إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الاستغناء عن الحجاب بالتعويل على الأخلاق والتربية
المجيب
د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
التاريخ الثلاثاء 17 رمضان 1427 الموافق 10 أكتوبر 2006
السؤال

أنا أؤمن بأهمية الحجاب، لكن أحيانا أكون في مجلس فيزعمون أن الحجاب لا أهمية له، وأن العبرة بالتربية والأخلاق، فهما اللذان يمنعان المرأة من الانحراف. فأتمنى أن تردوا عليهم برد مقنع، لكي أوجههم و أساعدهم في معرفة الحق وأن الحجاب مهم كما هي الأخلاق والتربية وشكراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الحمد لله وحده وبعد: فقد قال أحكم الحاكمين ورب العالمين: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا" [الأحزاب:59] وقال عز وجل: "وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [النور:31].
وفي هذه الآيات ما يدل على وجوب الحجاب، وأنه حصن مانع لكثير من المحرمات.
وعند نزول هذه الآية امتثلت الصحابيات -رضي الله عنهن- لها وهن أطهر النساء، ولم يجادلن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقلن نحن متربيات وعلى أخلاق فلا حاجة لنا بالحجاب، فالعبرة بالتربية.
وقد أمرهن الله تعالى بذلك مع أن أكثر من في المدينة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله عليه السلام ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه. قال الله تعالى ذكره "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُود" [الفتح:29] وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه " رواه أحمد (1/379) والطيالسي (246) بإسناد حسن.
ومع هذه الخيرية وهذه التزكية العظيمة لهم رضوان الله تعالى عليهم إلا أن الله تعالى أمر الجميع بالحجاب، بل أمر أطهر نساء العالمين زوجات سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم به، كما في الآية السابقة وهن التقيات النقيات الطاهرات المبرآت من كل عيب وسوء خُلق رضي الله تعالى عنهن، فكيف بمن دونهن؟ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. رواه أحمد (6/30) وأبو داود (1833) والبيهقي (5/48).
وعنها رضي الله عنها قالت: يَرْحَمُ الله نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ الله "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ" شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بها. رواه البخاري (4480).
وعن صفية بنت شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة رضي الله عنها قالت: وذكرت نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل؛ لقد أنزلت سورة النور "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ" انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرجل، فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن يصلين وراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان. رواه ابن أبي حاتم في التفسير (14406)
ولا أعرف أحدا من العلماء يجيز للمرأة إن كانت على أخلاق ومتربية!!! أن تلبس ملابس فتنة بل هذا محرم باتفاق.
والحجاب سبب رئيس في منع الفتنة والوقوع في المحرمات، ولكن لا يستلزم القضاء عليها بالكلية، بل قد يقع من بعض المحجبات وهن قلة بالنسبة لغيرهن من المتبرجات بعض الأمور المحرمة؛ وذلك بسبب ضعف الإيمان، وقلة المراقبة. وليس وقوع ذلك من بعضهن مبررا لنزع الحجاب، ورميه، بل هذا أمر وذاك أمر آخر. وأنصح أخي السائل بقراءة كتاب (عودة الحجاب).
وأختم بأن على المسلم امتثال أوامر ربه تعالى، وأن لا يردها بتعليلات واهية ومناقشات بالية. وهذه الاعتراضات لا ترد إلا ممن ضعف تسليمه لأحكام الشرع قال تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" [الأحزاب:36]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى : "فهذه الآية عامة في جميع الأمور وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ههنا ولا رأي ولا قول" ا.هـ تفسير ابن كثير (3/491).
وقال تعالى "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء:65]. فالتسليم المطلق للأحكام الشرعية واجب على المسلم.
ولابن القيم -رحمه الله تعالى- في عدد من كتبه كلام نفيس تعليقا على هذه الآية موضحا معناها ومبينا دلالاتها، أورده لأهميته ولحاجتنا إليه. قال رحمه الله تعالى: وقال سبحانه "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء:65]. فأقسم سبحانه بنفسه أنَّا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمه. فلا يبقى منها حرج، ونسلم لحكمه تسليما فلا نعارضه بعقل ولا رأي ولا هوى ولا غيره. فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه" ا.هـ الصواعق المرسلة (3/828).
وقال رحمه الله تعالى: "فأقسم سبحانه بأجل مقسم به وهو نفسه عز وجل على أنه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله حتى يحكموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين. فإن لفظة (ما) من صيغ العموم فإنها موصلة تقتضي نفي الإيمان أو يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم، ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه، حيث لا يجدون في أنفسهم حرجا وهو الضيق والحصر من حكمه، بل يقبلون حكمه بالانشراح، ويقابلون بالتسليم، لا أنهم يأخذونه على إغماض ويشربونه على قذى. فان هذا مناف للإيمان بل لابد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر، ومتى أراد العبد أن يعلم هذا، فلينظر في حاله، ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها "بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ" [القيامة:15].
فسبحان الله! كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم أن لو لم ترد، وكم من حرارة في أكبادهم منها، وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها؛ ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر. ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى: "ويسلموا تسليما" فذكر الفعل مؤكدا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين: وهو التسليم والخضوع له والانقياد لما حكم به؛ طوعا ورضا وتسليما، لا قهرا ومصابرة كما يسلم المقهور لمن قهره كرها، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شئ إليه يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه، ويعلم بأنه أولى به من نفسه، وأبر به منها، وأقدر على تخليصها. فمتى علم العبد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستسلم له وسلم إليه انقادت له كل علة في قلبه، ورأى أن لا سعادة له إلا بهذا التسليم والانقياد " ا.هـ زاد المهاجر (126).
وقال رحمه الله تعالى: ومن ذلك قوله تعالى: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء:65]. أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من: الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الانفساح، وتقبله كل القبول.
ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة، وانتفاء المعارضة والاعتراض. فهنا قد يحكم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه، ولا يلزم من انتفاء الحرج الرضا والتسليم والانقياد؛ إذ قد يحكمه وينتفي الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه.
والتسليم أخص من انتفاء الحرج؛ فالحرج مانع والتسليم أمر وجودي ولا يلزم من انتفاء حصوله بمجرد انتفائه. إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا من الرضى به والتسليم له فتأمله. وعند هذا يعلم أن الرب تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق وعند الامتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ا.هـ التبيان في أقسام القرآن/274 وقال رحمه الله تعالى: "ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة التسليم وهي نوعان: تسليم لحكمه الديني الأمري، وتسليم لحكمه الكوني القدري. فأما الأول فهو تسليم المؤمنين العارفين قال تعالى: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء:65] فهذه ثلاث مراتب: التحكيم، وسعة الصدر بانتفاء الحرج، والتسليم" ا.هـ مدارج السالكين 2/146 أسأل الله تعالى أن يحبب إلينا الإيمان، ويزينه في قلوبنا، ويكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلنا من الراشدين. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ