إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الحلف بالطلاق لمنع النفس من الحرام
المجيب
عبد الله بن علي الريمي
ماجستير من كلية الشريعة من جامعة الإمام
التاريخ الاربعاء 04 رمضان 1427 الموافق 27 سبتمبر 2006
السؤال

حلفت بالطلاق بالثلاثة أني لن أدخن مرة أخرى، ولبثت يوماً وزيادة ممتنعاً عن الدخان وفى نيتي الامتناع نهائيا. وقابلت صديقاً لي أعرف أنه درس العلم الشرعي على أيدي علماء مشهورين، فسألته عن هذا الأمر، فقال لي إن حلفي باطل؛ لأن الدخان حرام ولا يحق أن أحلف بالطلاق حتى أمتنع عنه لأنه حرام، ويجب عليَّ صيام 3 أيام للتكفير عن هذا الحلف. المهم دخنت بعض السجائر بعد كلامه هذا. وسألت صديقاً لي آخر في هذا الموضوع فقال: لي إن اليمين وقع لأني دخنت. فلا أعلم ماذا أفعل الآن؛ حيث أني لم أدخن إلا بعد أن قال لي صديقي الأول إن اليمين لن يقع، ولو لم أستشر أحداً لكنت مواظباً على إيقاف التدخين.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
فإن السؤال يتضمن عدة مسائل بيان أهمها فيما يلي:
المسألة الأولى: الواجب على المؤمن أن لا يحلف إلا بالله. قال صلى الله عليه وسلم: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" أخرجه البخاري (2679)، ومسلم (1646) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفي لفظ "من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله". ومع هذا النهي فإن نفراً من المسلمين لا يتورعون عن الحلف بالطلاق، فيحلفون به لغرض ولغير غرض، ولا يدركون مخاطر ما يترتب عليه.
ولابد أن يقال لهؤلاء: اتقوا الله في زوجاتكم، ولا تحلفوا بطلاقهن؛ لأن أمر الطلاق عظيم. فهو فك رباط لا ينبغي فكه إلا لأسباب مشروعة. ولعظم شأنه ذكر الله أحكامه في كتابه الكريم، فأمر أن يكون في طهر من غير جماع، وأن تحصى العدة، ويُعرف بدؤها وانتهاؤها حتى لا تطول على المطلقة فتمتنع عن الأزواج. وأمر -عز وجل- الأزواج أن يتقوا الله في مطلقاتهم، فلا يخرجوهن من بيوتهن، لعل ذلك يكون سبباً في مراجعتهم لهن. ثم بين -عز وجل- أن هذا من حدوده، وأن من يتعد هذه الحدود فقد ظلم نفسه:-فقال تعالى- "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" [الطلاق:1]. مجلة البحوث الفقهية 67).
المسألة الثانية: الواجب على المؤمن أن يتحرى العلماء الثقات عند السؤال عن أمور دينه؛ لأن الله يقول "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل:43]. وأهل الذكر هم العلماء أتباع القرآن والسنة. وقد نقل عن غير واحد من السلف قولهم" إن هذا العلم دين. فانظروا عمن تأخذون دينكم", وكذلك فليعلم أن القول على الله بغير علم من كبائر الذنوب، وقد قرنه الله في كتابه بالشرك؛ حيث قال الله عز وجل: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون " [الأعراف:33].
المسألة الثالثة : إن حلف العبد على أن يفعل الفعل الذي أوجبه الله عليه، أو أن يترك الفعل الذي حرمه الله عليه، يوجب عليه تغليظ العقوبة إن نكث في يمينه، وذلك عقوبة ترك الواجب أو فعل المحرم، بالإضافة إلى عقوبة الحنث باليمين. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ما وجب بالشرع إذا نذره العبد، أو عاهد الله عليه، أو بايع عليه الرسول أو الإمام، أو تحالف عليه جماعة، فإن هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوبا ثانيا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول. فتكون واجبة من وجهين بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهود والميثاق, وما يستحقه عاصي الله ورسوله أ.هـ. الفتاوى 35/ 346.
وهذا ما دل عليه قوله تعالى: "ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون " [التوبة:75-77]. فغلظت لهم العقوبة؛ لأنهم لم يؤدوا ما وجب عليهم من الزكاة، ولأنهم حنثوا في عهدهم.
المسألة الرابعة:" (القول الراجح أن الطلاق إذا استعمل استعمال اليمين بأن كان القصد منه الحث على الشيء أو المنع أو التصديق أو التكذيب أو التوكيد فإن حكمه حكم اليمين لقول الله تعالى: " يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم" [التحريم: 1ـ2]. فجعل الله التحريم يمينا. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" صحيح البخاري (1)، وصحيح مسلم (1907). وهذا لم ينو الطلاق، وإنما اليمين، أو نوى معنى اليمين. فإذا حنث فإنه تجزئه كفارة يمين. هذا هو القول الراجح.") أ.هـ قاله الشيخ بن عثيمين رحمه الله في فتاوى العقيدة رقم الفتوى 152.
أما قول السائل بالثلاث فقد أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء بما يلي "إذا كنت لم تقصد إيقاع الطلاق. فإنه لا يقع به طلاق، وتلزمك كفارة يمين في أصح قولي العلماء. وإن كنت أردت به إيقاع الطلاق. وقعت به طلقة واحدة ا.هـ فتاوى اللجنة الدائمة (20/ 86) وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ