إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الاحتجاج بالعهد المكي لتسويف بعض التكاليف!
المجيب
د. محمد بن عبدالله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ السبت 22 ربيع الثاني 1427 الموافق 20 مايو 2006
السؤال

كيف السبيل إلى معرفة الله عز وجل؟ لأنني سمعت أنه على المسلم أن يعرف الله أولاً، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تطبيق شرع الله، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يهتم في العهد المكي بتعليم الصحابة الصيام والعبادات! ولكنه كان يركز على معرفة الله، فكيف نربي أنفسنا كما ربى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الصحابة؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
ثبت في الصحيحن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟". ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (فطرة الله التي فطر الناس عليها) صحيح البخاري (1358)، وصحيح مسلم (2658).
وهذه الفطرة هي الإسلام، وهذا الحديث صريح في أن كل مولود يولد مسلماً، فإذا كان أبواه غير مسلمين، فإن أطاعهما فيما يدعوانه إليه من يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، خرج عن الفطرة إلى ما يدعوانه إليه ويربيانه عليه، وإن هداه الله إلى الإسلام فهو مسلم، باقٍ على الفطرة التي فطره الله عليها.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الإنسان يولد مسلماً، ثم إذا وصل إلى السن التي يكون فيها مخاطباً شرعاً فإن أسلم بلسانه وقلبه وجوارحه، -لله تعالى- فهو مسلم، وإن اختار غير ذلك فهو على ما اختار.
لكن لا بدّ أن يُعلم أن الفطرة لا تكفي وحدها لهداية الناس، فالشريعة مكملة للفطرة، ومفصلة للأحكام التي لا تستقل الفطرة بإثباتها، فمثل الفطرة مع الشريعة، كمثل العين مع النور، فإن العين إذا غاب النور عنها لم تبصر شيئاً، وكذلك الفطرة إذا غابت عنها الشريعة المنزلة!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالشريعة المنزلة، فإن الفطرة تعلم الأمر مجملاً، والشريعة تفصله وتبينه، وتشهد بما لا تستقل الفطرة به ). [مجموع الفتاوى (4/45)]. انتهى
ويقول أيضاً: (فإن الله فطر عباده على الحق، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتحويل الفطرة وتغييرها). [مجموع الفتاوى (5/260)]. ووجود الله تعالى ثابت ومستقر بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، ودلالة العقل، والفطرة، والحس.
فإذا تقرر لك هذا جلياً، أَنتقِلُ إلى الجانب الآخر من السؤال، فأقول:
اعلم –رعاك الله- أنه ليس هناك مرحلة معرفة دون عمل، ثم مرحلة عمل، فمن معرفة الله وقدره حق قدره أن تعبده، وأن تجتهد لما خُلقت له "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: 56].
أما القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهتم بالعبادة في أول الإسلام، فهذا غير صحيح، فشريعة الله عز وجل كانت تتنزل شيئا فشيئا، ففرضت الصلاة، ثم الصيام، والزكاة، والحج، والحدود. قال تعالى: "وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً" [الإسراء: 106]، حتى اكتملت الشريعة، فأنزل الله عز وجل: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً" [المائدة:3]. فالشريعة كملت، والمسلم مأمور بها كلها بعد ذلك.
أوضح لك أكثر، فأقول: اعلم -أرشدك الله لطاعته– أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، وكما هو معلوم لم يفرض صيام رمضان في مكة، وإنما فرض بعد الهجرة.
فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة بعد الهجرة إذا أتاه أحد وأسلم. هل يقول له: لا تصم رمضان ثلاث عشرة سنة ثم بعد ذلك صم؟!.
لا شك أنه لا يقول له ذلك، وإنما يأمره بشرائع الإسلام كلها، ومنها الصيام. وقل مثل هذا الكلام في بقية شعائر الدين.
فالله عز وجل أنزل القرآن في ثلاث وعشرين سنة، يأمر بأوامر، وينهى عن نواهي، ويشرع، وينسخ، ويفعل الله ما يشاء، حتى إذ اكتملت الرسالة قال: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً".
فلا يأتينّ قائل ويقول في مكة:لم يشرع صيام رمضان، ولا حرم الخمر، ولا شرع الحج والزكاة، إلى آخر ذلك... ويهدم بذلك الإسلام.
فأحكام الفترة المكية التي نسخها الله بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يجوز للمسلم أن يعمل بها؛ لأنها بعد نسخها لم تعد أحكاماً شرعية، فمن عمل بها وترك العمل بما نسخها كان فيه شبه بمن عمل بدين منسوخ، وأعرض عن دين الإسلام الذي نسخ ما سواه من الأديان، كما أن هذا يفتح الباب لترك كل الأحكام التي شرعت في المرحلة المدنية، ولا شك أن ذلك هدم للإسلام وتغيير لأحكامه، فليحذر المسلم من هذا.
وفي قول السائل –وفقه الله– كيف يمكن أن يربي الواحد منا نفسه على العبادات؟ فأختصر الكلام حول هذه القضية فأقول إن للمسلم أعداء يمنعونه من الطاعات، وهم:
أولاً: نفسه التي بين جنبيه، قال تعالى: "إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ" [يوسف:53].
والسلاح في دفع هذا العدو، هو: جهاده وكبح جماحه، قال الله تعالى: "وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى" [النازعـات:40-41].
وقال الله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" [العنكبوت:69].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله". رواه أحمد (22840)، وغيره.
ثانياً: الجهل، وأخطره الجهل بالله تعالى، وعظيم رحمته، وشدة عذابه ونقمته، والجهل بحقيقة الدنيا، وأنها دار زيف وزوال، والآخرة وأنها دار نعيم مقيم، أو عذاب أليم، والسلاح الذي يدفع به هذا العدو، هو: العلم.
ثالثاً: الشيطان، قال الله تعالى: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ" [فاطر:6].
والسلاح الذي يدفع به هذا العدو، هو: الذكر، والاعتصام بحبل الله تعالى، والاستعاذة به من كيد الشيطان، وقد بين الله لنا ضعف كيد الشيطان، فقال الله تعالى: "إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً" [النساء:76].
رابعاً: الدنيا، وعلاجها: الزهد فيها، والإقبال على الآخرة.
خامساً: رفقة السوء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". رواه أحمد (7685) وأبو داود (4833) وغيرهما.
و أختم فأقول –رعاك الله– ملاك الأمر؛ في مجاهدة النفس على طاعة الله، و تذكر دائماً وأبداً ما أعده الله لأوليائه المؤمنين في دار كرامته، كذلك تذكر ما أعده الله للعصاة في دار الهوان والخزي والندامة –وقانا الله عذاب جهنم-.
ولا بدّ للسالك في هذا الدين أن يتحلى بالجدية في التمسك بهذا الدين، قال تعالى: "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً" [مريم:12].
وقال تعالى: "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ" [الأعراف:145].
روى مسلم (145)عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء".
وهذه بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم للغرباء في وقت الغربة، فإنهم يشبهون في تمسكهم بالإسلام السابقين من الصحابة، الذين ثبتوا على الدين في غربته الأولى.
ولقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بصفات هؤلاء الغرباء فقال: "بدأ الإسلام غريبًا، ثم يعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء". قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس". رواه أحمد (6094) وصححه الألباني.
نسأل الله أن يجعلنا هداةً متقين، صالحين مصلحين. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ