إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الصلاة في مسجد فيه قبر
المجيب
عبد الرحمن بن إبراهيم العثمان
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاحد 30 محرم 1428 الموافق 18 فبراير 2007
السؤال

زعم رجل عندنا ممن يتصدرون للفتوى بأن إجماع أهل العلم على أن الصلاة في المساجد التي بها أضرحة صحيحة، ولم يقل أحد ببطلانها. فهل هذا الكلام صحيح؟ وإن كان غير صحيح، فمَنْ مِنْ الفقهاء الأربعة قال بذلك؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فما ذكر في السؤال من حكاية الإجماع على صحة الصلاة في المساجد التي بها أضرحة خطأ محض، وهو من تضليل قائله لعوام المسلمين. والحق أن الصلاة لا تجوز على مسجد فيه قبر أو قبور، سواء كان المقبور من الصالحين أو من غيرهم، لنهي النبي –صلى الله عليه وسلم- عن بناء المساجد على القبور والصلاة فيها، ولعنه من فعل ذلك. فعن عائشة وعبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". متفق عليه.
وعن جندب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك". أخرجه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله. متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري 1/625): وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلى أنه من المحكم الذي لم ينسخ؛ لكونه صدر في آخر حياته صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي عبيدة قال: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم "أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". أخرجه أحمد.
وعلة المنع من دفن القبور في المساجد، أو اتخاذ المساجد على القبور سَدُّ ذريعة الشرك؛ يدل لهذا قول عائشة رضي الله عنها "لولا ذلك لأبرز قبره خشية أن يتخذ مسجداً" بعد روايتها لقول النبي –صلى الله عليه وسلم- "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال الإمام النووي (شرح صحيح مسلم 5/12) قال العلماء نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (الاختيارات الفقهية ص46): ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سَدُّ لذريعة الشرك.
وقال الإمام القرطبي في تفسيره (13/242) عند قوله سبحانه "قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِداً" [الكهف:21]. وتنشأ هنا وسائل ممنوعة وجائزة، فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز... ثم ساق أدلة كثيرة، وقال: قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد.
وروى الأئمة عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" لفظ مسلم، أي: لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى، فيؤدي إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام، فحذَّر النبي –صلى الله عليه وسلم- من مثل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك، فقال (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد).
وقال ابن حجر الهيتمي (الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/244): الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها.
وقال الشيخ مرعي الكرمي المقدسي (شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور ص 183): أما بناء المساجد على القبور فقط صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث. ثم ذكر هذه الأحاديث والمحرمات المترتبة على هذا الأمر.
وقال (ص189): اعلم أن الصلاة عند القبور مطلقاً، أو اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها قد تواترت النصوص عن النبي –صلى الله عليه وسلم- بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه.
وقال (ص196) ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشئ من الصلاة عندها واتخاذها مساجد فيكفيه أن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإنه لولا أن الصلاة عندها واتخاذها مساجد مما غلبت مفسدته على مصلحته لما نهى عنه.. وليس على المؤمن ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المصالح أو المفاسد، وإنما عليه طاعتهم.
وقال الإمام عبد العزيز بن باز (مجموع الفتاوى 4/338): فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم اتخاذ المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، كما تدل على تحريم البناء على القبور، واتخاذ القباب عليها وتجصيصها؛ لأن ذلك من أسباب الشرك بها وعبادة سكانها من دون الله، كما وقع ذلك قديماً وحديثاً.
وليراجع ما كتبه الأئمة: ابن قدامة في المغني، والنووي في المجموع، والألباني في تحذير المساجد من اتخاذ القبور مساجد، وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين الذين اتفقت كلمتهم واتحد رأيهم على تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد،وتحريم الصلاة بها، فكيف يقال بعد هذا إن الصلاة في المساجد التي بها أضرحة صحيحة بإجماع أهل العلم، نعوذ بالله من الضلال والإضلال.
أسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويوفقنا لاتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويوفقنا لاجتنابه، وأن يمن على المسلمين بالعلم النافع والعمل الصالح، إنه جواد كريم. صلى الله علي نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ