إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الجمع بين العرس والمأتم
المجيب
د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
التاريخ الاحد 26 رجب 1427 الموافق 20 أغسطس 2006
السؤال

إذا اجتمع للأسرة الواحدة عرس ومأتم في نفس الوقت، فما هو موقف أقارب الطرفين:
1- هل يذهبون إلى العزاء، و يتركون الذهاب إلى العرس.
2- أو يحضرون العزاء، ثم يذهبون بعد ذلك للعرس.
3- وهل إقامة عرس مع وجود حالة وفاة في الأسرة فيها ما ينافي الشرع، أو يقتضي غضب أهل الميت؟
أرجو أن تأتونا بالفتوى بهذا الأمر الذي تكرر في قريتنا أكثر من مرة. مع جزيل الشكر.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد اشتمل هذا السؤال على عدة مسائل:
الأولى: حكم التعزية: تعزية أهل الميت سنة مؤكدة؛ لحديث عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة" رواه ابن ماجه (1601)، قال ابن الملقن رحمه الله تعالى: "رواه ابن ماجه بإسناد كل رجاله ثقات احتج بهم في الصحيح، إلا رجلاً واحداً؛ وهو قيس أبو عمارة مولى الأنصار فذكره ابن حبان في ثقاته" ا.هـ تحفة المحتاج 1/615.
ويكره الجلوس للتعزية في المسجد؛ إذ لم يكن ذلك من هدي النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه، قال العلامة ابن باز –رحمه الله تعالى- في جواب له عن اجتماع أهل الميت لأجل التعزية: "السنة التعزية للمصاب من غير كيفية معينة ولا اجتماع معين كهذا الاجتماع. وإنما يشرع لكل مسلم أن يعزي أخاه بعد خروج الروح في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، سواء كانت التعزية قبل الصلاة أو بعدها". ا.هـ الفتاوى 5/345 أي أنه لا يسن تخصيص مكان معين للتعزية.
الثانية: إجابة دعوة وليمة العرس: ذكر الفقهاء أنه تجب إجابة وليمة العرس، إذا دعي الشخص بالتحديد ولم يكن ثَمَّ منكر؛ لحديث أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" رواه مسلم (1432). قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى-: "هذا دليل وجوب الإجابة؛ لأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب" ا.هـ الفتح 9/245، وانظر التمهيد (10/178)، وعمدة القارئ (20/160). قال النووي –رحمه الله-: ونقل القاضي اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس. شرح النووي على صحيح مسلم (9/234).
والإجابة واجبة ما لم يكن هناك عذر يمنع الحضور، كما هو حال أقرباء الميت. قال النووي –رحمه الله تعالى-: "قال بعض السلف: وأما الأعذار التي يسقط بها وجوب إجابة الدعوة، أو ندبها، فمنها: أن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل. وأن لا يكون هناك منكر من خمر أو لهو أو فرش حرير أو صور حيوان غير مفروشة أو آنية ذهب أو فضة. فكل هذه أعذار في ترك الإجابة، ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه" ا.هـ شرح النووي على صحيح مسلم (9/234). التمهيد (10/180) وقال ابن حبيب: ومن فارق السنة في وليمة فلا دعوة له ولا معصية في ترك إجابته. وقد حدثني ابن المغيرة أنه سمع سفيان الثوري يقول: إنما تفسير إجابة الدعوة إذا دعاك من لا يُفسد عليك دينك ولا قلبك ا.هـ عمدة القارئ (20/160).
ومن لم يذهب لتعزية ذوي الميت، فليذهب إليهم؛ لكون الأظهر أنه لا حَدَّ لوقت التعزية، فإن لم يذهب فلا إثم عليه؛ لكون التعزية سنة لا واجبة.
أما من ذهب وعزَّى ذوي الميت، ثم ذهب للعرس، فقد جمع بين الحسنيين ونال الثوابين؛ ثواب التعزية، وثواب حضور العرس.
والواجب أن لا يكون ما حدث سبباً لقطيعة الرحم. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك. قالت: بلى. قال: فذاكِ لكِ" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقرؤوا إن شئتم "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" رواه البخاري (5641)، ومسلم (2554). وعن جبير بن مطعم –رضي الله عنه- أنه سمع النبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يدخل الجنة قاطع رحم" رواه البخاري (5638)، ومسلم (2556)، واللفظ له. وعن أبي أيوب الأنصاري –رضي الله عنه- أن رجلاً قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ فقال القوم ما له ماله. فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: " أرب ماله" فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم ذرها" رواه البخاري (5637).
ولصلة الرحم فوائد عظيمة، منها ما رواه أبو هريرة –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه" رواه البخاري (5639). وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رجلاً قال: يا رسول الله: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ. فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك" رواه مسلم (2558).
أما غضب أهل الميت واستياؤهم من إقامة العرس في هذه الظروف، فهو موقف مؤقت بسبب ما حل بهم من مصيبة، وبشيء من الاتصال بهم والاعتذار إليهم تعود المياه إلى مجاريها إن شاء الله.
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ