إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل تأخذ نفقتها من مال ولدها بغير علمه؟
المجيب
د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
التاريخ الثلاثاء 08 جمادى الآخرة 1427 الموافق 04 يوليو 2006
السؤال

أم لديها سبعه أبناء تعيش عند أحدهم اسمه بكر والبقية لا يصرفون عليها؛ لما يجدونه من ضغط معيشي. ولكن الابن بكر رزقه الله من المال والتجارة ولله الحمد ومع ذلك متكفل بسكناها معه. ولكنه شحيح لا يلبي لها كل ما تطلب، مع العلم أن طلباتها ليست بالعظيمة، أو غير المعقولة ولكن من أبسط حقوقها. فتضطر الأم أن تأخذ من ماله بدون علمه، وتودعه عند أحد أولادها تستخدم ما تشاء وتودع الباقي. فهل هذا المال حرام أم حلال؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فمن نعم الله تعالى على عبده أن يكرمه ببقاء والديه، أو أحدهما، وأن يوفقه لبرهما والإحسان إليهما ما استطاع وذلك ببذل الغالي والرخيص لعله يظفر برضاهما ممتثلاً أمر ربه جل جلاله قال تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" [الإسراء:23]. وقال تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ" [لقمان:14]. وبر الوالدين أقرب الطرق الموصلة للجنة. قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف" قيل: من يا رسول الله؟ قال "من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة" رواه مسلم (2551) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- وحق الأم أعظم من حق الأب لحديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله من أحق بحسن الصحبة؟ قال –صلى الله عليه وسلم- "أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك" رواه مسلم (2548). والواجب على المسلم -ذكراً كان أو أنثى- أن لا يجعل عرض الدنيا سببا لغضب والديه عليه، خاصة أن كثيراً من الوالدين لا يطلبون إلا أشياء يسيرة تفرحهم، ولا تضر الولد.
أما ما يتعلق بالسؤال: فالواجب على الولد القادر النفقة على والدته؛ طعاماً وكسوة وسكنى حسب حاله. فإن كان غنياً فنفقة الأغنياء من غير تبذير، وإن كان متوسطاً فنفقة المتوسطين، وهكذا فإن منع الولدُ الواجب عليه، أو نقص منه فللأم أن تأخذ من ماله قدر ذلك، ولو بغير رضاه وعلمه. لحديث عائشة -رضي الله عنها- أن هنداً بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؟ فقال "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" رواه البخاري (5364) ومسلم (1714) فإن كان هذا جائزاً للزوجة، فالأم كذلك بجامع وجوب نفقتهما عليه. عن طارق المحاربي -رضي الله عنه- قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم على المنبر، يخطب الناس وهو يقول: "يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك" رواه النسائي (2532) وصححه ابن حبان (3341).
أما غير الواجب على الولد بذله فهل للأم أن تأخذه بلا إذنه؟
الأرجح والله تعالى أعلم أنه ليس لها ذلك؛ لأن أحاديث التمليك خصت الأب دون الأم. كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يخاصم أباه فقال: يا رسول الله إن هذا قد اجتاح مالي. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنت ومالك لأبيك" رواه أحمد (6902) وأبو داود (3530)، وابن ماجه (2292). ورواه ابن حبان (410) من حديث عائشة رضي الله عنها قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (ليس لغير الأب الأخذ من مال غيره بغير إذنه؛ لأن الخبر ورد في الأب بقوله "أنت ومالك لأبيك". ولا يصح قياس غير الأب عليه، لأن للأب ولاية على ولده، وماله إذا كان صغيراً، وله شفقة تامة، وحق متأكد، ولا يسقط ميراثه بحال، والأم لا تأخذ؛ لأنها لا ولاية لها) ا.هـ المغني (5/397) والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ