إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان نفي العلة الغائية عن الله!
المجيب
العلامة/ عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاثنين 08 شوال 1427 الموافق 30 أكتوبر 2006
السؤال

درست أن لتوحيد الأسماء والصفات ثلاثة أسس، منها: نفي العلة الغائية عن أفعال الله -تعالى- فالله -عز وجل- لا يحتاج إلى غرض معين يدفعه إلى تنفيذ الأسباب والوسائل للوصول إليه، فإرادته -سبحانه وتعالى- تامة كاملة لا ضرورة فيها تحمله على غرض معين، فجميع الموجودات بخلقه وتكوينه دون وسائل وأسباب؛ لأن الله -تعالى- لا يحتاج أبداً ويستحيل في حقه الاستعانة بغيره، فلا غاية لأفعاله -تعالى-، ولكن هناك حِكَمٌ لا يعلمها سواه وراء ذلك، ولما سألت شيخي عن معنى: "نفي العلة الغائية عن أفعال الله -تعالى-"، قال: "نفي السبب والهدف عن أفعال الله -تعالى-" فهل هذا الكلام صحيح؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن الله –سبحانه وتعالى- أخبر في كتابه بكثير من حكمه في خلقه وشرعه، وأخبر عن سببية بعض الأمور لما يخلقه –سبحانه وتعالى- فقد أخبر –سبحانه وتعالى- أنه خلق النجوم زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدي بها العباد، وأنه خلق الموت والحياة وكل ما على الأرض ليبتلي العباد أيهم أحسن عملاً، كما قال –سبحانه-: "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَة لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً" [الكهف:7]. وأنه خلق الجن والإنس ليعبدوه، ومن ذلك قوله –سبحانه وتعالى-: "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاء لَكُم مِنْهُ شَرَاب وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ*يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل:10-11]. فتضمنت هذه الآية الدلالة على الحكمة والسبب، فالله أنزل من السماء ماء ليكون شراباً للناس، وليكون سبباً لنبات الأشجار، وأنواع النبات، "ينبت لكم به" فالباء للسببية، ومثل ذلك قوله –تعالى-: "وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ" [الأعراف:57]. وقال –سبحانه وتعالى- في بيان حكمته من بعض نعمه على عباده: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [النحل:78]. فأخبر أنه –سبحانه وتعالى- جعل للعباد العقول والأسماع والأبصار ليشكروه، فهو –سبحانه وتعالى- خالق الأسباب وخالق المسببات.
فإثبات الأسباب معناه أن الله خلق أشياء مؤثرة في غيرها، ومنتجة لغيرها بمشيئته –سبحانه وتعالى- فهو الذي خلق السبب وجعله مؤثراً في مسبَّبه، وهو الخالق للمُسبب، فإثبات الأسباب لا ينافي التوحيد، وكذلك الغايات إنما هي إثبات للحِكَم، فمن يفعل لحكمة ولمعنى يقصد إليه فإنه حكيم، والله –تعالى- من أسمائه الحكيم وهو أحكم الحاكمين.
وقد نزَّه –سبحانه وتعالى- نفسه عن العبث واللعب في آيات عديدة كما قال –تعالى-: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً" [المؤمنون:115]. وقال –سبحانه وتعالى-: "أيحسب الإنسان أن يترك سدى" [القيامة:36]. وقال: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق" [الدخان:38-39].
ومن يقول بنفي الأسباب، أي: بنفي تأثير الأسباب في مسبباتها فقوله معارض ومخالف للحس والعقل والشرع. وكذلك نفي الغايات المحمودة التي تسمى بالعلة الغائية هو مخالف لما دل عليه العقل والشرع من حكمته –تعالى- في خلقه وشرعه.
والقول بنفي الأسباب والحِكم في الأصل هو قول الجهم بن صفوان، وتبعه على ذلك طوائف من الناس ومنهم الأشاعرة. فالأشاعرة هم من نفاة الحكمة، ونفاة الأسباب.
ومضمون هذا القول أن أفعال الله صادرة عن محض المشيئة ليست لها غاية ولا تترتب عليها مصلحة، وهذا عين اللعب والعبث، فمن يفعل لا لشيء إلا لمحض المشيئة فإنه عابث لا معنى لفعله -تعالى الله عن ذلك- ولهذا نزه الله نفسه في قوله: "فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم" [المؤمنون:116].
قال بعض أهل العلم في أمر الأسباب: إن الاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، ونفي أن تكون الأسباب أسباباً نقص في العقل، وتعطيل الأسباب قدح في الشرع.
فالواجب إثبات الأسباب، وأن الله –سبحانه- يخلق بالأسباب، وليس ذلك بحاجة منه تعالى، بل اقتضت حكمته أن يخلق الأشياء بأسبابها ولو شاء –سبحانه وتعالى- لخلق كل إنسان كما خلق آدم من غير هذه الأسباب الكونية المعروفة. لكن اقتضت حكمته أن يخلقهم بهذه الأسباب التي قدرها وهو ما يحصل بين الزوجين –مثلاً- من اللقاء فيجتمع ماؤهما ويتكون منه بمشيئته –سبحانه وتعالى- ما قدره من النفوس.
فالحاصل أن إنكار الأسباب أمر مخالف للحس والعقل والشرع. فهل يحصل في عقل عاقل أن النار ليست مؤثرة في الإحراق، وأن الشمس ليست مؤثرة في حصول الرؤية بالإبصار، وأن الماء ليس مؤثراً في نشوء النبات؟ كل هذا مكابرة وجحد للحقائق المحسوسة. فالمقصود أن القول الذي نقله السائل عن شيخه هو قول باطل فلا يغتر به، والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ