إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل كان الحسن -رضي الله عنه- مزواجًا مطلاقًا
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 09 جمادى الآخرة 1427 الموافق 05 يوليو 2006
السؤال

قرأت في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي: بأن الحسن بن علي -رضي الله عنه- كان مزواجاً مطلاقاً بدون أسباب. إذا صح ذلك، أليس ذلك مخالف لتعاليم الإسلام؟ أليس فيه ظلم للنساء؟

الجواب

الحمد لله ذي الجلال، والصلاة والسلام على قدوة الكمال، وعلى أزواجه والآل، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق: قد جاء من وجوه يُصدّقُ بعضُها بعضًا أن الحسن بن علي –رضي الله عنهما- كان مزواجًا: أي أنه تزوّج عددًا كثيراً من النساء، لم يصحّ في عددهن شيء. (انظر: مصنف ابن أبي شيبة: رقم (19420، 19421)، والمعجم الكبير للطبراني (3/27-28رقم 2562، 2563).
ومن المعلوم أنّ الحسن بن علي –رضي الله عنهما- هو السيّد الذي قال عنه النبي –صلى الله عليه وسلم-: "إن ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" أخرجه البخاري: رقم (2704، 2629، 2741،7010). كما أنه رضي الله عنه هو وأخوه الشهيد الحسين –رضي الله عنه- سيّدا شباب أهل الجنة، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي سعيد الخدري وغيره (أخرجه الترمذي وصححه رقم (3768)، وابن حبان رقم (6959)، والحاكم وصححه: (3/166-167).
وقال -صلى الله عليه وسلم- عنهما –رضي الله عنهما- "هما ريحانتاي من الدنيا" أخرجه البخاري رقم (5994،3753)، وقال -صلى الله عليه وسلم- وهو حاملٌ الحسن على عاتقه: "اللهم إني أحبُّه فَأَحِبَّهُ". أخرجه البخاري: رقم (3749).
وهذا يعني أنّ هذا السيّد قد حَطَ رحاله في الجنّة من حين وفاته –رضي الله عنه- وأنه لا سبيل إليه إلا بالإجلال والتوقير، الذي هو أعلى من إحسان الظن بكثير.
فليُرِحِ امْرُؤٌ نَفْسَه من عناء الشُّبهة، وليُزِحْ عنه غَمَّ الريبة، بقراءة تلك النصوص القاطعة بجلالة هذا السيّد الخليفة الراشد –رضي الله عنه-.
أمّا مسألة الزواج والطلاق: فمِما ينبغي على السائل تجاههما أن لا يَحْكُمَ عليها بحسب أعراف بلده وزمنه. ولا يصح أن ينظر إليها نظرته إلى تقاليد أهل إقليمه، والمعاصرين له، وإلى عاداتهم فقط؛ فإن هذه الأمور الاجتماعيّة مما تتباين فيه الأعراف، وتختلف فيه التقاليد والعادات، من بلد إلى بلد، ومن جيل إلى جيل= تباينًا واختلافاً كبيرًا. فما هو حسنٌ في بلد قد يكون قبيحًا في آخر، وما كان مقبولاً في زمن يصبح مرفوضاً بعده.
ولا يخفى ذلك على أحد، ولا يكاد يوجد إلا من رأى ذلك بنفسه، وعرفه بتجربته.
وفوق ذلك وإضافة إليه: فإن مسألة الزواج والطلاق تختلفُ النظرة إليها أيضًا باختلاف الشخص نفسه، بالنظر إلى ظروفه الخاصّة؛ من الصحّة والقوّة، إلى المرض والضعف، ومن الغنى والفقر، ومن حُسْن توفيقه وابتلائه بعدم التوفيق، ومن طيب معشره في أثناء زواجه وبعد زواجه إلى خُبث معشره، أو عُسْر خُلُقه وشدّته... إلى غير ذلك.
فأحكامنا -قبولاً أو رفضًا- على زواج المرء أو طلاقه، يختلف باختلاف أمثال تلك الأحوال.
فمثلاً: إذا كُنّا في تقاليدَ لا يُنْظَر فيها إلى المرأة المطلّقة نظرة أنها امرأةٌ من الدرجة الثانية أو العاشرة، أي: إذا كان الزواج من المطلّقة أمراً شائعاً لا يتردد الناس والشباب العَزِبون في السعي إليه وفي طلبه، هل سيكون استقباحُنا للطلاق حينها كاسْتِقْباحِنا له في مثل عامّة المجتمعات المدنيّة اليوم، التي تُعَدُّ فيها المرأة المطلقةُ وكأنها امرأةٌ معيبةٌ، فلا يُتاحُ لها الزواجٌ غالباً إلاّ من رجل لا يُلائم سنّها ولا ظروفها؛ لأنها لا تتوقع زوجًّا خيراً منه؟
وهذا الفارق بين مجتمع العرب (في الجاهلية وصدر الإسلام) ومجتمعنا متحقّقٌ، فقد كان التزّوُّجُ من المطلقة أمرًا شائعاً جدًّا، إلى درجة أنّ المرأة قد تتزوّج بالعديد من الرجال الذين يفارقونهن بموت أو طلاق، ممّا يدل على الاختلاف الكبير بين نظرنا للمطلقة، ونظر أهل ذلك الزمن. ومن اللطيف في هذا السياق أن تعرف أن العرب خَصُّوا المرأة التي يتزوّجها العديد من الرجال بعد مفارقتهم واحدًا تلو الآخر باسم (المرْدِفة)، وجمعها (المْردِفات)، مما يدل على شيوع هذه الصورة النادرة اليوم، بل التي لا تكاد توجد. فهي ليست مجرّد زواج من مطلقة، بل هي تعاقب زوجٍ بعد زوجٍ، إلى عددٍ منهم على التزّوج بتلك المطلقة. ومن اللطيف البالغ اللطف، أن يكون هناك مؤلَّف لأحد الأخباريين الثقات في جمع بعض أسماء هؤلاء النسوة من قبيلة واحدة من قبائل العرب! ذلك هو كتاب (المرْدِفات من قريش) لأبي الحسن علي بن محمد المدائني (ت225هـ)، وهو كتابٌ مطبوع!!
كما أن بعض المجتمعات، وبعضَ الأسر يحول بين نسائها والزواج الفقرُ وضيق ذات اليد، فلا شبابها بالقادرين على تحمّل أعباء المنزل والأسرة، ولا لدى النساء ما يعينهنّ على مساعدة الخاطبين في ذلك. فإذا تزوّج بإحداهن رجلٌ ثريّ سخيّ، فأصدقها مهرًا كبيرًا، وأهداها هدايا جَزْلة. ثم إذا طلّقها وفَّر لها سكناً ملكاً لها، وغير ذلك من العطايا=كان هذا العطاء سببًا في تقدُّم الخاطبين إليها، وكان ذلك داعيًا لحصول ما كانت تأمله من مساعدة الزوج على مسؤوليات الحياة. وهذا واقعٌ في بعض البلدان اليوم، وفي بعض الأسر. فكان زواج ذلك الثريّ السخيّ، وطلاقُه إحساناً للمرأة، وليس إساءةً لها.
وقد كان الحسن –رضي الله عنه- من أحسن الناس حفظاً للعشرة، ومن أبذلهم للمال وأسخاهم فيه، وقد صحّ عنه أنه متّع إحدى مطلقاته بعشرين ألف درهم وغيرها من العطايا (أخرجه عبد الرزاق: رقم (12256، 12257، 12260، والطبري في الكبير: رقم 2561، 2562، 2564).
كما أن بعض النساء قد ترغب نكاح رجل، مع علمها بأنه مزواجٌ مطلاق؛ إمّا لماله، أو لجاهه، أو لجماله، أو لنسبه، أو لفضله، أو لعلمه، أو لإيمانه...! وتالله لقد اجتمعت هذه كلها في الحسن بن علي –رضي الله عنهما- فمثل هذه المرأة إذا تزوجّت بهذا الرجل الذي عُرف بأنه مطلاق، فهي اختارته على علمها بأنه غالباً سوف يطلّقها، وهذا الاختيار الحرّ لا يُلام معه المطلِّق إذا طلَّق؛ لأن المرأة رضيت بأن تحيا تحت ظلِّه ولو بُرهة من عمرها!!
وكما ذكرنا في أثر المال على تيسير الخاطبين للمرأة المطلّّقة، كذلك الشأن في زواج المرأة من الرجل ذي الجاه والسلطان أو الشهرة، يجعلها تعيش حياة أرغد، ولو طُلقت لتنافس الخاطبون على خطبتها بعده.
وأمّا أن يتصوّر الإنسان أن البيوت لا تقوم إلا على الحُبّ، فهذا غير صحيح، ولكنها تقوم على الحب، وعلى غيره من مال ونسب ودين وجاه وحفاظ على المصالح.. وغير ذلك. المهمّ أن يكون اختيار الزوجين حرًّا.
وقد صحّ أن امرأة سألها زوجها: أتبغضينني؟ فقالت بعد إصراره في السؤال: نعم. فدعاها عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- فقال لها: أأنت التي يحدثني زوجُك أنك تبغضينه؟ قالت: يا أمير المؤمنين، أنا أول من تاب وراجع أمر الله يا أمير المؤمنين، نشدني، فتحرجت أن أكذب. أفأكذبُ يا أمير المؤمنين؟! قال: نعم، فاكذِبْنَنَا، وإن كانت إحداكنّ لا تحبّ أحدنا، فلا تحدّثه بذلك، فإنه أقلّ البيوت الذي بُني على الحُبّ!! ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأنساب والإحسان. [أخرجه البخاري في التاريخ الكبير مختصراً: (4/152)، والفسوى والمعرفة والتاريخ (1/392)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار: مسند علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-: (142)رقم (236)].
ومع ذلك كُلّه: فلا شك أن الأصل أن يكون الأكمل في شأن الزواج دوامه، وعدم انقطاعه بالطلاق؛ لأنّ ذلك هو الذي ينشئ الأسرة الصالحة المستقرّة غالبًا.
وقد أرشد الله تعالى إلى كراهية الطلاق، فقال تعالى: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" [النساء:19].
وعَلّمَ النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- الأزواج كيف يحبون نساءهم، إذا رأوا بعضَ ما يكرهونه منهنّ، حفاظاً على بيت الزوجيّة: لا من الطلاق فحسب، بل من أن تتبدّل المحبّةُ فيه كراهية! فقال صلى الله عليه وسلم-: "لا يَفْرِك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خُلُقًا، رضي منها آخر". أخرجه مسلم: رقم (1469). ومعنى (لايَفْرِك) أي: لا يبغض.
وعلى هذا: فجلالة مكان الحسن بن علي –رضي الله عنه- وما عرفناه من أحواله وأحوال عُرْف أهل زمنه، لا يجعلنا نتوقّف مليًّا عند كونه مزواجًا مِطْلاقًا، فهو أجلّ من أن يحطّ من قدره أمرٌ محتملٌ فيه القبول والحُسْن، كما سبق.
كما أننا لا يصح أن لا نجعله قدوة لنا إلا في هذا!! بل الأصل أن الأكمل في أحوال الناس خلافه، وأن تكون الأسرة مُؤْتلفةً على الحُبّ والعشرة الحسنة. والله أعلم.
والحمد لله على أفضاله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ