إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان لو عرفنا أحب الأعمال إلى الله
المجيب
عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض
التاريخ السبت 02 شعبان 1427 الموافق 26 أغسطس 2006
السؤال

قرأت في تفسير ابن كثير لتفسير سورة الصف أن الإمام أحمد روى أن عبد الله بن سلام قال: قد سألنا من منا يذهب للرسول ويسأله عن أحب الأعمال إلى الله؟فلم يتطوع أحد للذهاب، ثم أرسل الرسول –صلى الله عليه وسلم- لنا رجلا ثم جمعنا ذلك الرجل وقرأ علينا هذه السورة، سورة الصف كلها.
هل يعني ذلك أن قراءة هذا الجزء من أحب الأعمال إلى الله؟

الجواب

أولا: أختصر أسباب النزول من تفسير الطبري حيث قال:-
"واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أُنزلت هذه الآية:
فقال بعضهم: أُنزلت توبيخًا من الله لقوم من المؤمنين، تمنوا معرفة أفضل الأعمال، فعرّفهم الله إياه، فلما عرفوا قصروا، فعوتبوا بهذه الآية...عن ابن عباس، قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ" قال: كان قوم يقولون: والله لو أنا نعلم ما أحب الأعمال إلى الله لعملناه. فأنزل الله على نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا"... إلى قوله: "بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ" فدلهم على أحبّ الأعمال إليه...
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في توبيخ قوم من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، كان أحدهم يفتخر بالفعل من أفعال الخير التي لم يفعلها،فيقول فعلت كذا وكذا. فعذلهم الله على افتخارهم بما لم يفعلوا كذبا...
وقال آخرون: بل هذا توبيخ من الله لقوم من المنافقين، كانوا يَعِدُونَ المؤمنين النصر وهم كاذبون....
وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها الذين قالوا: لو عرفنا أحبّ الأعمال إلى الله لعملنا به. ثم قصروا في العمل بعد ما عرفوا.
وإنما قلنا: هذا القول أولى بها؛ لأن الله جلّ ثناؤه خاطب بها المؤمنين، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" ولو كانت نزلت في المنافقين لم يسمْوا، ولم يوصفوا بالإيمان. ولو كانوا وصفوا أنفسهم بفعل ما لم يكونوا فعلوه، كانوا قد تعمدوا قيل الكذب، ولم يكن ذلك صفة القوم، ولكنهم عندي أمَّلوا بقولهم: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله عملناه. أنهم لو علموا بذلك عملوه؛ فلما علموا ضعفت قوى قوم منهم عن القيام بما أملوا القيام به قبل العلم، وقوي آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضل والشرف." [جامع البيان (ج23/ص350)].
وقال ابن عاشور: وتعقيب الآية بقوله: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً" [الصف:4] إلخ. يؤذن بأن اللوم على وعد يتعلق بالجهاد في سبيل الله. وبذلك يلتئم معنى الآية مع حديث الترمذي في سبب النزول وتندحض روايات أخرى رويت في سبب نزولها ذكرها في «الكشاف». [تفسير التحرير والتنوير - (ج 15 / ص 53)].
وبهذا يتبين اتفاق المفسرين على المعنى الذي دل عليه حديث عبد الله بن سلام –رضي الله عنه- الذي ذكرت في سؤالك، وإن كان الحديث قد خلا من تمني الجهاد، وإنما تمني أحب الأعمال إلى الله فبين أنه الجهاد. والله أعلم. [انظر المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة للدكتور خالد بن سليمان المزيني 2/1003-1005.].
ويدل ما تقدم على أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للسورة عليهم؛ لما فيها من بيان أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وهو الجهاد في سبيل الله صفا كالبنيان المرصوص.
وهذا قول جمهور المفسرين –كما ذكر ابن كثير-، وليس الحديث دليلا على فضل قراءة سورة الصف، ففضل تلاوة القرآن جاءت في أحاديث كثيرة، ولم يرد –فيما أعلم- حديث صحيح في فضل قراءة سورة الصف خاصة، ولكن تواترت الأحاديث في أن الجهاد في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، هو أحب الأعمال إلى الله تعالى. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ