إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الرد على من اعتقد أن اليهود والنصارى على دين حق!
المجيب
د. محمد بن عبدالله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ السبت 11 رجب 1427 الموافق 05 أغسطس 2006
السؤال

لوالدي اعتقادات خاطئة كأن يقول إن الغزوات الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة مبنية على أسس اقتصادية وليس على أساس نشر الإسلام وإنقاذ البشرية. وكذلك يقول إن اليهودي والنصراني والمسلم في وقتنا الحاضر كلهم على حق لأنهم كلهم مجتهدون لعبادة الله سبحانه. ويقول إن المرء يكفيه أن يصدق بنيته تجاه الله حتى ولو تهاون بالعبادة، وذلك في اعتقاده أن الله سبحانه أكبر من أن نجتهد له فسبحانه ليس بحاجة إلى اجتهادنا وإنما إلى توحيده كحد أدنى. أرجو أن تنصحوني بكتاب بسيط في لغته ويناسب والدي لمعالجة أفكاره؛ وذلك لأنني عجزت عن تغيير معتقداته علما أن والدي رجل في الخمسينات ومعه شهادة الابتدائية ولكنه يحب القراءة.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذه التفسيرات الظالمة للغزوات الإسلامية واعتبار أن سببها كان دوافع اقتصادية هي أُطروحات بعض المستشرقين المتحاملين على حضارة الإسلام، وتبعهم في ذلك بعض أتباع المدرسة العقلية، والذين يجعلون الدافعية السياسية هي وراء كثير من الحروب، أو إقامة الحدود، أو محاربة الزنادقة ومنعهم من إلحادهم.
أما المقولة بأن جميع الديانات على حق، وليس لنا أن نحصر الحق في الإسلام، ونحتكر الجنة على أهل الإسلام...إلخ وهذه كما يقال: "شنشنة نعرفها من أخزم". وقائلها إما أنه جاهل لا يعرف حقيقة دين الإسلام، وانطلت عليه مقولات أهل الإفك والبهتان، أو أنه صاحب هوى وفكر ممن يزعم العقلنة.
وتصحيح ديانات اليهود والنصارى، واعتبارها طرقا للتدين تعتبر كارثة إيمانية، وانتكاسة في فهم الإسلام، فالإسلام لا يتأسس ولا يقوم إلا على الشهادة والوحدانية: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وفيها يتضح الركنان العظيمان: النفي والإثبات. نفي جميع المعبودات من دون الله، وإثبات الألوهية لله رب العالمين. فلا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله، ولا يعبد الله إلا بما شرع. وقد شرع لنا الإسلام دينا. فمن لم يَدِنْ بعقيدة الإسلام من سائر الأمم فهو كافر مهما كانت ديانته وأخلاقه. والأدلة على ذلك كثيرة ظاهرة معلومة قال تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" [آل عمران:19]. وقال: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" [آل عمران:85]. وقال: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" [الأنعام:153]. وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]" وفي صحيح مسلم (153) قال صلى الله عليه وسلم "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" وغيرها من الأدلة الواضحة الصريحة.
فنصيحتي لك أخي أن تقرأ عليه هذه الأدلة، وتقرأ معانيها من كتب التفسير، وتكثر من القراءة في آيات سورة البقرة وتفسيرها ففيها حجج ظاهرة، وبينات كاشفة في قضايا بني إسرائل...
ولهذا: فمثل هذه الادعاءات أصلها صادر من أهل الكتاب أنفسهم، حيث يحتكرون الحق عليهم دون غيرهم، بلا بينة ولا برهان من كتاب أو سنة. كما قال الله تعالى عنهم "وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" [البقرة:111] وقوله تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" [المائدة:18].
أما قول القائل: (إن المرء يكفيه أن يصدق بنيته تجاه الله حتى ولو تهاون بالعبادة):
فهذه خدعة شيطانية، وتلبيس إبليسي خطير، به ينسلخ العبد من التكاليف الشرعية، وينغمس في أوحال الفواحش والرذيلة بحجة أن نيته طيبة وصافية، وأنه يحب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. وربما احتج بحديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه". صحيح البخاري (6066)، وصحيح مسلم (2564).
ولو تأمل المتأمل هذا الحديث لوجد فيه أوامر ونواهٍ، وفيه كذلك قوله عليه الصلاة والسلام (لتقوى هاهنا): أي أصل التقوى ومنبعها من القلب. ولو كان القلب وحده كافياً في التكاليف لما ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الأوامر من الحث على الأخوة في الله، ومن ذكر جملة من النواهي في هذا الحديث.
هذا على التسليم بصدق القائل، وإلا فنقول: لو كان حبك صادقاً لله ولرسوله لأطعت الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [آل عمران:31].
وقوله عليه الصلاة والسلام ( التقوى هاهنا )يفسره ما ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير –رضي الله عنهما– أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" صحيح البخاري (52)، وصحيح مسلم (1599). فالقلب هو ملك الجوارح، كما قال ابن رجب الحنبلي –رحمه الله– في جامع العلوم والحكم: (القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً، وإنْ كان فاسداً كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم).
وفي الختام: أوصيك بتعلم أمور دينك، لا سيما بما يتعلق بالاعتقاد ومسائله الواجب تعلمها، وهذا أمرٌ واجبٌ لا يعذر أحد بتركه. قال تعالى: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ" [محمد:19].
وكذلك أُنبه إلى خطورة علماء السوء، الذين يلبسون على الناس دينهم وعقيدتهم. كما أُحذر من خطورة الفضائيات التي تجعل المرء شاكاً مرتاباً، لا تثبت قدمه على عقيدة سليمة.
ونسأل الله لنا ولكم ولكافة المسلمين التوفيق والرشاد في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ