إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل تقتضي الشورى المحاسبة؟
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ السبت 20 صفر 1425 الموافق 10 إبريل 2004
السؤال

هل يوجد في الشورى محاسبة الرئيس، أو أعضاء مجلس الشورى في حالة ما ارتكبوا خطأ ما؟ ومن يقوم بمحاسبة المذنب؟ بمعنى وجود مجلس للحكم والقضاء كهيئات منفصلة عن بعضها البعض في الحكم؟ هل يجوز لمجلس الشورى أن يقبل ببعض القوانين الوضعية، حتى لو كانت متشابهة مع القوانين الإسلامية؟.

الجواب

قبل الجواب، أحب أن أحدد بعض معاني الشورى في الإسلام باختصار غير مخل لأهمية الموضوع، فأقول: لقد عنى الإسلام بالشورى عناية عظيمة، دعوةً وتعليماً، وتطبيقاً، فسُميت واحدة من سور القرآن الكريم باسم (الشورى)، وسواء كانت تسمية السور توقيفية أو اجتهاداً، تبقى تسمية هذه السورة دالة على أهمية الشورى بين المسلمين وسوطاً مسلطاً على الاستبداد بالرأي في كل مجال من مجالات الحياة، وقد ذُكِرت قضية الشورى في القرآن الكريم مجملة لمبدأين أساسيين الأول لفظ الشورى المرتبط بأصل وجود السلطة وشرعيتها، وتداولها، والثاني: لفظ "وشاورهم" المرتبطة بأداء السلطة وإدارتها وتسييرها جاء المبدأ الأول في سورة الشورى مخاطب به عامة المسلمين، قال –تعالى-: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" [الشورى:38].
وجاء المبدأ الثاني في سورة آل عمران: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" [آل عمران:159]، ويلاحظ في آية الشورى حكمة التشريع في الربط بين الصلاة والنفقة، وبين الشورى، حيث جاءت الشورى بينها، وذلك أن أداء الصلاة استجابة لله- سبحانه- توجب اتحاد الأبدان والأفعال بين المصلين، فالشورى كذلك استجابة لله، توجب الاتحاد في الأقوال بين المسلمين وعبَّر عن الصلاة بالجملة الفعلية "وأقاموا الصلاة" الدالة على الحدوث والتجدد؛ لتكرارها في اليوم والليلة خمس مرات أو أكثر، وعبر عن الشورى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام؛ نظراً لأن الشورى لا تدخل إلا في الأمور الاجتهادية، أما الأمور النصية القطعية فلا مجال للشورى فيها، وإذا كان إنفاق المال من الواجدين – الأغنياء- على المعدومين الفقراء أمراً مستحباً حيناً ومتعيناً حيناً آخر فإن الشورى بين المسلمين متعينة في كل الأحوال والأزمان، وتوسط الشورى بين الصلاة والنفقة ويشير إلى أن إقامة الصلاة، يستوجب من فاعلها المشاورة لغيره، وعدم الاستبداد بالرأي، كما أخبر الله – سبحانه وتعالى-عن الصلاة بقوله: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" [العنكبوت:45]، وإذا كان لدى المسلم رأي يفيد به إخوانه أو يدفع عنهم به سوءً ،يتعين عليه نشره واطلاعهم عليه، ومناقشتهم في مدى نتائجه وجدواه وهذا لا يفي عن النفقة المادية على حد قول الشاعر:
لا خيل عندك تهديها ولا مال *** فليشهد النطق إن لم تسعد الحال
وإن النطق بالرأي السديد أعظم من بذل المال، حيث هو نفقة وصدقة جارية؛ استجابة لله، "وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خيرٍ يوف إليكم وأنتم لا تظلمون" [البقرة:272]، ولفظ: أمر، في آية الشورى اسم جنس مثل كلمة شيء فهي عامة وإضافته إلى الضمير تفيد تأكيد العموم، ومعنى الآية على هذا أن جميع أمور المسلمين التشاور فيها مستقر عندهم، ولفظ (بينهم) صفة للشورى، والتشاور لا يكون عادة إلا بين طرفين فردين أو جماعتين، وفي إضافة الظرف إلى الضمير إشارة إلى أن الشورى سر بين المتشاورين لا يجوز إفشاؤها، أما آية آل عمران: "....وشاورهم في الأمر" فالأمر فيها للوجوب عند المالكية والحنفية، وللندب عند الشافعية والحنابلة، والجميع متفقون على أن الخطاب للرسول – صلى الله عليه وسلم- وليس من خصائصه، فإذا كان واجباً على الرسول – صلى الله عليه وسلم- مشاورة أصحابه – رضي الله عنهم- مع أنه ليس بحاجة لهم؛ لأنه يتلقى الوحي من السماء ، فالمشاورة من غيره وعلى غيره أوجب؛ لحاجة الجميع إليها، وإذا كانت مندوبة في حق الرسول –صلى الله عليه وسلم- فهي في حق غيره أشد ندباً، بل قد يرقى إلى الوجوب بأدلة أخرى؛ كقوله –تعالى-: "مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" [الحشر:7]، وقوله – صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" رواه الترمذي (2676) وأبو داود (4607)، وابن ماجة (42) من حديث العرباض بن سارية – رضي الله عنه - وعلى هذا فالشورى عند المسلمين قضية أساسية تتعلق في كل شأن من شؤون حياتهم، تبدأ من الأسرة في حق الطفل الرضيع إذا اختلف الأبوان في إرضاعه: "فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما"،ومروراً بمصالح المجتمع، وضروراته، وانتهاءً بالتشاور باختيار رئيس الدولة ودستور البلاد، فلقد شاور رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أناساً في أمر عائلي: "قصة عائشة – رضي الله عنهما- في حادثة الإفك"،وشاور في أمر طائفي، يخص الأنصار- عندما شاورهم في التنازل عن نصف ثمرة تمر المدينة؛ ليدفع عنهم العدو فأبوا، فنزل على رأيهم، وشاور في أمور عامة للأمة في شأن السلم والحرب.
إن مبدأ الشورى راسخ ومتجذر في فطرة الإنسان منذ قرر الله خلق آدم أبي البشر- عليه السلام - وقد حكى الله لنا هذا التشاور مع ملائكته – سبحانه- في سورة البقرة: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ"[البقرة:30-33]، فالله – سبحانه وتعالى- أعلم بخلقه، وهو غني عنهم، ولكنه عرض على الملائكة مراده في خلق آدم – عليه السلام- ليكون التشاور سنة في البشر، فالشورى مقارنة للإنسان في وجوده، ومقارنة الشيء بالشيء توجب الألفة بينهما، فالإنسان يألف الشورى، ويأنس بها بطبعه، ويحب من يوافقه على رأيه، ففرعون استشار قومه في شأن نبي الله موسى – عليه السلام- "قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ"[الشعراء:34-37]،واستشارت بلقيس ملكة سبأ قومها: "قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ"[النمل:32]، وفي حياة الناس اليوم انشغلوا أو شغلوا عن معرفة الشورى والعمل بها؛ حباً للاستبداد وكراهية سماع ما يخالف الهوى، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة، وإنما يهرع المستبد إلى الشورى عندما تضيق عليه الأمور، وقد طبقت الشورى في العهد الراشدي أحسن تطبيق، فكانت عاقبتها حميدة للأمة، فقد تشاور أبو بكر الصديق مع الصحابة –رضي الله عنهم- في قتال المرتدين، وفي بعث جيش أسامة – رضي الله عنه -وجاء بعده عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - فجعل الأمر من بعده شورى بين ستة من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- رضي عنهم، وجعل خمسين من الأنصار – رضي الله عنهم- يراقبونه، وكان كثيراً ما يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور مع الناس في أمورهم، وقضية الشورى في الإسلام تعم الرجال والنساء؛ لأن أوامر الشرع ونواهيه هي للجنسين جميعاً إلا ما نهى عنه الشارع في تخصيص أحدهما كاختلاف في الميراث والشهادة، والقوامة للرجل خاصة ونحوها، والشورى ليست من هذه المستثنيات فقد استشار رسول الله –صلى الله عليه وسلم- زوجته زينب في شأن عائشة – رضي الله عنهما- في قصة الإفك، فأثنت عليها خيراً، انظر ما رواه مسلم (2770) من حديث عائشة – رضي الله عنها- واستشار زوجته أم سلمة –رضي الله عنها- في موقف الصحابة – رضي الله عنهم- من التحلل في صلح الحديبية، فقد جاء في الحديث أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه – رضي الله عنهم- انحروا ثم احلقوا، وكانوا أحرموا بالعمرة، ولم يرضوا عن شروط الصلح مع قريش، فرد عليهم الرسول – صلى الله عليه وسلم- أمره لهم ثلاثاً، فوالله ما قام منهم رجل ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على زوجته أم سلمة –رضي الله عنها- مغضباً، فسألته عن حاله، فذكر لها ما لقي من الناس، وعدم امتثالهم له، فقالت: يا نبي الله، أتحب أن يفعلوا ذلك؟ قال: نعم، فقالت: أخرج لا تكلم منهم أحداً بكلمة؛ حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك فخرج فلم يكلم منهم أحداً حتى فعل ذلك، فلما رأوا الصحابة – رضي الله عنهم- منه ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، يقول الراوي: حتى كاد أن يقتل بضعهم بعضاً بالموسى من الغضب انظر ما رواه البخاري (2734) من حديث المسور بن مخرمة – رضي الله عنه - .
وإذا كانت الحال في الشورى من الخطورة والأهمية، فإن محاسبة الرئيس وأعضاء مجلس الشورى سائغة شرعاً، حيث المحاسبة هي المساءلة لكل من قصر، أو ظُن تقصيره في عمله على وجه الاستطاعة أو الاستنكار.
والمحاسبة من النصيحة التي هي الدين كله كما في الحديث: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة..." رواه مسلم (55) من حديث تميم الداري – رضي الله عنه - كما هي داخلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كقوله – صلى الله عليه وسلم- "لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ..." الحديث رواه أبو داود (4336)، والترمذي (3047)، وابن ماجة (4006) من حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - وكل ما لحق بالعالم الإسلامي اليوم من تخلف إنما مرجعه إلى استبداد المستبد برأيه وإطراحه للشورى، وعدم النصيحة من الناس والإنكار عليه،.
ومن دقائق فوائد آية آل عمران أن الاستشارة ليست خاصة بالمؤمنين الملتزمين بل هي حتى للعصاة المذنبين، كما يدل عليه سياق الآية وسبب نزولها، وفي استشارة هؤلاء وغيرهم تطييب لنفوس الناس خاصة المذنبين والعصاة منهم، مما يدل على صفاء قلب ولي الأمر نحوهم، وفي استشارتهم استظهار لرأيهم عن سبب معصيتهم، ومخالفتهم له، وفي هذا تحذير للناس أن يقعوا فيما وقع فيه إخوانهم من قبل، وقد أطلق الله حكم الاستشارة في الآية ليعم التشاور كل مناحي الحياة في السلم والحرب، وقد بوب البخاري من صحيحه باباً قال فيه: "كانت الأئمة بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها" وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر – رضي الله عنهما- ذات يوم: "لو اجتمعتما في مشورةٍ ما خالفتكما" رواه أحمد (17533) وتوفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، ولم يجعل للشورى صفة أو قاعدة معينة لعلمه باختلاف السياسات وتجدد الأوضاع واختلاف الأحوال بعده، فما يصلح لعصر قد لا يصلح لغيره لا سيما مع توسع رقعة الإسلام واتصال الناس بعضهم ببعض كافرهم ومسلمهم حتى أصبح العالم وكأنه في قرية واحدة.
إن محاسبة المقصر في عمله أو الرقابة عليه، لهي من صحيح الشورى على كل أفراد الشعب أو هيئاته، ومجالسه، وهي على العلماء، وأهل الرأي ألزم وأوجب؛ لحديث: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم (49) من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - والإنكار بالقلب يعني البراءة من الموافقة الفكرية للمنكر ولو نظرياً اعتقاداً أو مجاملة.
وإذا كانت القوانين الوضعية موافقة للشرع فمجلس الشورى إذا عمل بها إنما يأخذها على أنها من الشرع إبتداءً، وأما إذا أخذها بغير هذا القصد فحرام لا يجوز، قال –تعالى-: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب:36] وقال –تعالى-: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً" [النساء:65]. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ