إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان آثار في إباحة الغناء!
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 17 شعبان 1427 الموافق 10 سبتمبر 2006
السؤال

ما صحة هذا الأثر علماً أن هناك من يستدلون به لتحليل الغناء: قال إمام الحرمين في النهاية. نقل الأثبات من المؤرخين أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.كان له جوار عوادات، وأن ابن عمر –رضي الله عنهما- دخل عليه وإلى جنبه عود. فقال ما هذا يا صاحب رسول الله؟! فناوله إياه. فتأمله ابن عمر فقال: هذا ميزان شامي! قال ابن الزبير: توزن به العقول..!

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن هذا الأثر الذي ذكرته لم تذكر إسناده. وقد جهدت في البحث عنه، فلم أقف له على إسناد حتى يتسنى الحكم عليه بما يليق به. ولا يكفي قول إمام الحرمين –رحمه الله-: (نقل الأثبات من المؤرخين)، فإن المحدثين -هم أهل هذا الشأن- لو قال أحدهم -في مثل هذا الباب- نقل الأثبات- لم يقبل قوله حتى يبرز الإسناد. فكيف بالمؤرخين؟!.
ومع هذا أقول: إن أمارة النكارة على هذه القصة بادية؛ فإن كل من عرف سيرة ابن الزبير، وعبادته وتألهه –رضي الله عنه- يستنكر مثل هذه القصة. وهو لو كانت عنده جارية واحدة تغني لكان غريباً، فكيف والأثر يحكي أن عنده ثلاث عوّادات؟! وأغرب من هذا –أيضاً- أن يسكت ابن عمر على الإنكار عليه!!.
والذي صح عن ابن الزبير هو ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (19741)، والبيهقي (10/225) وغيرهما –واللفظ للبيهقي- من طريق وهب بن كيسان قال: قال عبد الله بن الزبير -وكان متكئاً- تغنى بلال، قال: فقال له رجل: تغنى؟ فاستوى جالساً، ثم قال: وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب؟!.
(والنصب هو غناء الأعراب، وهو صوت كالحداء إلا أنه رقيق) كما في غريب الحديث للخطابي (1/658)، وينظر: النهاية في غريب الأثر (5/61)، القاموس المحيط (1/177).
فهذا الذي صح عن ابن الزبير، وصح عن غيره من الصحابة كابن عوف وغيره –رضي الله عنهم-.
يقول الحافظ ابن رجب في كتابه "نزهة الأسماع"- بعد أن أورد بعض الآثار التي تدل على ذمّ الصحابة للغناء قال: "فهذا هو الثابت عن الصحابة –رضي الله عنهم- أعني ذم الغناء وآلات اللهو، وقد روي ما يوهم الرخصة عن بعضهم، وليس بمخالف لهذا فإن الرخصة إنما وردت عنهم في إنشاد أشعار الأعراب عن طريق الحداء ونحوه مما لا محذور فيه- ثم ساق بعض الآثار التي تؤيد ذلك ثم قال: فتبين بهذه الروايات أن تَرخُّص الصحابة –رضي الله عنهم- إنما كان في إنشاد شعر الجاهلية –وما فيه من الحكم وغيرها –على طريق الحداء ونحوه مما لا يهيج الطباع إلى الهوى، ولهذا كانوا يفعلونه في مسجد المدينة، ولم يكن في شيء من ذلك غزل ولا تشبيب بالنساء. ولا وصف محاسنهن، ولا وصف خمر ونحوها مما حرّمه الله تعالى" ا.هـ.
وينظر: التمهيد لابن عبد البر (22/197-200)، وفتح الباري لابن حجر (10/543).
وقبل أن أختم جوابي أنبه على أمرين:
الأمر الأول: كتب في مسألة الغناء عدة مؤلفات، ولكنني أحيلك على اثنين منها فيهما شفاء ومقنع –بإذن الله- لمعرفة وجه الحق في هذه المسألة، وهما كتاب (نزهة الأسماع في مسألة السماع) للحافظ ابن رجب –رحمه الله-، والثاني: كتاب (تحريم آلات الطرب) للشيخ الألباني –رحمه الله-.
الأمر الثاني: ينبغي أن يُعلم أن مسألة الغناء التي وقع فيها الخلاف –مع أن الصواب تحريمه – لا يمكن تطبيقها على ما يرى ويسمع اليوم من المغنيين والمغنيات، والذين غالب أغانيهم لا تخلو من فحش وتخنث ودعوة إلى الخنا والفجور، وتعلق بغير الله تعالى، بالإضافة إلى أنواع الآلات التي جدّت في هذا الزمان. فالغناء الموجود الآن لا يمكن أن يقول عالم شَمَّ رائحة الفقه والعلم بجوازه. وليس هذا هو الذي رخص فيه بعضهم، فمن قال بجواز استماع الغناء بالمعازف في هذا العصر على هذا النحو الذي ضجت السماء منه، وامتلأت به الفضائيات وبعض الإذاعات محتجًا بقول من رخص فيه من العلماء، فهو إن كان متعمدًا مدلّس خائن، وإن كان خفي عليه وجه الحق فلا يجوز تقليده في زلته.
ومن شك في تحريم الأغاني، فليسأل نفسه بعض الأسئلة: أهي تقرب إلى الله؟
ولو قدّر أن هناك رايتان راية للحق وراية للباطل؛ فمع أي الرايتين يضع الأغاني؟!
وتأمل في حال المبتلين بسماع الغناء، فضلاً عن المغنين أنفسهم، ما نصيبهم من القرآن؟!
إن الإجابة المنصفة المتجردة على هذه الأسئلة –فضلاً عن الأدلة الشرعية الثابتة في تحريم الأغاني– لتكشف للإنسان أن الغناء ليس من سبيل المؤمنين، ولا من هدي عباد الله الصالحين، ولله درُّ الحافظ ابن رجب حين قال في كتابه الآنف الذكر (ص/101-102) "أكثر ما جاءت به الرسل –وذكر في الكتاب والسنة– هو خشية الله وإجلاله، وتعظيمه، وتعظيم حرماته وشعائره وطاعته، والأغاني لا تحرك شيئاً من ذلك، بل تحرك ضده من الرعونة والشطح "انتهى، ولا أدري ماذا سيقول ابن رجب لو أدرك عصرنا، ومدى التنوع الذي صحب الآلات الموسيقية؟ والله المستعان.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ