إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان دلالة العدد (7) في القرآن الكريم
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الثلاثاء 12 شعبان 1427 الموافق 05 سبتمبر 2006
السؤال

الرقم سبعة في الكون:
عندما بدأ الله خلق هذا الكون اختار الرقم سبعة ليجعل عدد السماوات سبعة و عدد الأراضين سبعة.
يقول عز وجل: "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن" [الطلاق:12] حتى الذرة التي تعد الوحدة الأساسية للبناء الكوني تتألف من سبع طبقات إلكترونية، ولا يمكن أن تكون أكثر من ذلك.
كما أن عدد أيام الأسبوع سبعة، وعدد العلامات الموسيقية سبعة وعدد ألوان الطيف الضوئي المرئي هو سبعة.
ويجب ألا يغيب عنا أن علماء الأرض اكتشفوا حديثاً أن الكرة الأرضية تتكون من سبع طبقات.
الرقم سبعة في الأحاديث الشريفة.
كثيرة هي الأحاديث النبوية الشريفة التي نطق بها سيد البشر محمد –صلى الله عليه وسلم-
وقد كان للرقم (سبعة) حظ وافر في هذه الأحاديث وهذا يدل على أهمية هذا الرقم وكثرة دلالاته وأسراره:
فعندما تحدث الرسول الكريم عن الموبقات والكبائر حدد سبعة أنواع فقال: "اجتنبوا السبع الموبقات".[البخاري ومسلم] وعندما تحدث عن الذين يظلهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة حدد سبعة أصناف فقال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" [البخاري ومسلم].
وعندما يتحدث عن الظلم، وأخذ شيء من الأرض بغير حقه، فإنما يجعل من الرقم سبعة رمزاً للعذاب يوم القيامة ، يقول عليه الصلاة والسلام: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أراضين". [البخاري ومسلم].
وعندما أخبرنا عليه الصلاة والسلام عن أعظم سورة في كتاب الله قال: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" [البخاري].
وفي السجود يخبرنا الرسول الكريم عن الأمر الإلهي بالسجود على سبعة أعضاء فيقول: "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظُم" [البخاري ومسلم].
أما إذا ولغ الكلب في الإناء فإن طهوره يتحدد بغسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
وعندما تحدث عن القرآن، جعل للرقم سبعة علاقة وثيقة بهذا الكتاب العظيم فقال: "إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف" [البخاري ومسلم].
وهذا الحديث يدل على أن حروف القرآن تسير بنظام سباعي محكم، والله تعالى أعلم.
وقد تحدث الرسول –صلى الله عليه وسلم- عن جهنم يوم القيامة فقال:
"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام" [رواه مسلم].
وفي أسباب الشفاء أمرنا الرسول الكريم أن نضع يدنا على مكان الألم، ونقول سبع مرات:
(أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد و أحاذر) [رواه مسلم].
حتى عندما يكون الحديث عن الطعام نجد للرقم سبعة الحضور، يقول: "من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم و لا سحر" [البخاري ومسلم].
أما الحديث عن الصيام في سبيل الله فنجد من الأجر الشيء الكثير الذي أعده الله للصائم. يقول رسول الله: "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً" [البخاري و مسلم].
وعندما قدم أحد الصحابة إلى رسول الله، وطلب منه أن يخبره عن المدة التي يختم فيها القرآن فقال عليه الصلاة والسلام:
"فاقرأه في سبع و لا تزد على ذلك" [البخاري و مسلم].
كما كان الرسول يستجير بالله من عذاب جهنم سبع مرات فيقول:
"اللهم أجرني من النار" [النسائي].
كما كان عليه الصلاة و السلام يستغفر الله سبعين مرة.
يقول الرسول عن مضاعفة الأجر: "كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف). [رواه مسلم].
هذه الأحاديث الشريفة وغيرها كثير تدل على أن النبي قد خصَّ هذا الرقم بالذكر دون سائر الأرقام بسبب أهميتها. فهو الرقم الأكثر تكراراً في أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام. الرقم سبعة والحج.
نعلم جميعاً أن عبادة الحج تمثل الركن الخامس من أركان الإسلام. في هذه العبادة يطوف المؤمن حول بيت الله الحرام سبعة أشواط. ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط أيضاً.
وعندما يرمي الجمرات فإن الرسول الكريم قد رمى سبع جمرات أيضاً.
وقد ورد ذكر هذا الرقم في الآية التي تحدثت عن الحج و العمرة، يقول الله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم) [البقرة : 196].
والعجيب أن رقم هذه الآية هو (196) وهذا العدد من مضاعفات الرقم سبعة مرتين، فهو يساوي سبعة في سبعة في أربعة ، أي:
196 = 7 × 7 ×4
الرقم سبعة في القصة القرآنية:
تكرر ذكر الرقم سبعة في القصص القرآني. فهذا نبي الله نوح عليه السلام يدعو قومه للتفكر في خلق السماوات السبع فيقول لهم: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً) [نوح: 1] أما سيدنا يوسف عليه السلام فقد فسر رؤيا الملك القائمة على هذا الرقم ، يقول تعالى: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأُخر يابسات) [يوسف : 43].
وقد ورد ذكر الرقم سبعة في عذاب قوم سيدنا هود، الذي أرسله الله إلى قبيلة عاد، فأرسل عليهم الله الريح العاتية ،يقول تعالى:
(وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام) [الحاقة:6 – 7]، وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام ورد ذكر الرقم سبعين و هو من مضاعفات الرقم سبعة ، يقول تعالى : (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا) [ الأعراف: 155]. وقد ورد هذا الرقم في قصة أصحاب الكهف، يقول عز وجل: (ويقولون سبعة و ثامنهم كلبهم) [الكهف:22].
إذن هناك علاقة بين تكرار القصة القرآنية و الرقم سبعة. وسبحان الخالق والله أعلم. أرجو الإفادة في هذا الموضوع. وشكراً لكم.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:
فجوابا على السؤال حول دلالة العدد (سبعة) في لغة الكتاب العزيز أقول مستعينا بالعلي القدير سائله التوفيق والسداد:
اختصت بعض الأعداد في لغة الكتاب العزيز بدلالات خاصة وفق ما تحدده قرائن السياق إلى حد أنها قد تحل محل دلالاتها الرقمية الأصلية. والأصل عند المحققين هو اعتبار الدلالة الرقمية للأعداد، خاصة في مقامات لا ينبغي فيها التأويل كالتشريع. ولذا فالقاعدة هي منع العدول عنها إلا بقرائن صارفة.
والسبعة والسبعون قد تفيد سياقا معنى المبالغة والإكثار، لا صريح العدد كما في قوله تعالى: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [التوبة:80]، قال الماوردي: "قوله عز وجل (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).. هذا على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة وإن كان على صيغة الأمر، ومعناه أنك لو طلبتها لهم طلب المأمور بها، أو تركتها ترك المنهي عنها لكان سواء في أن الله تعالى لا يغفر لهم, فقوله (إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو على وجه المبالغة بذكر هذا العدد؛ لأن العرب تبالغ بالسبعة والسبعين.. ولذلك قالوا للأسد سَبْع: أي قد ضوعفت قوته سبع مرات"(1), والقرينة الصارفة نصا هي قول الله تعالى: "سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِن ّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَـَسِقِينَ" [المنافقون:6] وقال الرازي: "ليس المقصود من ذكر هذا العدد تحديد المنع، بل هو كما يقول القائل لمن سأله الحاجة: لو سألتني سبعين مرة لن أقضيها لك، ولا يريد بذلك أنه إذا زاد قضاها..، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى في الآية (ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله) فبين أن العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وإن بلغ سبعين مرة؛ كفرهم وفسقهم. وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين فصار هذا التعليل شاهداً بأن المراد إزالة الطمع في أن ينفعهم استغفار الرسول عليه السلام مع إصرارهم على الكفر. ويؤكده أيضاً قوله تعالى (والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين) والمعنى: أن فسقهم مانع من الهداية..
وقد قال المتأخرون من أهل التفسير إن السبعين عند العرب غاية مستقصاة؛ لأنه عبارة عن جمع السبعة، عشر مرات"(2). وقالوا أيضا: "استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره. فعند هذا يتعين التأويل"(3).
"واعلم أن الراسخ في العلم إذا رأى شيئاً متشابهاً، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى، علم حينئذ قطعاً أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره، وأن ذلك المراد حق، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن"(4).
وقال أبو حيان: "السبعة والسبعون فيه دلالة على تضاعيف القوة والشدة كأنه ضوعف سبع مرات. ومن شأن العرب أن يبالغوا بالسبعة والسبعين من العدد لما في ذكرها من معنى المضاعفة, قال تعالى (سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً).. و(إن تستغفر لهم سبعين مرة). والسبعة لهذا تذكر في جلائل الأمور: الأيام سبعة والسموات سبع والأرض سبع.. والبحار سبعة وكذلك أبواب جهنم"(5).
وقال الألوسي: "كثيراً ما يقصد من العدد التكثير لا الكم المعين"(6).. "وإرادة التكثير من السبعين شائع في كلامهم، وكذا إرادته من السبعة والسبعمائة"(7). و"قد يكون المراد بالسبعة الكثرة بحيث تشمل المائة والألف –مثلاً- لا خصوص العدد المعروف، كما في قوله عليه الصلاة والسلام "المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء". ولذا فكثير من المعدودات التي لها شأن –كالسماوات- منحصر في سبعة. رغم أنها موضوعة في الأصل.. للعدد"(8).
وقال الزركشي: "السبعة قد تذكر والمراد بها الكثرة لا العدد وروي عن العرب: سبّع الله لك الأجر؛ أي أكثر ذلك يريدون التضعيف"(9).
وقال أطفيش: "قد يكون المراد بالسبعة تكثير العدد ولو آلاف"(10), و"السبعة قد تكون كناية على الكثرة بلا حد.. فإِذا أُريدت المبالغة جعلت آحادها عشرات فتكون سبعين أَو زيادة المبالغة جعلت عشرات السبعين مئَات وهكذا"(11).
وقد تشمل الدلالة على التضعيف السبعة والسبعين وغيرهما بلا تحديد بيانا للكرم والسخاء غير المشروط والمحدد, ففي قوله تعالى: "مّن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ" [الحديد:11]؛ قال ابن عباس: "يقبله ويضاعف له في الحسنات ما بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ألفي ألف إلى ما شاء من الأضعاف"(12).
وهكذا عبر ابن عباس عن معنى المضاعفة بأرقام نظائر اختصت ببيان دلالة التعدد بلا تحديد لرقم بعينه, وفي قوله تعالى: "إِنّ الْمُصّدّقِينَ وَالْمُصّدّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ" [الحديد:18]؛ ذكر ابن عباس نفس الأرقام فقال: "يقبل منهم ويضاعف لهم في الحسنات ما بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ألفي ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف"(13), وفي قوله تعالى: "إِن تُقْرِضُواْ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ" [التغابن:17]؛ ذكر ابن عباس كذلك نفس الأرقام فقال: "يقبله ويضاعفه لكم في الحسنات ما بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ألفي ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف"(14).
والعبرة إذن بالسياق والمدار على التنبه للقرائن, فقد تفيد التثنية معنى المضاعفة في حدها الأدنى من باب التلطف كما في بيان يتعلق بنساء النبي محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: "يَنِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ" [الأحزاب:30]. وقد تطلق المضاعفة لتعني غاية الكثرة كما في قوله تعالى: "مّن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً" [البقرة:245]. وقد يعبر عن الغاية في الكثرة بمثال كما في قوله تعالى: "مّثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّئَةُ حَبّةٍ" [البقرة:261]، وكأنه تعالى يقول: لو أن أحدكم حصد حقله، فوجد أن الحبة أصبحت سبعمائة كم تكون فرحته؛ فكذا المنفقين في سبيل الله تعالى. قال البغوي: "فإن قيل فما رأينا سنبلة فيها مائة حبة فكيف ضرب المثل به؟ قيل ذلك متصور غير مستحيل، وما لا يكون مستحيلا جاز ضرب المثل به وإن لم يوجد.. (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) قيل معناه يضاعف هذه المضاعفة.. وقيل معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء ما بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء الله.. مما لا يعلمه إلا الله"(15), وقال أبو حيان: "وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر, قالوا: والممثل به موجود.. قال الزمخشري هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما.. ولو لم يوجد لكان صحيحاً في سبيل الفرض والتقدير.. على أن التمثيل يصح بما يتصور وإن لم يُعاين"(16).
وقد يُعدل عن ظاهر التعبير في القرآن الكريم لقرائن صارفة, قال الشنقيطي: "قد يتوجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم ولا يكون داخلاً فيه قطعاً، وإنما يراد به الأمة بلا خلاف, ومن ذلك قوله تعالى في بر الوالدين: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًاوَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا), فكل صيغ الخطاب هنا موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قطعاً ليس مراداً بذلك؛ لعدم وجود والدين له ولا أحدهما عند نزولها كما هو معلوم"(17).
وليست دلالة العدد التي تزيد سياقا على دلالته الرقمية الأصلية حكرا في الكتاب العزيز على عدد بعينه ومضاعفاته, قال الشيخ محمد متولي الشعراوي: "الله ذكر في القرآن الكريم أرقاما كثيرة.. لا تقبل القسمة على عدد واحد (معين) .. ولا هي مثلا كلها آحاد.. ولا كلها أزواج"(18).
فتكرار العدد ثلاثة كمثال قد يعني التأكيد وبيان بلوغ الغاية في البيان. فالرسالة الأولى لكافة الرسل الكرام أجمعين هي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده, يقول العلي القدير: "يَاأَيّهَا النّاسُ اعْبُدُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ وَالّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ" [البقرة:21], وقد تكرر لفظ (اعْبُدُواْ) في القرآن الكريم ثلاث مرات على لسان نوح إلى قومه، وثلاث مرات على لسان هود إلى قومه، وثلاث مرات على لسان صالح إلى قومه، وثلاث مرات على لسان عيسى إلى قومه، وثلاث مرات إلى أهل مكة خاصة، وثلاث مرات موجهاً إلى الناس كافة(19).
فأكد تكرار الثلاثة أهم قضية في الدين، وبين غاية جهد المرسلين في إبلاغها على مر مراحل الوحي، التي تكاملت وأصبحت للناس كافة بنزول القرآن الكريم.




أربعة حيوانات كانت عماد حياة العربي الأول
تتكون الذرات في أجسام كل الكائنات من نفس اللبنات وطبيعتها جميعا هي الحركة في عَجَل.




لا تزيد مستويات الطاقة حول نواة الذرة عن (سبعة) مستويات في غاية الانتظام.

وهكذا.. "بالنظر إلى الكتاب العزيز نرى أن الرقم سبعة قد ارتبط بكل أمر عظيم وشديد، أظهر الله تعالى فيه قدرته"(20).
ومن وجهة نظر الفيزياء: كل الأجسام مكونة من ذرات، والذرات من جسيمات عاجلة الحركة، وكل جسيم منها مكون من جسيمات أصغر وأسرع، حتى تصل إلى كيان لا تدري أهو جسيم أم موجة. يئن في الخلاء مطيعا لِقَدَرِه في غاية السرعة والعجل هو في عرف الأجسام عدم؛ ولكنه لبنة البناء الأساسية لكل كيان مادي من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، وأساس تشييد هيكل الإنسان ثمرة الخليقة, وحدّه في السرعة مقدور لا يزيد عن قيمة سرعة الضوء في الفراغ، ولا تملك في وصفه سوى أنه عجل.
وهكذا شهدت لك الفيزياء بالوحدة في طبيعة كل شيء، وبرهنت لك أيضا على وحدة الطابع؛ لأن الحد في السرعة مقدر، ومدارات الشحنات السالبة السابحات حول نواة الذرة حدها أيضا مقدر لا يزيد في العدد عن سبعة.
وهكذا يمتّ العدد سبعة فيزيائيا بصلة إلى الوحدة في نظام الخلق جميعا؛ ليقودك إلى اليقين بوحدانية المبدع القدير. قال جوهري: ""إذن الأمر إن هو إلا تجليات ومظاهر لقدرة المحيط علماً.. طُبعت في هذا الخلاء الفسيح طبعاً ظهرت لنا بهيئة حركات.. وتجلى لعيوننا بهيئة نبات وحيوان وشمس"(21), "فما هذا العالم كله إلا حركات"(22), و"هكذا الزرع.. والحيوان وأجسام الناس"(23), "وقد خلق الله –تعالى- العالم من مادة واحدة؛ ليستدلوا على وحدانيته وقدرته"(24), وقال البقاعي: "كل شيء قانت له، خاضع لديه، ساجد لعظمته، شاهد لقدرته دالّ عليه: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) والسبعة.. هي العدد التام الواحد.. مبدأ لدور جديد من العدد (تمثيلا بتسبيع الأيام لتتجدد دوريا).. وأمهات النعم سبع كالسماوات والأرض.. ولذا فهي تعني أن سائر الممكنات من النبات والجماد والسماوات والأرض على نظام واحد لا تفاوت فيه"(25).
والمذهل حقا أن يعلن القرآن صريحا أن أصل الإنسان الذي جاء على قمة منظومة الخليقة هو الحركات، وكأنه قد خلق حقيقة من عجل بينة على تقدير وجوده منذ الأزل؛ ليعرف الله تعالى، ويتملى دلائل قدرته ووحدانيته في خلقه، ويفطن لدلائل صدق رسالته في كتابه، ويقوم بمهمة العبادة بيقين. وتكفي تلك البينة لترتعد فرائص كل نابه نبيه فيخر ساجدا لله في خشوع, يقول العلي القدير: "خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء 37].


(1) تفسير الماوردي النكت والعيون لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري الشهير بالماوردي المتوفى سنة 450 هـ تحقيق السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم دار الكتب العلمية بيروت لبنان - (ج 2 / ص 128).
(2) مفاتيح الغيب لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين الرازي الملقب بفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ - (ج 8 / ص 108).
(3) مفاتيح الغيب لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين الرازي الملقب بفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ - (ج 4 / ص 107).
(4) تفسير مفاتيح الغيب لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ - (ج 4 / ص 116).
(5) تفسير البحر المحيط لمحمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان أثير الدين الأندلسي الغرناطي المتوفى سنة 745 هـ - (ج 1 / ص 167).
(6) تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ - (ج 5 / ص 215).
(7) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ - (ج 7 / ص 310).
(7) تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ - (ج 15 / ص 457).
(8) البرهان في علوم القرآن للامام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء الاول الطبعة الاولى 1376 ه - 1957 م دار أحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه - (ج 2 / ص 481).
(9) تفسير اطفيش تيسير التفسير لمحمد بن يوسف بن عيسى أطفيش المتوفى سنة 1332 هـ - (ج 8 / ص 87).
(10) تفسير اطفيش تيسير التفسير لمحمد بن يوسف بن عيسى أطفيش المتوفى سنة 1332 هـ - (ج 3 / ص 496).
(11) تفسير تنوير المقباس من تفسير ابن عباس المتوفى سنة 68 هـ والمنسوب جمعه إلى مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزأبادي الشيرازي المتوفى سنة 817 هـ, دار الكتب العلمية بيروت - (ج 2 / ص 68).
(12) تفسير تنوير المقباس من تفسير ابن عباس المتوفى سنة 68 هـ والمنسوب جمعه إلى مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزأبادي الشيرازي المتوفى سنة 817 هـ, دار الكتب العلمية بيروت - (ج 2 / ص 69).
(13) تفسير تنوير المقباس من تفسير ابن عباس المتوفى سنة 68 هـ والمنسوب جمعه إلى مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزأبادي الشيرازي المتوفى سنة 817 هـ, دار الكتب العلمية بيروت - (ج 2 / ص 90).
(15) تفسير البغوي معالم التنزيل لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة 516 هـ دار طيبة للنشر والتوزيع 1417هـ - 1997م الطبعة الرابعة تحقيق محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش - (ج 1 / ص 325).
(16) البحر المحيط لمحمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان أثير الدين الأندلسي الغرناطي النّفزي المتوفى سنة 745 هـ - (ج 3 / ص 43).
(17) أضواء البيان لمحمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي المتوفى سنة 1393 هـ دار الفكر بيروت 1415 هـ - (ج 11 / ص 115).
(18) جواب الشيخ محمد متولي الشعراوي على دلالة العدد 19 في القرآن الكريم.
(19) معجزة القرن العشرين في كشف سباعية وثلاثية القرآن الكريم - إبن خليفة عليوي - دار الأيمان الطبعة الأولى 1403-1983 دمشق.
(20) د. اصيل محمد علي – جامعة دهوك – العراق.
(21) تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري 24\93.
(22) تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري 20\32.
(23) تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري 15\188.
(24) تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري 1\146.
(25) تفسير البقاعي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور لبرهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي المتوفى سنة 885 هـ العثمانية حيدرأباد الهند 1396 هـ الطبعة الأولى - (ج 8 / ص 307).

إرسال إلى صديق طباعة حفظ