إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التبرع بالدم والأعضاء
المجيب
د. فهد بن عبدالرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الثلاثاء 10 جمادى الأولى 1427 الموافق 06 يونيو 2006
السؤال

ما حكم التبرع بالدم والأعضاء للمسلمين ولغير المسلمين؟
وما حكم بيع كل من حليب الثدي والدم والأعضاء؟ وإذا كان ذلك غير جائز، فما هي عقوبة فاعله؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذا السؤال قد اشتمل على مسائل كبيرة شائكة، وهي من المسائل المعاصرة، أو ما يطلق عليه البعض (النازلة)، وقد بحثته مجامع فقهية ومؤتمرات، وصدرت في بعض المسائل فيه قرارات، وقد تأملت مسائله فوجدتها مشتملة على صور كثيرة، وليست صورة واحدة، أو اثنتين، أو ثلاث، ووجدت العلماء والباحثين المعاصرين قد اختلفوا في أكثرها، ولذا فقد رأيت الإشارة إلى هذه الصور –حسب اجتهادي– وما فيها من اتفاق، أو شبيه اتفاق، دون التفصيل في حكم جميعها.
فأصل السؤال فيه ثلاث مسائل رئيسة، إحداها تتعلق بالأعضاء الإنسانية، والثانية بالدم، والثالثة بالحليب.
ثم في كل مسألة حكم التبرع وحكم البيع.
ثم إذا نظرنا إلى نقل الأعضاء فنحن أمام الحكم في أصل نقلها، وهو ينقسم إلى نقل الأعضاء التي تتوقف عليها حياة المنقول منه كالقلب، وإلى نقل الأعضاء التي لا تتوقف عليها الحياة كنقل كلية من الكليتين السليمتين.
ثم هذا النقل قد يكون في حال الضرورة، وقد يكون في حال الحاجة وليست الضرورة.
ثم النقل قد يكون من ميت إلى حي، وقد يكون من حي إلى حي.
ثم النقل أيضاً قد يكون في كل صورة من مسلم إلى مسلم، ومن كافر إلى مسلم، ومن مسلم إلى كافر.
ثم النظر في ذلك كله من حيث أصل النقل كما تقدم، ثم من حيث حكم تبرع الشخص نفسه في حال حياته أو الوصية بذلك في حال موته، أو تبرع ورثته بذلك في حال الموت، ثم من حيث بيع الشخص نفسه شيئاً من أعضائه حال حياته، أو بيعاً معلقاً بموته، أو بيع ورثته ذلك.
ثم هناك نظر أيضاً في حال المحكوم عليه بالقتل وما يمكن أن يشمله من صور متقدمة.
هذا ما يتعلق بمسائل الأعضاء.
وأما الدم فله صورة تشبه في بعضها ما تقدم، وإن كانت أقل من ذلك إذ تتعلق بحكم أصل النقل هل هو جائز، أو لا؟ (لشبهة نجاسة الدم).
ثم هذا النقل قد يكون في حال الضرورة أو الحاجة.
ثم النقل قد يكون من مسلم إلى مسلم، ومن كافر إلى مسلم ومن مسلم، إلى كافر.
ثم على القول بجواز النقل يأتي التفصيل في حكم التبرع على ما تقدم، ثم حكم البيع كذلك.
أما مسألة حليب الأم ففيها شيء من الصور المتقدمة، فهناك التبرع، وهناك البيع، ثم كل منهما قد يكون لمعين وقد يكون عامًّا (بحيث لا يعلم المستفيد من الحليب)، ثم كل منهما قد يكون من مسلمة لمسلم، أو من كافرة لمسلم، أو مسلمة لكافر.
ثم على القول بالمنع وعدم الجواز في أي صورة من الصور المتقدمة، فما عقوبة من فعل ذلك؟
فإذاً نحن أمام صور كثيرة جدَّا من هذه المسائل وليست كلها ذات حكم واحد لا اختلاف فيه بين المعاصرين، بل قل منها ما فيها اتفاق.
ولذا فإني أنصح السائل أن يرجع إلى كتاب (المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية) للدكتور محمد النتشة، فإن فيه جمعاً جيداً لأقوال المعاصرين، ومن خلاله يمكن الوقوف على قرارات المجامع الفقهية في هذه المسائل والبحوث فيها.
وأما رأي العبد الفقير فإنني أنبه أولاً إلى ما يلي:
1. لابد في هذه المسائل من استيعاب جميع الصور التي تندرج تحتها، وبيان حكم كل منها على حدة؛ لأن الخلط بينها يورث اللبس وتداخل الأدلة.
2. يجب تحرير الموقف الطبي تحريراً بالغاً، بمعنى أن يقال: هل الطب وصل إلى حد اليقين أو شبه اليقين من جدوى عمليات النقل في الصور المتقدمة؟
لا سيما نقل الأعضاء، والتأكد من عدم وجود مضاعفات فيها؛ لأني أخشى في مثل هذه المسائل أن يجتهد الفقهاء في بحثها ويصلوا أو يصل بعضهم إلى الجواز فيها، ثم لا نلبث أن نرى الطب قد تراجع عما توصل إليه وشكك في نجاح ما كان يرى نجاحه، فهذا موقف لا نحمد عليه.
إذ إن بحث هذه المسائل فرع عن تحقق الجدوى الصحية منها، أو على أقل الأحوال غلبة الظن فيها، أو أن أكثر أهل الطب على ذلك.
هذا فضلاً عن تحقق الإمكانية أصلاً كما في مسألة الاستنساخ التي كان ينبغي ألا تبحث من الناحية الفقهية حتى تثبت إمكانية وقوعها، إلا أن يكون بحثها من حيث جواز إجراء التجارب فيها من عدمه.
أما هذه المسائل التي وردت في السؤال وأشرت إلى صورها، فالذي يظهر لي فيها ما يلي:
1. تبرع المسلم الحي بشيء من أعضائه، أميل فيه إلى المنع؛ لأن التصرف في جسم الإنسان ليس إليه، لا سيما وأن التبرع بالعضو سيؤثر على صحته، إن حالاً أو مآلاً، وذلك يمنعه من بعض العبادات أو كمالها.
2. تبرع المسلم بشيء من أعضائه بعد موته، أي: وصيته بذلك يجرى عليه ما تقدم من كون الإنسان لا يملك جسمه فلا يملك التصرف فيه، وحتى على القول بأن حرمة الجسد حال الموت أقل منها حال الحياة، فإن تصور هذا التبرع –في نظري– سيكون في نطاق ضيق جدًّا ذلك أن من أجازه قيده بحال الضرورة في المتبرَع له، وهذه الحال كيف يمكن للمسلم التحقق منها بعد موته؟!
إلا أن يعلم بمضطر بجانبه وهو في حال الاحتضار فيتبرع في هذه الحال بكليته مثلاً لهذا الشخص.
وأما مجرد الاعتماد على أن العضو لن يصرف إلا لمضطر، فهذا وإن كان في الواقع صحيحاً، فإن الشخص مطالب بالوقوف على الأمر بنفسه، لا سيما وأن مثل هذا التبرع قد يستغل في التسرع في نزع العضو منه قبل موته الحقيقي، وذلك في حال موت الدماغ، وقد منع كثير من المجيزين للتبرع أن يكون ذلك في هذه الحال، كما أن كثيراً من المعاصرين على عدم اعتبار موت الدماغ موتاً تعلق به الأحكام الشرعية.
ومما يضيق تصور التبرع بالعضو بعد الموت، أنه لا يستفاد من نقل عضو من الميت لا سيما الضروريات كالكلية، إلا إن كان النقل في حال موت الدماغ، أما بعد ذلك فلا فائدة كما ذكر ذلك أهل الطب.
3. المعاوضة (بالبيع ونحوه) على شيء مما ورد في السؤال لا تجوز بحال، وهذا يشمل المعاوضة في الأعضاء، وفي الدم، في حال الحياة وحال الممات.
وهذا قول أكثر المعاصرين حتى من أجاز التبرع مطلقاً، وذلك لخطورة تحويل جسم الإنسان للمزايدة عليه، ولأن ذلك سيحمل البعض ممن بلغ به الفقر مبلغه أن يتصرف في جسمه بما يضره، ولربما تعدى ذلك إلى تصرفه بأولاده، فإذا كان الله –تعالى- قد قال: "وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِنْ إِمْلاقٍ" [الأنعام: 151]، وفي الآية الأخرى "خَشْيَةَ إِمْلاقٍ" [الإسراء: 31]، وذلك لوجود من فعل ذلك، فلا يبعد إذاً أن يوجد من يبيع بعض الأعضاء بسبب خوفه من الفقر، أو لجشعه وطمعه.
وأما المعاوضة على حليب الأم فذلك مباح، ولكن بشرط كونه لشخص معين، حتى لا تضيع حرمة الرضاع، وإنما جاز ذلك لإباحة أخذ الأجرة على الرضاع.
ولكن إنشاء ما يسمى ببنوك الحليب فالأقرب عندي فيه هو المنع، وعليه أكثر المعاصرين للعلة التي ذكرت وهي ضياع حرمة الرضاع.
4. في نقل الدم ينبغي الحذر الشديد من تلوثه، فلا يجوز لشخص أن يتبرع بدم وهو يعلم ما فيه من مرض، كما ينبغي لمن احتاج إلى دم أن يحذر كيلا يكون الدم ملوثاً، لا سيما مع وجود أمراض خطيرة كالإيدز، وتكمن الخطورة في عدم التأكد من سلامة الدم من مثل هذا الفيروس؛ لأن الاختبار والتحليل مهما بلغت دقته لا يصل إلى حد التأكيد كما ثبت ذلك طبياً، ولذا ينصح الأطباء بعدم التعرض لنقل الدم إلا في حال الضرورة، ويستحسن أن يعلم مصدر هذا الدم، وحين يكون من أقارب المريض المعروفين بسلامتهم من الأمراض فهو أولى.
ولذا لو قيل بالمنع من أخذ الدم من الكفار إلا في حال الضرورة القصوى؛ لعدم تورعهم عن المحرمات، كالخمر والزنا -فلا تضمن سلامة الدم- فذلك قول قوي.
وأما العكس وهو تبرع المسلم للكافر بالدم، فإن كان ممن تجوز الصدقة عليه فيجوز التبرع له بالدم بشرط عدم الضرر على المسلم.
5. في نقل الأعضاء من الكافر فينبغي أن يكون الأمر فيه أيسر بكثير، فإن كان معصوم الدم كالذمي والمعاهد فلا يجوز إلا برضاه، فإذا رضي جاز النقل، والجواز هنا هو في قضية إجراء النقل وليس من حق الكافر؛ لأنه لا يبحث هو عن الحكم الشرعي، بل حتى لو رضي بنقل قلبه فيجوز ذلك فيما يظهر؛ لأنه رضي بقتل نفسه فالإسلام لا يمنعه من ذلك،
وكذلك في حال موته، وقد أوصى بالنقل، أو رضي ورثته فيجوز ذلك.
وأما إن كان الكافر غير معصوم الدم كالحربي فالذي يظهر جواز نقل أي عضو منه رضي أو لَمْ يَرْضَ، ولكن ليس على سبيل المثلة بل لتحقق الضرورة في المنقول إليه، وهذا في حياته، وكذلك في حال مماته من باب أولى؛ لأنه غير معصوم فهو مستوجب للقتل.
6. في حال الكافر تجوز المعاوضة -فيما يظهر- سواء كان معصوم الدم أو غير معصوم، وفي حال الحياة وحال الممات.
7. ما يتعلق بالعقوبة المسؤول عنها في السؤال يقال بأن من حرم شيئاً من الصور فإن العقوبة عنده، هي: الإثم لارتكابه المحرم، وهذا فيما يكون بينه وبين الله، وإن كان الأمر فيه تعدٍّ على أحد، فقد اشتمل على الظلم أيضاً فيكون فيه حق لله وحق للآدمي، وأما العقوبة الدنيوية فهذه ترجع إلى وجود والٍ شرعي أو قاضٍ شرعي يقيم العقوبات الشرعية، وحينئذ فقد يستحق المخالف عقوبة تعزيرية بحسب فعله.
هذا والله أعلم، وصلى وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ