إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تعدد الألفاظ للحديث الواحد
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 19 رجب 1427 الموافق 13 أغسطس 2006
السؤال

قرأت أن الأحاديث لم تكن تروى بالمعنى إلا في نطاق ضيق وسؤالي عن حديث سجود الشمس تحت العرش و سوف أورد لك المتون المختلفة و أنت أعلم بها.
يا أبا ذر هل تدرى أين تذهب هذه؟
يا أبا ذر أتدرى أين تذهب الشمس؟
يا أبا ذر أتدرى أين تغرب الشمس؟
سألت رسول الله عن مستقر الشمس.
فهذه (4) صيغ مختلفة للجزء الأول فقط من الحديث و الصيغ الثلاثة الأولى تتناقض مع الرابعة ففي الصيغ الأولى الرسول هو المبتدئ بالكلام أما في الأخيرة فأبو ذر هو السائل هذا من جهة من جهة أخرى أهم فان هذه الصيغ توجب أن أحدها روى باللفظ والباقي كله روى بالمعنى ولما كان من المستحيل تعيين الراوي الذي رأوا باللفظ لزم الحكم على الرواة من بعد إبراهيم التيمى انهم جميعا يروون بالمعنى وهذا ينسحب على جميع أحاديثهم أرجو الرد بالتفصيل وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأقول وبالله التوفيق: مسألة رواية الحديث النبوي بالمعنى مسألةٌ شهيرة في كتب علوم السنة النبويّة، وأودّ أن أقرّر مسائل مهمّة حول هذه المسألة:
أوّلاً: اتفق العلماء على أن رواية الحديث باللفظ أفضل من روايته بالمعنى.
ثانياً: لم يصحّ عن أحد من أهل العلم تحريم الرواية بالمعنى، وإن امتنع بعضهم من الرواية بالمعنى، وإن اختار آخرون لغيرهم واستحبّوا لهم أن لا يرووا إلا باللفظ. وهذا هو الصحيح، ومن نقل المنع (بمعنى التحريم). فقد أخطأ.
ثالثاً: أن الرواية بالمعنى دون تغييره لا إشكال فيها، وهي وَجْهٌ من وجوه النَّقل المعتمدة للأخبار عموماً؛ ذلك أن السنّة النبويّة (في كثير منها) لسنا متعبّدين بألفاظها كالقرآن، وإنما المطلوب نَقْلُ هدايتها وأحكامها، والنقل بالمعنى كفيلٌ بذلك.
رابعاً: أن اختلاف الرواة في لفظ الحديث ليس كله راجعاً إلى روايته بالمعنى، بل منه ما يرجع إلى أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كرّرَ ذلك المعنى بألفاظ مختلفة، في مجالس ولأسباب عَدّة.
خامساً: أن النقل بالمعنى إنما يكون صحيحاً إذا لم يتغيّر المعنى، فإذا تغيَّر المعنى ردّه العلماء، ولهم طرائق عديدة لمعرفة اللفظ الخاطئ من اللفظ الصواب، وكتب العلل ومصنّفات السنة مليئةٌ بهذا النقد.
سادساً: أن الاختلاف في اللفظ مع اتّحاد المعنى، مع كونه نقلاً صحيحاً لا إشكال فيه؛ إلا أن معرفة اللفظ النبويّ من بين تلك الألفاظ المرويّة عنه –صلى الله عليه وسلم- ليس أمراً مستحيلاً، بل ليس هو بالصعب دائماً على العلماء بالسنة. فمع اختلاف الرواة في اللفظ الذي يؤدّي معنى واحداً، فقد يُمكن للعالم بالسنة أن يحدّد اللفظ النبويّ منها، بيقينٍ أو بغلبة ظنّ.
ولكي لا يكون هذا تنظيراً بلا تمثيل، ولا يكون دعوى بغير دليل: "سوف أبيّن للسائل هذا الأمر، من خلال المثال الذي ضربه هو لاختلاف اللفظ، ألا وهو حديث أبي ذرّ الوارد في السؤال، والذي ذكر ألفاظاً أربعة له، أهمّ ما فيها حسب رأي السائل (وفقه الله): ما وصفه هو بالتناقض بين ألفاظ الحديث التي تذكر أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هو الذي سأل أبا ذر، ولفظه الآخر الذي يجعل أبا ذر هو السائل.
فأول ما أنبّه عليه: أن هذا اختلافٌ يسير، لا يؤثر في معنى الحديث.
وثاني تنبيه: أنه لا تناقُضَ بين اللفظين؛ فإن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ابتدأ السؤال، ليلفت نظر أبي ذر إلى أهميّة ما سيُلقيه عليه، وبالتالي فيكون أبو ذر هو المنتظر لجواب النبيّ –صلى الله عليه وسلم- وما قوله: "الله ورسوله أعلم" إلا جواب المفتقر إلى معرفة الجواب من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فأبو ذر في الحقيقة هو السائل ورسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- هو المجيب.
وثالث تنبيه: في بيان تحديد الصواب من تلك الروايات، وكلّها صواب!! لكن تحديد الذي وقع فعلاً في هذا الحديث، من جهة معرفة من هو البادئ بالسؤال: هل هو أبو ذر أم رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؟ أن هذا التحديد ممكن، وتكاد تكون أدلّتُه قاطعةً.
فقد روى هذا الحديثَ: إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر –رضي الله عنه- ورواه عن إبراهيم التيمي اثنان من تلامذته، هما: يونس بن عبيد، وسليمان بن مهران الأعمش.
أمّا يونس بن عبيد: فاتفق الرواة عنه على أن البادئ بالسؤال هو رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، كما في صحيح مسلم (1/138-139رقم 159).
وأمّا الأعمش: فهو الذي اختُلفَ عليه، فانفرد وكيع بن الجراح عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر: أنه هو الذي بدأ بسؤال النبي –صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري (رقم 4803، 7433)، وصحيح مسلم (1/139رقم 159)، ومسند الإمام أحمد (رقم21406).
وخالف وكيعاً جمعٌ من تلامذة الأعمش، منهم: الثوري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، وعبد الله بن نمير، ومحمد بن عبيد: فرووه كلهم عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر: أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هو الذي بدأ بالسؤال. كما في صحيح البخاري (رقم 3199، 4802، 7424)، وصحيح مسلم (رقم159)، ومسند الإمام أحمد (21352، 21541).
فالذي يتّضح تمام الوضوح من هذا العرض: أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هو الذي بدأ بالسؤال، وأن رواية وكيع روايةٌ بالمعنى لم تلتزم اللفظ الدالّ على الواقع تمامًا، وإن كان ذلك لا يؤثر في معنى الحديث كما سبق.
وبهذا المثال يتّضح أن تحديد اللفظ النبويّ من بين الألفاظ المرويّة، عنه –صلى الله عليه وسلم- أمرٌ ممكنٌ للعالم بالسنّة، إذا كان هناك داع يدعو لتحديده، وكانت هناك فائدة مرجوّة منه.
فعلى السائل أن يطمئنّ على السنّة النبويّة، وأن يكلها للعلماء بها.
والله أعلم.
والحمد لله رب البريّة، والصلاة والسلام على هادي البشريّة، وعلى أزواجه والذريّة.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ