إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان القدر وحرية الإرادة
المجيب
د. خالد بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التاريخ السبت 25 رجب 1427 الموافق 19 أغسطس 2006
السؤال

هل يؤمن الإسلام بحرية الإرادة ؟ إذا كان كذلك فإن الله إذاً ليس مسئولاً عن أقدار الناس وبالأحرى فالناس هم أنفسهم المسؤولون. ومن مقتضيات ذلك أيضا أن الله لا يعلم بأفعال الإنسان أو مستقبله.
وإذا كان الإسلام لا يؤمن بحرية الإرادة فان ذلك يعني أن الناس ببساطة يتبعون روتينا مكتوبا عليهم (كما هو مقتضى فكرة الجبرية)؛ فإذا افترضنا أن رجلا اقترف ذنبا فيكون الله هو الذي كتب عليه أن يرتكب ذلك الذنب. لذا فالناس ليسوا مسؤولين عن أحوالهم وأفعالهم أو مستقبلهم، فالله هو المسئول هل تلاحظون المأزق هنا؟ كيف يمكن حله؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
فالقدر أحد أركان الإيمان الستة، وقد ضلت فيه أمم بسبب الخوض فيه بغير علم، حيث أنه متعلق بعلم الله سبحانه وقدرته ومشيئته، ونحن لا نحيط علماً به سبحانه وقد قال عليه الصلاة والسلام (وإذا ذكر القدر فأمسكوا). أخرجه الطبراني (1411)، وغيره، وانظر السلسلة الصحيحة (34).
والقدر أربع مراتب: علم الله سبحانه بما هو كائن "وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" [الفتح:26]. وكتابته سبحانه وتعالى للمقادير "وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" [الأنعام:59]. ومشيئته النافذة "فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ" [البروج:16]. وخلقه سبحانه لكل شيء "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" [الرعد:16]. وقد تواترت النصوص على ذلك وأجمع عليها أهل العلم.
والإنسان -وغيره من المخلوقات- لا يخرج عن قدر الله؛ إذ ذاك مقتضى قهره وربوبيته سبحانه، وهذا لا يعني أن الإنسان مسلوب الإرادة تماماً؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكانت بعثة الرسل وإنزال الكتب وفرض الشرائع نوعاً من العبث، إذ أن المخاطب لا حول له ولا قوة. بل إن عقوبة الإنسان على ذلك نوع من الظلم إذ هو يحاسب على ما ليس بفعله والله سبحانه منزه عن العبث والظلم.
الإنسان مسير أحياناً ومخير أحياناً وكل عاقل يعلم من نفسه أموراً تحصل رغماً عنه وأموراً تقع باختياره لا ينكر ذلك إلا مكابر، وهذا مقتضى الشرع فقد أثبت الله للإنسان إرادة "مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ" [آل عمران:52]. فما كان مسيراً فيه فإن الله لا يؤاخذه عليه، بل إن الله يعذره بأقل من ذلك كالإكراه والخطأ والنسيان والجهل، "وَمَا رَبُّكُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ" [فصلت:46]. "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" [البقرة:286]. "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" [البقرة:286]. "رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" [النساء:165]. وهذا أمر مستقر في الشريعة.
فلا يحاسب المولى -سبحانه- الإنسان إلا على أفعاله الاختيارية. وعلم الله سبحانه لها وقدرته عليها ومشيئته لها ليس عذراً للإنسان، بل عدم ذلك طعن في علم الله سبحانه وقدرته.
فليس لعاصٍ حجة بالقدر فهو الذي عمل وأراد، ودخوله في علم الله وقدرته ومشيئته لا تنفي ذلك فإن الله إن أراد للصائم في رمضان أن يأكل فإن ذلك سيحصل فإن حصل بإرادة الإنسان فهو عاصٍ آثم مستحق للعقوبة ولا حجة له بالقدر.
وإن حصل بغير إرادته كالمخطئ والناسي فهو معذور، وهنا يصح أن ينسب الفعل إلى الله؛ إذ هو خارج إرادة الإنسان ولذا قال عليه الصلاة والسلام "من أكل وشرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه". صحيح البخاري (1933)، وصحيح مسلم (1155).
ولله المثل الأعلى فإن البشر يعلمون بسلوك بعضهم بعضاً فإن من يعرف المجرم يعرف أنه سيرتكب مخالفة، والمدرس يعرف من بعض طلابه أنه سيرسب، وذلك العلم ليس حجة للمجرم ولا للراسب ما دام عمل بإرادته واختياره.
وقد أنكر سبحانه وتعالى على المشركين المحتجين بالقدر وعدَّه تكذيباً "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" [الأنعام:148].
وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر في الأفعال التي لا يملكها الإنسان وإنما هو مسير فيها فهو هنا معذور كما قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس "استعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". صحيح مسلم (2664). فالاحتجاج بالقدر على الأفعال الإجبارية صائب جائز وأما على الأفعال الاختيارية فإنه لا يجوز.
وقد قدر الله سبحانه وتعالى المقادير بحكمته البالغة وعلمه وقدرته وفق الحق والعدل والإحسان، لا يشوبه أي نوع من الظلم: فكل نفس مستحقة للعذاب والشقاء قد يسر لها وكذلك كل نفس راغبة في الخير هديت إليه ويسرت له من غير قسر ولا جبر.
وقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القدر أهو أمر قد فرغ منه وانتهى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم". قالوا: ففيما العمل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة، فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة". صحيح البخاري (4949)، وصحيح مسلم (2647).
ولا أرى الحوار مع الملحدين في هذه القضية وإنما يدخل معهم في إثبات ربوبيته سبحانه وتعالى، مع بيان معارضة قولهم للفطرة والأدلة العقلية والكونية والسمعية، وبيان تهافت مذهبهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ