إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ترك المعنى الظاهر في قوله: "نسوا الله فنسيهم"
المجيب
د. أحمد بن سعد الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاثنين 07 جمادى الآخرة 1427 الموافق 03 يوليو 2006
السؤال

يقول أحدهم: -وأتمنى الرد الواضح المطول إن أمكن- مخاطباً علماءنا: حينما حكمتم بأن قوله تعالى: "نسوا الله فنسيهم".ليس المراد منه النسيان، وإنما الترك وعدم الاستجابة، ما كان الداعي لترك ظاهر تلك الكلمة؟ أليس العقل هو الذي حكم بأن الله يستحيل عليه النسيان؟
وحينما حكمتم بأن قوله تعالى: "يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله". ليس المراد منه الجنب الحقيقي، وإنما المراد في حق الله، ما كان الداعي لترك ظاهر تلك الكلمة؟ أليس العقل هو الذي حكم بأن الله يستحيل في حقه الجنب؟
وحينما حكمتم بأن قوله تعالى: "كل شيء هالك إلا وجهه". ليس المراد منه فناء ما سوى الوجه، وإنما المراد ثواب ما أريد به وجه الله، أو بأنه كنى عن الذات بالوجه، ما كان الداعي لترك ظاهر الآية؟ أليس العقل هو الذي حكم بأن الله يستحيل فناء بعضه وبقاء بعضه؟ أليس في كل هذا تقديم العقل على النص؟ وغير هذا كثير جداً. وهل نقول: إن النص الصحيح الصريح إذا عارضه عقل صحيح فنقدم النص ونعارض العقل؟ لا أظن أحداً يدعي هذا!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً: أشكر الأخ السائل على حرصه على تبيين وجه الحق وهذا ما ينبغي أن يكون عليه كل مسلم.
ثانياً: إذا ظن طالب العلم أن هناك تعارضاً بين العقل والنقل، فلابد له من ضوابط تعينه على معرفة الحقيقة ومن أهمها ما يلي:
الضوابط التي تعين في هذا الباب هو ما صحح به ابن تيمية تقسيم المتكلمين الذين جعلوا التعارض بين العقل والنقل قسماً واحداً، انتهوا به إلى تقديم العقل على النقل. فلم يرتض ابن تيمية ذلك التقسيم، وصححه بوضع قاعدة عقلية بديلة، هي في غاية الإتقان لمن فتح الله عز وجل لها قلبه. وتقريرها على النحو الآتي:
أن نقسم الأدلة النقلية والعقلية إلى الأقسام العقلية المتصورة، ثم دراسة كل قسم منها بحسبه.
الصورة الأولى: أن يعارض الدليل العقلي القطعي دليلاً نقليًّا قطعيًّا
وهذه الصورة يستحيل وجودها؛ لأن منزل الوحي هو الله عز وجل، وخالق العقل هو الله عز وجل؛ فالمصدر واحد. ولهذا فإن تلك التعارض غير واقع ويستحيل وقوعه.
الصورة الثانية: أن يعارض الدليل العقلي القطعي دليلاً نقليًّا ظنيًّا.
فهنا نقدم الدليل العقلي القطعي؛ لأنه قطعي الدلالة، لا لأنه عقلي فحسب.
الصورة الثالثة: أن يرد الدليل النقلي القطعي، ويعارضه الدليل العقلي الظني.
فهنا نقدم الدليل النقلي؛ لأنه قطعي الدلالة، لا لأنه نقلي فحسب.
الصورة الرابعة: أن يرد دليل نقلي ظني، يعارضه دليل عقلي ظني.
فهنا ميدان الترجيح مفتوح يجتهد فيه طالب العلم بحسب ما يتوافر له من مرجحات خارجية.
وبهذا التحرير الدقيق الذي حرره ابن تيمية -رحمه الله- وهو يرد على المتكلمين الذين حصروا التعارض –كما تقدم- في صورة واحدة يشرق وجه الحقيقة، وتتضح سعة الأفق في المذهب السلفي.
أما دعوى تقديم العقل مطلقاً فهي دعوى فيها قصور، بل لا يقبلها العقل بعد هذا التفصيل الدقيق.
فكم وقعت في الأرض من جرائم وعقائد باطلة وأصحابها لديهم عقول.
فالمشركون في الجاهلية عبدوا أحجاراً ولهم عقول، وقتلوا أولادهم وبناتهم ولهم عقول، وعباد البقر اليوم يعبدون البقر ولهم عقول ...وهكذا... بل وأرباب الكلام من أهل الإسلام تناقضت أقوالهم ولهم عقول.
فالمعتزلة مثلاً اختلفوا حتى أدى بهم ذلك الاختلاف إلى أن الابن يكفِّر أباه، والأب يكفِّر ابنه، وكلهم على مذهب الاعتزال، وكلهم لهم عقول، ولم تغن عنهم قاعدتهم شيئاً.
ثالثاً: نطبق هذه القاعدة على الآيات التي أوردتموها.
الآية: قال تعالى: "نسوا الله فنسيهم" [التوبة:67].
هذه الآية قطعية الثبوت ظنية الدلالة.
ولكن الأدلة النقلية الأخرى أبطلت دلالتها الظنية الخاطئة وذلك بالأدلة الآتية:
الأول: أنه قد ثبت بالأدلة القطعية الدلالة على أن الله -عز وجل- لا ينسى.
قال تعالى: "لا يضل ربي ولا ينسى" [طه:52].
وقال تعالى: "وما كان ربك نسياً" [مريم:64].
فهاتان الآيتان وما كان في معناهما قطعيتا الدلالة في تنزيه الله عز وجل عن النسيان. فعندئذ ننظر في معنى الآية السابقة التي تقرر نسيان الله –سبحانه- للكفار يوم القيامة من خلال المعنى اللغوي.
النسيان في اللغة يطلق على: (الترك) عن عمد أو عن ذهول. ولما كان الله –عز وجل- منزهاً عن الترك عن ذهول كما تقرره الأدلة النقلية القطعية، امتنع حمل الآية عليه، ووجب حملها على: (الترك) عن عمد.
وكذلك: نسيان الكفار لربهم -عز وجل- ليس نسياناً عن ذهول، وإنما هو نسيان عن عمد؛ فإنه لا يوجد قلب غافل عن أن الله -عز وجل- ربه مطلقاً. ولكنهم تركوا ما أمرهم به ربهم -عز وجل- من الأوامر والنواهي التي تذكرهم بخالقهم -عز وجل- فتركهم يوم القيامة، فلم يسمع لعذرهم.
فالأدلة النقلية القطعية الثبوت والدلالة نفت المعنى المحذور في حق الخالق لكلمة النسيان واللغة تقبل ذلك المعنى.
فليس العقل إذن هو الذي حكم باستحالة النسيان على الله -عز وجل- ولو حكم، وحكمه هنا قطعي الدلالة لكان مقابل معنى هو ظني الدلالة فنقر به؛ لأنه قطعي، لا لأنه عقلي.
والآية الثانية "يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله" [الزمر:56].
راجع هنا دلالة الألفاظ على ضوء اللغة قبل النظر العقلي.
هذا التركيب في لغة العرب لايراد به إثبات: (الشِّقِّ) لله عز وجل وإنما يراد به: (الندم في حق الله سبحانه) والعرب تتصرف في المفردة بحسب وضعها في سياق الكلام.
وتفسير القرآن من خلال النظر (المعجمي) أي تفسير كل كلمة على حدة منهج قاصر، وهو الذي فتح باب الإشكالات في معرفة معنى الآيات.
ولهذا فإن الطريق الأمثل لمعرفة دلالات القرآن هو: النظر إلى مقصود الآية على ضوء تركيبها، لا دراسة كلماتها، ثم جمع معنى لها من خلال التفسير الحرفي.
وهذا ما اعتمده المحققون اليوم في الترجمة من لغة إلى لغة. حيث يترجمون الجملة إلى جملة، لا الكلمة بمفردها، ثم يركب معنى لها.
والذين يقومون بترجمة لغة إلى لغة من خلال ترجمة المفردات، ينتهون إلى ضياع المعاني المقصودة للمتكلم.
ولله -عز وجل- المثل الأعلى.
ولهذا فتفسير مثل هذا التركيب ينظر فيه على ضوء أساليب العرب.
فهل العرب تستعمل مثل هذا التركيب لإثبات (الشق) أم الاعتراف بالتقصير في حق المخاطب؟
العرب تستعمل مثل هذا الأسلوب للاعتراف بالتقصير في حق المخاطب، ولا يوجد عربي واحد يفسر هذه العبارات ولو وردت في كلامهم على غير هذا المعنى.
إذن دلالة الآية على إثبات الشق لله -عز وجل- ليست قطعية.
فدعوى أن العقل هو الذي نفي تلك الدلالة الظنية لا يسلم به لما تقدم.
ثم هب أن العقل هو الذي نفى ذلك المعنى فإنا نقبل حكمه؛ لأنه قطعي، لا لأنه عقلي. فإنه -عز وجل- قد وضع قاعدة تحكم على جميع الأدلة الواردة في كتابه.
قال سبحانه وتعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى:11]. فكل تخيل عقلي يؤدي إلى تمثيل شيء من صفات الله -عز وجل- بشيء من صفات خلقه فهو مردود. وقس على هذا المنهج والله الموفق..


إرسال إلى صديق طباعة حفظ