إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تأويل "الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر"
المجيب
عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الثلاثاء 29 شعبان 1428 الموافق 11 سبتمبر 2007
السؤال

سؤالي عن الآية 187 من سورة البقرة "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر". ذكرابن كثير في تفسيره رواية عن البخاري أن كلمة "من الفجر" لم تكن موجودة أساسا، وأن هذا أوقع صحابيّا في حيرة ولم يفهم المقصود من الآية. بعد ذلك أوضح الله سبحانه وتعالى المسألة وأنزل ذكر كلمة "من الفجر".
فما الحكمة من عدم إنزال "من الفجر" منذ البداية؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد أخرج البخاري في تفسير القرآن ، باب:( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) برقم (4511) عن سهل بن سعد –رضي الله عنه- قال: أنزلت "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود" ولم ينزل (من الفجر) وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد (من الفجر) فعلموا أنه يعني الليل والنهار .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده (19427) والبخاري (4509) ومسلم (1090). عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقالين: أحدهما أسودَ والآخر أبيض، قال : فجعلتهما تحت وسادتي، قال: ثم جعلت أنظر إليهما فلا تُبِينُ لي الأسود من الأبيض ولا الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فأخبرته بالذي صنعت، فقال: "إن وسادك إذا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل".
دل الحديثان على أن الآية أول ما نزلت اشتبه على بعض الصحابة المراد بالخيط الأبيض من الخيط الأسود فيها ، فقد عمد عدي –رضي الله عنه- إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، وجعلهما تحت وسادته وجعل ينظر إليهما حتى تبين له الخيط الأبيض من الأسود فأمسك عند ذلك عن الطعام ، فأزال الله هذا الالتباس الذي وقع عنده بقول (من الفجر)، أي أن المراد بذلك الليل والنهار وليس ما ظنه عدي –رضي الله عنه-، وهذا له نظائر أخرى يزيل فيها الله تعالى الالتباس الذي يكون حول بعض الآيات ، من ذلك :
ما رواه البخاري (2832) ومسلم (1898) من حديث زيد بن ثابت –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أملى عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) ، (والمجاهدون في سبيل الله) فجاءه ابن أمِّ مكتوم وهو يُمِلُّهَا عليَّ ، قال: يا رسول الله! والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت. وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله على رسوله –صلى الله عليه وسلم- وفخذه على فخذي، فَثَقُلَتْ عليَّ حتى خفت أن ترضَّ فخذي ، ثم سُرِّيَ عنه فأنزل الله: (غير أولي الضرر)
أما الحكمة في مثل هذا فهي كما قال الله "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها" [البقرة:106]. قال ابن جرير رحمه الله على هذه الآية: "وما نبدل من حكم آية فنغيره، أو نترك تبديله، فنقره بحاله نأت بخير منها لكم –من حكم الآية التي نسخناها فغيرنا حكمها– إما في العاجل؛ لخفته عليكم من أجل أنه وضع فرض كان عليكم، فأسقط ثقله عنكم..... (نأت بخير منها)؛ لأنه إما بخير منها في العاجل؛ لخفته على من كلفه، أو في العاجل لعظم ثوابه وكثرة أجره".
ومن الحكم أيضاً التسليم المطلق لأمر الله ووحيه، والإيمان بكمال علمه وحكمته، قال العلامة برهان الدين الجعبري المتوفى سنة 732 هـ في كتابه (رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار)،: "الفصل السادس في حكمته –أي النسخ– هي الدلالة على كمال علم الله تعالى، ومنه تكليف عباده على مقتضى حكمته وإظهاراً لتمام قدرته بتصرفه في عبيده، واختياراً لما استمرت عليه طباعهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) أ.هـ ص5.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ