إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان اختلاف المحدثين في الحكم على الأحاديث
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 20 شعبان 1427 الموافق 13 سبتمبر 2006
السؤال

كيف يصنف الألباني كثيراً من الأحاديث إلى صحيح وضعيف، مع أنه لم يلتق بأي راوٍ من رواة الأحاديث؟! فإذا كان علماء الحديث يعتمدون على مجموعة كاملة ضخمة لكل ما كتب، بما في ذلك معلومات الكتب الموسوعية المتعددة عن السير الذاتية لمختلف رواة الأحاديث، فلماذا يكون حديث معين صحيحاً عند بعض المحدثين بينما يعتبره البعض الآخر ضعيفا؟ هل يخبر رواة الأحاديث المحدثين بأنهم جديرون بالثقة، ويعول عليهم، أو أنهم غير جديرين بالثقة؟ أليست هي وجهة نظر المحدثين في الحديث؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأزواجه أمهات المؤمنين، أما بعد:
لم يكن الألباني (رحمه الله) وحده هو الذي يدرس المرويات لمعرفة صحيحها من ضعيفها، بل إن علماء السنة قديمًا وحديثًا -قبل الألباني وبعده- كلّهم قد مارسوا هذه الدراسة، وقاموا بهذا التمييز، بناءً على قواعد علمهم الدقيقة.
أمّا استفسار السائل عن سبب اختلاف المحدثين في التصحيح والتضعيف، وإشارته إلى غرابة ذلك مع ادّعاء دقة علوم الحديث؛ فجوابها: أن الاختلاف في الأمور الدقيقة والعلوم العميقة والتي يتباينُ الناس في القدرة على التعامل الصحيح معها ليس خاصَّا بعلوم السنة، فهذا موجود في جميع العلوم، والتي لا يشك السائل في كونها علومًا دقيقةً مبنيةً على قواعد علميّة سليمة. فالطبّ مثلاً أحدُ العلوم الشريفة، ومع ذلك: ما أكثر ما يختلف الأطبّاء في تشخيص المرض! فإن اتفقوا في تحديد المرض، فما أكثر ما يختلفون في طريقة علاجه! من علاج جراحيٍّ، إلى علاج دوائي، إلى غير ذلك. والهندسة مثلاً علمٌ في غاية الدقة، ولا تحتمل حساباته للخطأ، ومع ذلك لو كان لديك مشروع أو استشارة هندسيّة لإصلاح مشروع ما، فإن الآراء تكاد تختلف بين المهندسين باختلاف مكاتبهم الاستشاريّة. والأمثلة على ذلك واقعةٌ في جميع العلوم، التي لا يشك السائل في احترامها والاعتراف بكونها علومًا دقيقة. فلم يكن اختلافُ علماء تلك العلوم دليلاً على أنها ليست علومًا، ولم يكن اختلافهم سببًا للشك في قدرتهم العلميّة، ولم يمنعنا اختلافهم من الاعتماد عليهم في علومهم، وأن لا نسمح لغيرهم ممن لم يتخصّص في ذلك العلم أن يتكلّم فيه، أو أن ينازع علماءه في علمهم.
الخلاصة: إن اختلاف علماء الحديث ليس سبُبه قصورًا في علمهم، وإنما سببه هو السبب الذي جعل جميع علماء العلوم الأخرى يختلفون، وهي أسباب عديدة، لا علاقة لها بقصور العلم، أو عدم صحّة قواعده. والذي أرجوه من السائل أن يُنصف علوم السنة وعلماءها، بأن يكون موقفُه منها ومنهم هو موقفه من أي علم يُجلّه ويُعظّمُ علماءه، مع أنه يجهل ذلك العلم، ولم يتخصّص فيه. وبأن يقيس ما لم يبلغه عَقْلُه من علوم السنة، ولم يفهمه من منهجها بما لم يبلغه عقله من العلوم الكونيّة الأخرى، ولم يفهمه من مناهجها، بأن يكون ذلك القُصورُ في بلوغ عقله علمَ ما لم يعلم، ونقصُ فهمه عن إدراك مناهجها مانعًا له عن الاعتراض على ذلك العلم، وحائلاً دون شكّه في علمائه؛ لأن الجهل لا يُمكن أن يكون حجّةً على العلم، فضلاً عن أن يكون مُبطلاً له.
وأمّا ظنّ السائل بأن المحدّثين كانوا يعتمدون في الوثوق بخبر الرواة على خبر الرواة عن أنفسهم بأنهم جديرون بالثقة أو أنهم غير جديرين، فهو ظنّ بعيدٌ عن الواقع كل البعد، ولا أدري كيف تصوّر السائلُ أنّ هذا المنهج الساذج المتهافت هو منهج المحدّثين؟!!
إن وقوع السائل في هذا التصوّر البعيد كل البعد عن واقع المنهج النقدي الذي لدى المحدثين، ليدلّ على قصور معرفته الشديد عن علوم السنّة. وهذا القصور ينبغي أن يقوده: إمّا إلى تعلُّم علوم السنّة التعلّم العميق المتخصّص على أيدي علمائها، كما لو أراد تعلّم أي علم آخر. وإمّا أن يترك الخوض في هذا العلم لأهله المختصّين فيه، ويطمئنّ إلى أن أئمة الدين من فقهاء المذاهب الأربعة وأتباعهم وغيرهم عندما احتجّوا جميعًا بالسنة، وعدّوها المصدر التشريعي للإسلام مع القرآن الكريم، إنما فعلوا ذلك لأن السنة محفوظة بحفظ الله تعالى الذي يسّرهُ سبحانه على أيدي المحدّثين، وبجهودهم الهائلة التي بذلوها لتحقيق هذا الغرض الجليل، والذي نجحوا في تحقيقه، حتى كانوا محطّ ثقة علماء الدين جميعًا، وموطنًا لإعجابهم بهذا الإنجاز الحديثي العظيم.
أمّا قول السائل عن نقد المحدثين: إنه مجرّد وجهة نظر للمحدثين. فهو ينطبق على جميع العلوم، فرأي العلماء في الطب والهندسة والفلك وعلم الاجتماع وعلم النفس هي وجهات نظر لهم، قد يتفقون فيها، وكثيرًا ما يختلفون. فوجهة نظر علماء علم معيّن محترمة، بل هي العلم، ولا يتعلّم المتعلّمون علمًا ما، إلا من خلال وجهات نظر علمائه.
فأسأل الله تعالى للسائل علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا. والله أعلم.
والحمد لله الكبير المتعال، والصلاة والسلام على رسول الله وأزواجه والآل.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ