إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل الذبيح إسحق أم إسماعيل؟!
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الثلاثاء 25 ربيع الثاني 1427 الموافق 23 مايو 2006
السؤال

أناظر نصرانيا عبر البريد الإلكتروني حول الذبيح أهو سيدنا إِسحق أم سيدنا إسماعيل عليهما السلام؟ أرجو الإفادة بخصوص هذا وجزيتم خيراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
فالصحيح من أقوال العلماء أن الذبيح هو: إسماعيل عليه السلام، وهذا القول هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهو الذي تدل عليه التوراة الموجودة عند أهل الكتاب، قال الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات عن إبراهيم عليه السلام: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ). [الصافات:99-113].
فيُستدل بهذه الآيات الكريمة على أن الذبيح إسماعيل عليه السلام من وجوه:
1- أن الله سبحانه وتعالى ذكر عن خليله إبراهيم عليه السلام، أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشره الله تعالى بغلام حليم، وهو إسماعيل لأنه أول من ولد له، وهو بكره، ثم لما بلغ معه السعي أي أصبح يطيق أن يفعل ما يفعله أبوه، أُري إبراهيم في المنام أن يذبحه، ولما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة إسماعيل، ذكر بعد ذلك البشارة بإسحاق، فقال سبحانه وتعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)، فيُستفاد أن المبشر به الأول هو: إسماعيل، غير المبشر به الثاني وهو: إسحاق، فهما بشارتان: بشارة بالذبيح وهو إسماعيل، وبشارة بإسحاق عليهما السلام.
2- أن قصة الذبيح لم تذكر في القرآن إلا في هذا الموضع، وفي المواضع الأخرى من القرآن ذِكْرُ البشارة بإسحاق كما في سورة هود، قال سبحانه وتعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) [هود:71]. وقد أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن المبشر به إسحاق، ولم يكن بسؤال من إبراهيم، بل قالت امرأته: إنها عجوز وأنه شيخ، وأن من رواء إسحاق يعقوب، فكيف تقع البشارة بإسحاق، وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق، وهو صغير قبل أن يولد له، وهذا لا يكون لأنه يناقض البشارة المتقدمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: "ومما يدل على أن الذبيح ليس هو إسحاق أن الله تعالى قال: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)، فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه؟، والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب ، ولا خلاف بين الناس أن قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام، وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم عليه السلام بلا ريب" [مجموع الفتاوى (4/335)].
3- أن الله سبحانه وتعالى وصف إسماعيل بأنه حليم في مواضع من القرآن، ووصفه
بالحلم في قصة الذبح، وأما إسحاق فوصف بأنه عليم، ووَصف الذبيح بالحلم مُناسب
للصبر في قصة الذبح، وقد جاء وصف إسماعيل بالصبر في قوله: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الأنبياء:85]، وقال الذبيح: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).
4- أن البشارة بإسحاق كانت معجزة، حيث بُشر به إبراهيم وامرأته كبيرة، ولهذا
قالت: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) [هود:72]، وقال إبراهيم: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) [الحجر:54]، فكانت البشارة مشتركة بينه وبين امرأته، وأما البشارة بإسماعيل فكانت لإبراهيم، ثم إن هاجر ولدت إسماعيل فغارت سارة، فذهب إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة، وهناك أمر بالذبح، كما دلت على هذا الآثار، وفي الحديث حين دخل الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى فيها أنه قال: "إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ قَرْنَيْ الْكَبْشِ حين دَخَلْتُ الْبَيْتَ فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا فَخَمِّرْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ ". أخرجه الإمام أحمد (22710).
والمقصود بقرني الكبش المذكور في الحديث، الكبش الذي فُدي به الذبيح، قال ابن كثير –رحمه الله-: "وهذا وحده دليلٌ على أن الذبيح إسماعيل، لأنه كان هو المقيم بمكة، وإسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره، والله أعلم" [البداية والنهاية (1/366)].
فهذه الأدلة تدل على أن الذبيح هو إسماعيل، وقد جاء في التوراة ما يدل على أن الذبيح هو إسماعيل ففيها: "اذبح ابنك وحيدك"، وفي نسخة: "بكرك"، وإسماعيل هو الذي كان وحيده، قال ابن تيمية: "لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا إسحاق، فتلقى ذلك عنهم من تلقاه، وشاع عند بعض المسلمين أنه إسحاق، وأصله من تحريف أهل الكتاب" [مجموع الفتاوى (4/332)].
وقال ابن كثير: "لفظة" إسحاق" هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة، لأنه ليس هو الوحيد، ولا البكر، وإنما الوحيد البكر إسماعيل" [البداية والنهاية (1/366)]. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ