إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حكم العادة السرية للضرورة
المجيب
د. عبد العزيز بن أحمد البجادي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاربعاء 14 صفر 1424 الموافق 16 إبريل 2003
السؤال

أنا طالب في كلية الطب ، وفي بلادنا لا توجد كليات غير مختلطة. فبحكم دراستي، وبرغم غض البصر، إلا أن الشاب منا يرى المتبرجات المتزينات بغير قصد ولا إرادة ، ثم إن هذه الصور تتراكم في الذهن وأدفعها قدر الإمكان ، لكني أحياناً أجد فوراناً للشهوة حتى ربما استمر معي الأمر يومان أو ثلاثة يصحب ذلك تغير في المزاج، وضيق .
وإذا كان الاستمناء محرماً، وهذا ما أدين الله به، فهل يجوز في هذه الحالة من باب الضرورة ؟
وأفيدكم يا شيخ أني راجعت التفاسير وعلمت أن المفسرين يقولون في قوله تعالى ((فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)) أن الاستمناء من هذا. فأنا يا شيخ في حيرة ، ولا أدري ماذا أفعل ، وأسألك يا شيخ أن ترشدني أيضاً للمصادر التي ذكرت هذه المسألة بتوسع . والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ، وجزاكم الله خيراً .

الجواب

الاستمناء كثر السؤال عنه في هذا الزمن الذي كثر فيه داعي الفساد ، وتنوعت فيه وسائل الإغراء ، فوجب التفصيل فيه . ذلك أن مريده إما أن يكون أراده لضرورة ، وإما أن يكون لغير ضرورة ، فإن كان لضرورة كما لو خاف الزنا ، أو خاف مرضاً إن لم يفعله فهو مباح له بإجماع الأئمة ، لأنه أخف المفسدتين . ونقلت طائفةٌ إجماع العلماء عليه ، إلا أن بعضهم يشترط عدم قدرته على الزواج أو التسرّي .
وإن كان أراده لحاجة ، كما لو أراده للتلذّذ ؛ فقد قال بتحريمه جماهير العلماء ، أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأصحابهم ، وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وأجازه في الرواية الأخرى مع الكراهية . والتجويز منقول عن ابن عمر وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد وعمرو بن دينار ، وبه قال ابن حزم .
وقد تمسك من قال بتحريمه بخمسة أمور :
أحدها : قول الله تعالى : ((والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)) ، فإن الله أباح أولاً الزوجة والأمة، ثم حرم ما عداها بقوله : ((فمن ابتغى وراء ذلك)) .
والجواب : أن الله تعالى ذكر المباح وهو الزواج والتسري ، وذكر المحرم من جنس ما أباحه هنا ، ( وهو النساء بلا زواج أو تسرٍّ ) .
وهذا التفسير وإن لم يغلب على الظن عند تأمل هذه الآيات ، فهو تفسير محتمل ، وحينئذ فالتفسير الأول واحد من احتمالين ، فلا يكون قاطعاً .
الثاني : حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء)) ، فلو كان الاستمناء جائزاً لأرشد إليه العاجز عن الزواج ، لأنه أسهل من الصوم .
والجواب : أنه لا يلزم الإرشاد إليه لما فيه من الوضاعة .
الثالث : حديث أنس مرفوعاً : ((ملعون من نكح يده)) وفي لفظ : ((سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيمة ولا يجمعهم مع العالمين ، ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا : الناكح يده ..)) .
والجواب : أن هذا حديث أخرجه الحسن بن عرفة في جزئه ، ومن طريق ابن الجوزي ، من طريق مسلمة بن جعفر ، عن حسان بن حميد ، عن أنس مرفوعاً . ومسلمة وشيخه مجهولان . وأخرجه أبو الشيخ وغيره من طرق عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً ، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث .
الرابع : حديث أبي سعيد مرفوعاً : ((أهلك الله عز وجل أمة كانوا يعبثون بذكورهم)) .
والجواب : أن هذا حديث أخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) بإسناد فيه مجاهيل ، فلا حجة فيه .
الخامس : أن المستمني يُعد فاعلاً بنفسه ، ولهذا لجأ بعض من جوّزه إلى تقييده بأن يكون بشيء منفصل عن اليدين، كالقماش والعجين ونحو ذلك ، حتى لا يكون من فعل هذا ناكحاً نفسه .
الجواب : أن هذا تعليل مروي عن ابن عمر ، وليس عليه دليل ، بل الدليل والحس على خلافه ، فإنه لا يسمى في الشرع ولا في اللغة نكاحاً ، وقد أجمع العلماء على أن من فعل مثل ذلك بيد أجنبية أنه لا حدّ عليه . والمروي عن ابن عمر إن صح فإنما أراد به التنفير .
فعُلم بذلك أنه ليس في المسألة دليل يمكن الاعتماد عليه في التحريم ، إلا أنه عمل لا تقبله النفوس الكريمة ، ولا يقدم عليه امرؤ ذو مروءة وشيمة . قال القرطبي : لو قام الدليل على جوازه كان ذو المروءة يعرض عنه لدناءته ، وقال ابن حزم – وهو يرى الإباحة مطلقاً - : وليس في الأدلة ما يحرم تعمد الإنزال ، فقد قال تعالى : ((وقد فصّل لكم ما حرم عليكم )) . وليس هذا مما فصل ، فهو حلال ، إلا أننا نكرهه ، لأنه ليس من مكارم الأخلاق ولا من الفضائل ، والله تعالى أعلم .


إرسال إلى صديق طباعة حفظ