إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل تعمَّد موسى عليه السلام قتل القبطي؟
المجيب
محمد عدود
عضو اللجنة العلمية بالموقع
التاريخ السبت 04 رجب 1427 الموافق 29 يوليو 2006
السؤال

أرجو توضيح هذه المسألة: ما الحكمة من إعطاء الرسالة لسيدنا موسى –عليه السلام– وقد قتل إنسانا متعمداً؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد كان بودي –قبل أن تكتب هذا السؤال– أن تتدبر قصة نبي الله موسى عليه السلام التي وردت –بشيء من التفصيل– في سورة القصص، فقد اشتملت على إشارات تزيل عنك هذا الإشكال إن شاء الله تعالى، ومن هذه الإشارات ما يأتي:
1- أن موسى عليه السلام كان من المحسنين، وقد أوتي الحُكم والعلم قبل هذه الواقعة، قال تعالى: "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" [14].
2- أن ظاهر السياق أن هذا المقتول كان عدُوّا ظالما متطاولا، قال تعالى: "وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ" [15]. والغالب أن الذي يستغيث هو المظلوم، خاصة وأن بني إسرائيل كانوا يتعرضون للإيذاء والظلم من قِبَل قوم فرعون [الأقباط] في تلك الفترة؛ ولهذا اشتكوا إلى موسى عليه السلام كما جاء في قول الله تعالى: "قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" [لأعراف:129]. ويشهد لهذا ما ذكره شيخ المفسرين – الطبري – في سياق القصة: "... فمرّ برجل من القبط قد تسخر رجلا من المسلمين ، قال: فلما رأى موسى استغاث به، قال: يا موسى، فقال موسى: خلّ سبيله، فقال: قد هممت أن أحمله عليك..."!؟ تفسير الطبري (19 / 538 - 539). وبالتالي فهذه الحالة تدخل في إطار ما يعرف في الشريعة الإسلامية بدفع الصائل، ويعرف عند القانونيين بالدفاع الشرعي. وهو سبب من أسباب الإباحة (التبرير) المتفق عليها بين الجميع (شرعيين وقانونيين) كما هو معلوم عند ذوي الاختصاص. يمكن للقارئ الكريم أن يراجع – على سبيل المثال – نيل الأوطار (9/ 143)، والتشريع الجنائي الإسلامي (2/ 21 ف 332 وما بعدها).
3- ومما يتصل بهذا الموضوع ما هو معروف عند كثير من علماء الشريعة من أن سريان العقوبات التعزيرية لا تترتب عليه مسؤولية جنائية في الحالات العادية.
4- أن موسى عليه السلام لم يتعمد القتل ولم يرده – خلافا لما ورد في السؤال – وإنما أراد دفع الظالم وإيقافه عند حده. وكان موته مفاجأة لم تكن منتظرة. قال تعالى: "فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِين" [15]. "يقول تعالى ذكره: قال موسى حين قتل القتيل: هذا القتل من تسبب الشيطان لي بأن هيَّج غضبي حتى ضربت هذا فهلك من ضربتي،( إِنَّهُ عَدُوٌّ ) يقول: إن الشيطان عدو لابن آدم(مُضِلٌّ) له عن سبيل الرشاد بتزيينه له القبيح من الأعمال، وتحسينه ذلك له (مُبِينٌ) يعني أنه يبين عداوته لهم قديما، وإضلاله إياهم". تفسير الطبري (19 / 541).
5- أن موسى عليه السلام تحمل المسؤولية، وطلب من ربه أن يغفر له، فغفر له، قال تعالى: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" [16].
6-أن موسى عليه السلام كان قد عُرف – في ذلك الوقت بين الناس – بإرادته للإصلاح (تغيير المنكر) وسعيه في ذلك، قال تعالى: "فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِين" [19]. وبالتالي فإنه لم يتدخل بصفته طرفا، وإنما بصفته مصلحا (مغيرا للمنكر)، وهذا أيضا سبب من أسباب الإباحة التي تقدم ذكرها.
7- ثم إن موسى عليه السلام – برغم كونه لم يصرَّح له بالرسالة إلا بعد هذه الواقعة كما هو ظاهر سياق الآيات – كان على صلة وثيقة بالله سبحانه وتعالى؛ فقد أعطاه –كما سبق– حكما وعلما، وتجلت هذه الصلة في دعائه والتجائه لربه الذي تكرر في فقرات ومواقف قصته المتعددة، "رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" [16]. "رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ" [17]. "رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [21]. "عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ" [22]. "رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ " [24]. وآخرها قوله: "وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ" [28]. 8- وأخيرا فإني أذكرك أيها الأخ الكريم بقول الله تعالى: "اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ" [الأنعام:124]. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ