إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حديث "إنزال النار والحديد..." والحقائق العلمية!
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاثنين 15 شوال 1427 الموافق 06 نوفمبر 2006
السؤال

هل هذا الحديث صحيح:
روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (بما معناه): "أنزل الله أربع رحمات: الحديد والنار والماء والملح" ولا يروى إلا عن ابن عمر فكيف تأتي النار من خارج الأرض؟ أما الحديد والماء والملح فإني أعلم لأن هذه المعادن في الأرض نزلتْ بطريقة النيازك.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد: مستعينا بالله العلي القدير أوجز الجواب في نقاط على النحو التالي:
1- ضبط ألفاظ الحديث:
الحديث الذي عرضه السائل بالمعنى عن عبد الله بن عمر يرفعه (أنزل الله أربع رحمات: الحديد والنار والماء والملح) أصله في المأثور (أَرْبَعَ بَرَكَاتٍ) وليس (أربع رحمات), قال البغوي المتوفى سنة 516 هـ في تفسيره المسمى بمعالم التنزيل (ج8ص41): "روي عن ابن عمر يرفعه: (إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح)(1), والخبر شائع في كتب التفسير ومنها؛ غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري المتوفى سنة 728 هـ (ج7ص 128), والتفسير المسمى بالبحر المحيط لمحمد بن يوسف بن حيّان أثير الدين الأندلسي المتوفى سنة 745 هـ (ج10ص230).
2- تحقيق السند:
قال ابن القيم في زاد المعاد (ج4ص362): "ذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِه عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا: (إنّ اللّهَ أَنْزَلَ أَرْبَعَ بَرَكَاتٍ مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الْحَدِيدَ وَالنّارَ وَالْمَاءَ وَالْمِلْحَ), وَالْمَوْقُوفُ أَشْبَهُ", وعبارة "وَالْمَوْقُوفُ أَشْبَهُ" تعني أن وقفة أقوى من رفعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام, وقال الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (حديث رقم 3053): "(إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض، فأنزل الحديد والنار والماء والملح) موضوع, رواه الديلمي عن سيف بن محمد: حدثنا عبد الرحمن بن مالك التيمي عن عبد الله بن خليفة عن ابن عمر مرفوعاً, قلت: وهذا موضوع، آفته سيف بن محمد وهو ابن أخت سفيان الثوري. قال الذهبي في الضعفاء والمتروكين: قال أحمد وغيره: كذاب, وقال الحافظ: كذبوه, وروى الطبراني في (الكبير) وفي (الأوسط) بعضه عن أم هانئ قالت: دخل النبي -صلي الله عليه وسلم- فقال: ما لي لا أرى عندك من البركات شيئاً؟ فقلت وأي بركات تريد؟ قال: إن الله أنزل بركات ثلاثاً: الشاة والنخلة والنار, وقال الهيثمي (ج4ص66): وفيه النضر بن حميد وهو متروك", وهكذا بالإضافة إلى تأليفهم في جوامع الحديث والتحقيق يُسجَّل لعلماء الإسلام رحمهم الله تعالى أجمعين مأثرة التأليف في الأحاديث الموضوعة بعد شيوع الاختلاق والإسرائيليات خاصة في التفسير.
3- تأمل دلالة الخبر:
اختصت أشياء في الخبر بالوصف أنها بركات وأنها نزلت من السماء, ونزول الماء مع النص على أنه من السماء قد ورد فيه قرآن، وكذلك نزول الحديد بدون بيان أنه من السماء مما يرجح قصر نزوله نحو باطن الأرض؛ ولبها بالفعل أغلبه حديد, وقد يرجع تعليل بركة تلك الأشياء إلى أنها من نعم الله تعالى المتوفرة للجميع فلا يجوز رد طالبها. ففي تفسير قوله تعالى: "وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ" الماعون 7؛ قال الرازي (ج17ص233): "قول أكثر المفسرين أن الماعون اسم لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني.. (و)ينسب مانعه إلى سوء الخلق ولؤم الطبيعة؛ كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال والقدوم ويدخل فيه الملح والماء والنار فإنه روي: (ثلاثة لا يحل منعها الماء والنار والملح)", وقال الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد (ج3ص133): "(عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟, قال: "الماء والملح والنار". قالت: هذا الماء قد عرفناه فما بال الملح والنار؟, فقال: "من أعطى نارا فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت النار، ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة، ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياه". قلت: رواه ابن ماجه باختصار ورواه الطبراني في الأوسط وفيه زهير بن مرزوق قال البخاري مجهول منكر الحديث".
4- نظرة المحققين إلى الحديث الموضوع:
الحديث الموضوع هو المكذوب المختلق والتسمية بالوضع بمعنى الاختلاق, يقال وضع الرجل الحديث أي افتراه واختلقه, وفي فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى قالوا: "أما الأحاديث التي نص أهل العلم على أنها موضوعة فلا يجوز للمدرس والواعظ وغيرهما ذكرها إلاّ لبيان أنها مكذوبة", وقد تكشف دراستها مدى ثقافة الراوي وغرضه وبالمقارنة مع القرآن الكريم والحديث الصحيح تتجَلَّى أنوار الوحي ودلائل النبوة.
5- تجلي أنوار الوحي في عصر العلم:
المعلوم حاليا أن الجو Atmosphere يتميز بوجود تيارات الهواء لتشكل أنواع واتجاهات الرياح والسحاب كمنطقة بينية تعلو وجه الأرض دون الفضاء، حيث تتوزع الأجرام السماوية. وفي قوله تعالى: "وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [البقرة:164]؛ المنطقة البينية التي تعلو وجه الأرض هي الجو لتميزه بوجود تيارات الهواء والسحاب دون فضاء الأجرام السماوية الذي يقصر السياق دلالة لفظ (السماء) عليه تمييزا له عن الجو. وقد قُصرت دلالة لفظ (السماء) على فضاء الأجرام مع تمييز الجو كمنطقة بينية بلفظ (بينهما) في عشرين موضعا آخر(2)كما في قوله تعالى: "وَمَا خَلَقْنَا السّمَآءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً" [ص:27]. ويحد الكون الممكن النظر ما يعرف فلكيا باسم أشباه النجوم (الكوازارات) وتصدر طاقات تناظر جملة مجرات. وفوق مجموعتنا الكوكبية تتوزع مجموعات نجمية صغيرة فأعظم ما تكون مجرتنا، وفوقها المجموعة المجرية المحلية، ثم مجموعات مجرية أعظم, ويطابق التعبير عن فضاء الكون بلفظ (السماوات) تنوع بروج الأجرام وتوزعها طبقات في تتابع شجري بانتظام. كما في قوله تعالى: "وَمَا خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ" [الحجر:85], ومعني العلو في لفظ (السماء) قد تطلقه القرينة ليشمل كل ما يعلو فوق وجه الأرض كما في قوله تعالى: "أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىَ الطّيْرِ مُسَخّرَاتٍ فِي جَوّ السّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنّ إِلاّ اللّهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [النحل:79]؛ وهو نص على أن لمطلق السماء جو يتميز بوجود هواء يسمح بتحليق الطيور, وقد تقصره على أحد معالم الوجود فوق وجه الأرض فتدنيه إلى مستوى فرع شجرة كما في قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ" [إبراهيم:24]، وقد تقصره على سقف البيت كما في قوله تعالى: "مَن كَانَ يَظُنّ أَن لّن يَنصُرَهُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السّمَآءِ ثُمّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" [الحج:15]؛ لأنه في العادة موضع تعليق الحبل وتدلي المشنوق, وبالمثل قد تصرف القرينة دلالة لفظ (السماء) إلى الجو الذي يعلو وجه الأرض حيث السحاب مصدر المطر كما في قوله تعالى: "وَالسّمَآءِ ذَاتِ الرّجْعِ" [الطارق:11]؛ والقرينة شمول الإرجاع لكل ما يرد من أعلى مما يعني وجود شيء أعلى, وقوله تعالى: "وَجَعَلْنَا السّمَآءَ سَقْفاً مّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ" [الأنبياء:32]؛ والقرينة أن السقف يحجب الأخطار عادة القادمة من فوق البيت. وقوله تعالى: "اللّهُ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" [الروم:48]؛ والرياح والسحاب قرينة على أن المراد سياقا بلفظ (السماء) هو الجو.
وقد ورد في القرآن الكريم إنزال الماء من السماء بالنص الصريح في أربعةٍ وعشرين موضعا (3) كما في قوله تعالى: "وَهُوَ الّذِيَ أَرْسَلَ الرّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَآءً طَهُوراً" [الفرقان:48]، وهو يجعل إرسال الرياح مقدمة لنزول المطر مما يفيد أن المراد بلفظ (السماء) هو الجو موضع السحاب لا مطلق الفضاء لتعلق المقام بالرياح والسحاب, وهذا يدفع التوهم أن جليد المذنبات ذات الكثافة الضئيلة والقادمة من الفضاء هو المصدر الرئيس للمخزون الكبير من ماء الأرض. ويؤيده بيان القرآن الكريم نصًّا على أن إنزال الماء من المُزن وهو السحاب في قوله تعالى: "أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ" [الواقعة:68-69]؛ فضلا عن نسبة ماء الأرض إليها والنص الصريح على خروجه منها مثل كل العناصر التي هيأت لنشأة الحياة في قوله تعالى: "وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا" [النازعات:30-31]. والتصور العلمي الحديث المدعم بالشواهد يؤيد بالفعل خروج أبخرة الماء من الأرض الأولية الملتهبة نحو الجو لتكون السحب، وتنزل لاحقا بهيئة مطر غزير لفترات طويلة تكونت على إثرها كل البحار والأنهار وكل المخزون الهائل من المياه الجوفية.






صورة من كتاب فرانك بريس "علوم الأرض" تبين خروج أبخرة الماء
من البراكين النشطة لتتكاثف في الجو الأولي وينزل المطر لاحقا, وخروج المواد الخفيفة نحو السطح تمهيدا لنشأة المراعي العامرة بأنواع الحيوان من بعد.

قال محمد إسماعيل إبراهيم في كتابه القرآن وإعجازه العلمي (ج1ص66): "تعنى كلمة السماء كل ما أظلك وعلاك، وتشمل طبقات الهواء الذي تقل كثافته تدريجا كلما علونا، حتى تصل هذه الطبقات العليا إلى.. الفضاء.. حيث تسبح النجوم والكواكب في أفلاكها بنظام دقيق طبقا لقانون الجاذبية.. (و) ما توصلت إليه النظريات الحديثة عن نشأة الأرض.. خلاصتها أن أرضنا كانت.. كرة ملتهبة بداخلها مواد منصهرة لشدة حرارتها وتحيط بها طبقات كثيفة من غازات وأبخرة أخذت تشع حرارتها الشديدة في الفضاء، وتبرد شيئا فشيئا.. (مع) هبوط المواد الثقيلة من عناصرها إلى مركز الأرض الباطني وطفو المواد الخفيفة.. وفي خلال الزمن الطويل الذي استغرقته برودة القشرة الأرضية، تكاثرت فوقها كتل كثيفة من الغازات والأبخرة مكونة سحبا متراكمة سميكة ظللت الأرض بظلمات جو قاتم يتخلله برق ورعد وانهمار للمطر بكميات هائلة من المياه التي.. غمرت جميع المنخفضات في الأرض وكونت البحار والمحيطات كما أنها تسربت إلى الفجوات.. مكونة.. المياه الجوفية".





نزول الحديد نحو الباطن عند تكون الأرض مع خروج المواد الأخف في اتجـاه السطح (المصدر كتاب فرانك بريس: علوم الأرض).

ونظير خروج الماء والمواد الأخف نحو سطح الأرض تمهيدا لتكوين التربة والجو ونشأة المراعي العامرة بالأحياء، نزل الحديد ذو المنافع العديدة نحو لب الأرض، وبحركته الداخلية تولدت الأغلفة المغناطيسية، فحمت كافة الأحياء -بلا دراية منها- من خطر الرياح الشمسية القاتلة, ويجمل كل ذلك قوله تعالى: "وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ", وهكذا كلما رمى أحدهم بسهم الإسرائيليات والحديث الموضوع طعنا في الدين، طاش السهم بعيدًا، وتألقت أنوار الوحي.



(1) تفسير البغوي معالم التنزيل لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة 516 هـ دار طيبة للنشر والتوزيع 1417هـ - 1997م الطبعة الرابعة تحقيق محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش - (ج 8 ص41).
(2) المائدة 17و18, الحجر 85, مريم 65, طه 6, الأنبياء 16, الفرقان 59, الشعراء 24, الروم 8, السجدة 4, الصافات 5, ص 10و27و66, الزخرف 85, الدخان 7و38, الأحقاف 3, ق 38, النبأ 37.
(3) البقرة 22و164، الأنعام 99، الأنفال 11، يونس 24، الرعد 17، إبراهيم 32، الحجر 22، النحل 10و65، الكهف 45، طه 53، الحج 63، المؤمنون 18، الفرقان 48، النمل 60، العنكبوت 63، الروم 24، لقمان 10، فاطر 27، الزمر 21، الزحرف 11، ق 9، غافر 13.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ