إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان المشاركة في التأمين الاجتماعي
المجيب
نزار بن صالح الشعيبي
القاضي في المحكمة العامة بمكة المكرمة
التاريخ الجمعة 13 رجب 1423 الموافق 20 سبتمبر 2002
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التأمينات الاجتماعية أصدرت نظاماً ينص على أن الموظف الذي اشترك معها لمدة خمس وعشرين سنة يستحق راتب تقاعد مبكر، والذي لم يكمل خمساً وعشرين سنة يستطيع أن يكمل الاشتراك اختياراً من جيبه الخاص للحصول على راتب التقاعد، وقد كنت موظفاً بشركة أرامكو لمدة إحدى وعشرين سنة وتقاعدت تقاعداً صحياً، وأتقاضى راتباً شهرياً من الشركة إلى أن يتم العمر ستين عاماً ويتوقف الراتب من الشركة ويتحول للتأمينات الاجتماعية، والسؤال: هل أستطيع إكمال الاشتراك للأربع سنوات الباقية للحصول على هذا الراتب؟ مع العلم أن الشركة أثناء خدمتي بها كانت تدفع نصف الاشتراك وعلى الموظف النصف الباقي، وذلك إجباري حسب نظام العمل، أما عن الأربع سنوات الباقية فسأدفع كامل الاشتراك؛ لأن الاشتراك أوقف بعد التقاعد الصحي وهذا النظام اختياري، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
أخي السائل لكي أجيب على هذا السؤال فإني أرى أن أطرح لك مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن القصد والنية لهما أثرهما البالغ في الأحكام حتى في باب المعاملات المالية، ألا ترى أن القرض إذا نظرنا إليه في الظاهر نجده داخلاً في باب الربا، إذ يتضمن بيع المال بجنسه نسيئة، ومعلوم أن الصنف الربوي إذا اتحدت فيه العلة والجنس يجب أن يكون مثلاً بمثل يداً بيد، ولكن لما كان قصد المتعاقدين في هذه المعاملة الرفق والإحسان ولم يقصدا المرابحة والبيع جاز، ولهذا نرى بعض العلماء يرون أن القرض جار على خلاف القياس، ومثال آخر الجمعيات التعاونية والتي يدخل فيها مجموعة من الناس يقتطع كل واحد من راتبه جزءاً معلوماً شهرياً ويسلم لواحد منهم، وفي الشهر الثاني يسلم للآخر وهكذا حتى يستفيد الجميع، فنرى أن بعض العلماء غلب الجانب الظاهري من هذا التعامل فحرمه بحجة أنه قرض جر نفعاً فهو ربا، ونرى آخرين قد أباحوا هذا التعامل؛ لأنهم رأوا أن قصد المتعاقدين في هذا التعامل هو التعاون على البر والتقوى، وتيسير بعضهم لبعض لا قصد الاستغلال الموجود في التعامل الربوي، والأقرب هو الرأي الثاني (الجواز)، وإذا تقررت المقدمة الأولى فالمقدمة الثانية هي: أن العلماء الذين حرموا التأمين التجاري وصدر بهذا قرار المجمع الفقهي المنبثق من منظمة مؤتمر العالم الإسلامي رقم (9/9/2) وقرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي رقم (5) في الدورة الخامسة، إذا كان يقصد بعقد التأمين المعاوضة المالية، واستندوا في التفريق بين عقد التأمين التجاري وبين عقد التأمين التعاوني، ونظام التقاعد على مبدأ القصد المقرر في المقدمة الأولى، حيث إن المقصود والهدف من التأمين التجاري الربح والكسب بخلاف التأمين التعاوني ونظام التقاعد والذي يهدف المتعاقدون فيه (الدولة أو المساهمون) إلى تحقيق التكافل الاجتماعي، وقد نص قرار المجمع الفقهي الإسلامي على هذه الفكرة في معرض الجواب على المستدلين بجواز التأمين التجاري، فقال:"قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح فإنه قياس مع الفارق أيضاً؛ لأن ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسؤولاً عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة، ووضع له نظاماً راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظر إلى مظنة الحاجة منهم، فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة".
كما نص القرار أيضاً في معرض استدلالهم على جواز التأمين التعاوني والتفريق بينه وبين التأمين التجاري وأن الفارق هو القصد والنية، فقال:"إن التأمين من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر".
وهذا له نظيره في صدر الشريعة، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- آخى بين المهاجرين والأنصار (انظر قصة مؤاخاة النبي –صلى الله عليه وسلم- بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع في البخاري(2048)، (زاد المعاد 3/63)، (فقه السيرة لمنير غضبان (258) طبعة جامعة أم القرى) كما أنه –صلى الله عليه وسلم- نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ثم أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- عن العلة والدافع له من هذا الإجراء الشرعي وأن ذلك كان من أجل الدافة!! (انظر موطأ مالك (3/484)، ومسلم (1561)، كما أنه شرع لنا أن دية الخطأ تكون على العاقلة، فالأصل أن مال المسلم حرام ولا يتسلط عليه إلا بطيب نفس منه، ولكن النبي –صلى الله عليه وسلم- سنّ هذه الأنظمة – كجعل الدية على العاقلة، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والنهي عن ادخار لحوم الأضاحي حتى يحملهم على التصرف فيها بالإهداء أو الصدقة- لتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم ورفع المعاناة بقدر الإمكان، وهو لا شك مقصد عظيم من أجله شرعت الزكاة وحث على الصدقة.
ولقد دعا مجمع الفقه الإسلامي إلى قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشئ هذا التعاون، سواء كان القيام بذلك تبرعاً أو مقابل أجر معين، ورأى المجلس أن يكون التأمين التعاوني على شكل شركة تأمين تعاونية مختلطة للأمور الآتية..." إلى أن قال:"ويرى المجلس أن يراعى في وضع المواد التفصيلية للعمل بالتأمين التعاوني الأسس الآتية: الأول: أن يكون لمنظمة التأمين التعاوني مركز له فروع في كافة المدن، وأن يكون للمنظمة أقسام تتوزع بحسب الأخطار المراد تغطيتها وبحسب مختلف فئات ومهن المتعاونين، كأن يكون هناك قسم للتأمين الصحي...أو يكون هناك قسم لتأمين الباعة المتجولين وآخر للتجار...إلخ" إلى أن قال:"الرابع: يمثل الحكومة في هذا المجلس من تختاره من الأعضاء ويمثل المساهمين من يختارونهم ليكونوا أعضاء في المجلس ليساعد ذلك على إشراف الحكومة واطمئنانها على سلامة سيرها وحفظها من التلاعب والفشل، الخامس: إذا تجاوزت المخاطر موارد الصندوق بما قد يستلزم زيادة الأقساط فتقوم الدولة والمشتركون بتحمل هذه الزيادة".
وبعد عرض هاتين المقدمتين وعرض اقتراح المجمع نعود إلى الإجابة على السؤال: فنرى أن المادة الرابعة والخامسة من نظام التأمينات الاجتماعية حددت نطاق تطبيق النظام وهو في الجملة يخص العمال المأجورين الذين لا يشملهم نظام اجتماعي آخر كنظام التقاعد وهو ما أشار إليه قرار المجمع، كما نصت المادة السابعة من النظام نفسه على أن هذا النظام إلزامي لمن ينطبق عليه إلا من استثني، كما هو الحال في النظام التقاعدي، وذلك لتحقيق التكافل الاجتماعي لا الربح والكسب، وقد أشرنا إلى حدوث قريب من هذا في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- في نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي، كما نصت المادة التاسعة والعاشرة من نظام التأمينات على إشراف الدولة على هذه المؤسسة، وأن "للمؤسسة إنشاء الشركات أو الاشتراك في تأسيسها أو تملك وحدات استثمارية خاصة تكون مملوكة لها بالكامل وتدار وفقاً للأساليب التجارية التي تدار بها الوحدات المماثلة بالقطاع الخاص ووفق اللوائح التي يصدرها مجلس إدارة المؤسسة".
وهذا ما اقترحه المجمع من استثمار هذه الأموال وإشراف الحكومة ووجود ممثلين لها في مجلس الإدارة وأعضاء من المساهمين، كما نصت المادة السابعة عشرة من النظام على موارد هذه المؤسسة وذكرت أن من الموارد إعانة الدولة السنوية التي تقرر في الميزانية العامة للدولة، وقد نصت المادة السادسة والعشرون من هذا النظام على أنه إذا أظهرت الدراسة عجزاً اكتوارياً فتلتزم الدولة بسد هذا العجز بواسطة إعانات ترصدها الميزانية العامة، فمن خلال ما تقدم من عرض هذه المواد يظهر لنا أن عنصر التجارة وقصد الربح يكاد يكون مفقوداً، كما أن الدولة تشرف عليه إشرافاً مباشراً، والذي يظهر أن المتعاقدين (المؤسسة والعمال) في هذا النظام يرمون إلى الاستفادة من مبدأ التكافل الاجتماعي فيما لو عجز العامل عن العمل كلياً أو جزئياً لمرض أو كبر سن ونحوه - كما هو الحال في نظام التقاعد - وليس كما قد يعتقد البعض أن هذا النظام من باب التأمين التجاري، لذا فإنا نرى أنه لا بأس بإكمال الاشتراك للسنوات الأربع الباقية؛ لأن هذا يدخل –والله أعلم- ضمن التأمين التعاوني لا التجاري.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ