إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الجواب عن هذه الشبهة في خلق القرآن
المجيب
أ.د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الثلاثاء 01 جمادى الآخرة 1427 الموافق 27 يونيو 2006
السؤال

عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله "يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟". قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟". قال قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري، وقال: "والله ليهنك العلم أبا المنذر".
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين، وتسبح الله وتحمده عند قدمي العرش".
فأنا أؤمن أن القرآن هو كلام الله غير مخلوق، لكن ألا يحتج من يقولون بخلق القرآن بمثل هذا الحديث على صحة مذهبهم؟ إذ كيف لكلام الله أن يكون له لسان وشفتان تسبح الله وتحمده عند قدمي العرش؟

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن مما لا شك فيه ولا ريب أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ونؤمن ونعتقد ذلك، كما أن السائل كذلك، وهذا محل إجماع بين أهل السنة والجماعة، فقد جاء في شرح العقيدة الطحاوية ما نصه: (وبالجملة فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق). انتهى.
قال تعالى: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" الآية [التوبة:6]. هذا وما ذكره السائل من أنه قد يحتج من يقول: بخلق القرآن بمثل قوله صلى الله عليه وسلم عن آية الكرسي: "والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين، وتسبح الله وتحمده عند قدمي العرش".
نقول: إن المقصود بهذا الحديث وأمثاله مما ورد عن فضل القرآن، أو بعض سوره، أو آياته، المراد بذلك ثواب العمل، كما قرره أهل العلم، كالترمذي، فقد جاء في جامع الترمذي، في باب ما جاء في آل عمران، في الحديث (2884،2883) عن نواس بن سمعان –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي القرآن وأهله الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران". قال نواس: وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بَعْدُ، قال: "تأتيان كأنهما غيابتان وبينهما شرق، أو كأنهما غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلة من طير صواف تجادلان عن صاحبهما" قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم: أنه يجئ ثواب قراءته. كذا فَسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث وما يشبه هذا من الأحاديث أنه يجئ ثواب قراءة القرآن، وفي حديث نواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ما فسروا. إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم "وأهله الذين يعملون به في الدنيا" ففي هذا دلالة أنه يجئ ثواب العمل. وأخبرني محمد بن إسماعيل: أخبرنا الحميدي قال: قال: سفيان بن عيينة في تفسير حديث عبد الله بن مسعود: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي.
قال سفيان: لأن آية الكرسي هو كلام الله وكلام الله أعظم من خلق الله من السماء والأرض". انتهى بنصه.
هذا وجاء في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي )8/194) ما نصه: (تجادلان عن صاحبهما) أي: تحاجان عنه، كما في رواية، والمحاجة: المخاصمة وإظهار الحجة. وصاحبهما هو المستكثر من قراءتهما وظاهر الحديث أنهما يتجسمان حتى يكونا كأحد هذه الثلاثة التي شبهها بها النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يقدرهما الله -سبحانه وتعالى- على النطق بالحجة. وذلك غير مستبعد من قدرة القادر القوي الذي يقول للشيء كن فيكون. ا.هـ
قلت ومما تقدم يتضح المراد، فالله سبحانه وتعالى يجعل من كلامه الذي أنزله على عباده أجساماً قادرة على النطق بقدرة القادر جل جلاله، تُحاجُّ عن صاحبها المستكثر من القراءة لتلك السور أو الآيات، وكما أن الأعمال والتي منها الأقوال؛ كالذكر، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك توزن يوم القيامة، وتوضع في كفتي الميزان فتكون كالأعراض. فالله على كل شيء قدير. هذا ما أردت إيضاحه وقد أطلت الجواب عن هذا السؤال لأهميته. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ