إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حقيقة رجُوم الشياطين
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الثلاثاء 10 رمضان 1427 الموافق 03 أكتوبر 2006
السؤال

أخبر القرآن أن الشياطين ترمى بالنجوم. ما معنى ذلك بالتحديد –أهي المذنبات أم أنها النجوم الحقيقية تستخدم لمعاقبة الشياطين؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:
لم يصرح القرآن الكريم مطلقا بأن الشياطين تُرمى بالنجوم الثوابت، وإنما اشتبه ذلك على البعض. فبين أعلام المفسرين أنها ترمى بالشهب كما صرح القرآن الكريم بذلك, يقول تعالى: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ. وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلّ شَيْطَانٍ رّجِيمٍ. إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مّبِينٌ" [الحجر:16-18]، ويقول تعالى: "إِنّا زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ. وَحِفْظاً مّن كُلّ شَيْطَانٍ مّارِدٍ. لاّ يَسّمّعُونَ إِلَىَ الْمَلإِ الأعْلَىَ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلّ جَانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ. إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ" [الصافات:6-10]، ويقول تعالى: "وَأَنّا لَمَسْنَا السّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رّصَداً" [الجن:8-9].
والشهب ظاهرة جوية تصحب سقوط النيازك meteors, ووفق الموسوعة البريطانية قد تطلق التسمية على الأحجار النيزكية ذاتها، وهي تمثل بالفعل خطرا حقيقيا على كل عابر متجاوز الحدود المعهودة إذا توانى. وتتواجد الكتل الحجرية والثلجية بكثرة بين المريخ والمشتري في حزام الكويكبات، وتحيط بالنظام الشمسي من كل جانب بهيئة هالة مذنبية تسمى هالة أوورت Oort Halo, ويصلح لفظ (شياطين) أن يوصف به البشر إذا تجاوزوا الحدود المعهودة كما في قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ" [الأنعام:112]، وفي قوله تعالى: "وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنّا مَعَكُمْ" [البقرة:14]؛ الوصف بشياطينهم عائد على كبرائهم بجامع العتو والسيطرة. قال ابن عباس (رضي الله عنهما): (كهنتهم ورؤسائهم) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس المتوفى سنة 68 هـ والمنسوب للفيروزأبادي المتوفى سنة 817 هـ, دار الكتب العلمية بيروت - (ج1/ ص 3). و(عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:.. أما شياطينهم فهم رؤوسهم في الكُفر) جامع البيان في تأويل القرآن لمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ تحقيق أحمد محمد شاكر مؤسسة الرسالة 1420 هـ - (ج1/ص 397). وقال السمعاني: (والشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس. وأصله البعد والامتداد, يقال بئر شطون أي بعيد العمق والقعر، ويقال للحبل شطن لامتداده. وسمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده عن الخير. فأراد بالشياطين هاهنا عتاتهم ورؤساءهم في الكفر) تفسير السمعاني لأبي المظفر منصور بن محمد السمعاني المتوفى سنة 489 هـ - (ج1/ص20).
ومرد الشبهة أن الشهب تسمى وفق الرؤية الظاهرية بالنجوم المارقة أو الهاوية Shooting or Falling Stars, ووفق ما سجلته المعاجم لا تميز لغة العرب بين النجم والكوكب، بينما ميز القرآن الكريم بينهما على نحو يتفق مع الواقع كما في المصطلح العلمي الحديث. ووصف القرآن الكريم الشهب بالتوهج بلفظ مصابيح على نحو يتفق مع كونها ظاهرة ضوئية. قال تعالى: "وَزَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" [فصلت:12]، وقال تعالى: "وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ" [الملك:5].
ومرد الإشكال إلى الفهم بأن الشهب المعبر عنها في الآيتين الكريمتين تشبيها بالمصابيح لتوهجها هي النجوم الثوابت. ولكن المحققين قد دفعوا هذا الوهم وقالوا بأن النجوم ثوابت في مواقعها لا ينقص عددها، وإنما المراد هو الشهب دونها كما صرح بذلك القرآن الكريم نصا, قال الخازن: (ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب) لباب التأويل في معاني التنزيل لعلاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر المعروف بالخازن المتوفى سنة 741 هـ -(ج6/ص131). وقال ابن عاشور: (والذي جُعل رُجوماً للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة، ثم تلوح منقَضَّة. وتسمى الشُهُب) التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور الشهير بالطاهر بن عاشور والمتوفى سنة 1393 هـ - (ج15/ص203). وقال الرازي: (هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين) مفاتيح الغيب لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين الرازي الملقب بفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ -(ج15/ ص 402). و(لو كانت هذه الشهب هي تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير من أعداد كواكب السماء. ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد ألبتة. فإن أعداد كواكب السماء باقية في حالة واحدة من غير تغير ألبتة.. (و) هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب.. فالضمير في قوله (وجعلناها) عائد إلى المصابيح، فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها..
والجواب أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية، وأما قوله تعالى "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين" فنقول (كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها ما تبقى على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد، ومنها ما لا يكون كذلك، وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى، ويجعلها رجوماً للشياطين وبهذا التقدير فقد زال الإشكال) مفاتيح الغيب لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين الرازي الملقب بفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ -(ج 13/ص 106). وقال الألوسي: (وإطلاق الرجوم على النجوم وقولهم رمي بالنجم يحتمل أن يكون مبنياً على الظاهر للرائي، كما في قوله تعالى في الشمس: (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ), وهذه الشهب ليست هي الثوابت، وإلا لظهر نقصان كبير في أعدادها، بل هي جنس آخر غيرها يحدثها الله تعالى، ويجعلها رجوما للشياطين, ولا يأباه قوله تعالى: "وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَاءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ"؛ حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها؛ لأنا نقول كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض.. والشهب من هذا القسم، وحينئذ يزول الإشكال) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ -(ج 9 / ص 466). هذا والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ