختام أشير إلى أن ما حملني على الإطالة في جواب هذا السؤال هو من أجل التلازم الذي قد يقع فيه البعض بين اقتناء الفضائيات وبين مشاركة أهل الإصلاح فيها، فيحمله التلازم إما على الإباحة في الكل أو على المنع في الكل.
ومن أجل أن يعلم الجميع أننا في الوقت الذي نرى فيه المشاركة إذا غلبت المصلحة، نحذر أيضاً من تلك القنوات على وفق التفصيل الماضي بقواعده.
هذا ما أدى إليه الاجتهاد الذي يكتنفه القصور، فما كان من صواب فمن الله، وما كان غير ذلك، فأسأل الله تعالى الدلالة على الحق والتوفيق إليه ومغفرة الزلل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ