إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل نزلت آيات السور الطوال مرتبة؟
المجيب
د. علي بن عمر بادحدح
التاريخ السبت 01 محرم 1428 الموافق 20 يناير 2007
السؤال

هل جميع آيات السور الطوال نزلت متتالية كما نقرؤها الآن؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لقد تنوّعت سور القرآن في نزولها، فمنها ما نزل دفعة واحدة، كسورة الأنعام (مثلا)، ومنها ما نزل مفرقاً، سواء نزل ابتداءً أو بحسب الأحداث والوقائع. ورتبت في القرآن بتوقيف من الله تعالى بواسطة أمين الوحي جبريل، كما سأبينه.
وهل الآيات التي نزلت في سبب نزول معين نزلت دفعة واحدة؟
ابتداءً لا بد من تعريف سبب النـزول: وهو ما نـزلت الآية متحدثة عنه، أو مبينة لحكمه أيام وقوعه(أبو شهبة، المدخل ص122).
فقد تحدث حادثة معينة، فينـزل الوحي لبيان حكم الله فيها، مثل حادثة الإفك. وقد يوجِّه الصحابة رضي الله عنهم سؤالاً للنبي –صلى الله عليه وسلم- فينـزل القرآن مبيناً لهم الجواب.
وينقسم القرآن من حيث سبب النـزول إلى قسمين:
1- قسم نـزل ابتداءً. وهو كثير في القرآن، كالآيات التي اشتملت على الأحكام والآداب التي قصد بها ابتداءً هداية الخلق، وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
2- قسم مرتبط بأسباب خاصة، كأن ينـزل عقب واقعة، أو جواباً لسؤال، وهذا النوع هو الذي يذكر العلماء له سبباً للنـزول.
الآيات التي كانت تنزل في سبب معين فإنها كانت تنزل كاملة، تبين ما نزلت فيه تماماً،
وقد تنزل الآيات أكثر من مرة لأكثر من سبب لحكم، منها:
1- تعظيم شأن الآيات المنزلة، والتذكير بها عند حدوث سببها خوف نسيانها، وهذا كما قيل في الفاتحة نـزلت مرتين، مرة بمكة، وأخرى بالمدينة.
2- التذكير بما اشتملت عليه الآيات من الإرشادات والأحكام والآداب العالية، والتي هم في أشد الحاجة إليها. (ينظر: الزركشي، البرهان 1/31-32).
أما ترتيب الآيات والسور:
أولا: ترتيب الآيات القرآنية:
فقد أجمعت الأمة قاطبة على أن ترتيب آيات القرآن توقيفي، أي أنه يتوقف عندما ورد به النقل الثابت عن الشارع، ولم يكن فيه مجال للاجتهاد، بل هو موقوف على نص الشارع الحكيم، يقول السيوطي: "الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته، وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه–صلى الله عليه وسلم- وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين" (السيوطي، الإتقان 1/61).
وقد وردت أحاديث كثيرة تثبت هذا التوقيف، منها :
عن زيد بن ثابت –رضي الله عنه- قال: كنا عند النبي نؤلف القرآن من الرقاع. رواه الترمذي (5/734) وقال حسن غريب.
عن عثمان بن أبي العاص –رضي الله عنه- قال كنت جالساً عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذ شخص ببصره، ثم صوبه، ثم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى..." إلى آخرها (أخرجه أحمد (4/218)، مجمع الزوائد (7/49) وقال إسناده حسن.
ولقد تضافرت نصوص العلماء على تأكيد هذا التوقيف، (انظرها في الإتقان، (1/61). يقول القاضي الباقلاني : (ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم)، وقال أيضا: (الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنـزله الله، وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نـزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله –صلى الله عليه وسلم- من آي السور لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر منه مقدم. وإن الأمة ضبطت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- ترتيب آي كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراءات، وذات التلاوة).
ويدل على ذلك الاستفاضة في كل العصور والبلاد بين جميع المسلمين، لا خلاف بينهم في ذلك.
ثانيا: ترتيب سور القرآن:
واختلف في ترتيب السور: هل هو توقيفي أيضا، أو هو باجتهاد من الصحابة؟ (الإتقان، السيوطي 1/62-63 ) :
والقول الراجح : أن ترتيب سور القرآن توقيفي باستثناء الأنفال وبراءة، وقال البيهقي في المدخل كان القرآن على عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- مرتباً سوره وآياته على هذا الترتيب، إلا الأنفال وبراءة، واستدل بحديث ابن عباس –رضي الله عنهما- السابق ذكره- عندما قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما، سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطول؟ فقال: عثمان: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم تنـزل عليه السور ذوات العدد. فكان إذا نـزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نـزل في المدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نـزولاً، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال).
يقول السيوطي بعد أن ذكر الأقوال: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال، ولا ينبغي أن يستدل بقراءته سورا ولاء على أن ترتيبها كذلك. وحينئذ فلا يرد حديث قراءته النساء قبل آل عمران؛ لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب، فلعله فعل ذلك لبيان الجواز (الإتقان، السيوطي،1/63).
وهناك قول آخر بأن ترتيب السور توقيفي، قال أبو بكر الأنباري: أنـزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرقه في بضع وعشرين. فكانت السورة تنـزل لأمر يحدث والآية جوابا لمستخبر، ويوقف جبريل النبي –صلى الله عليه وسلم- على موضع الآية والسورة. فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي –صلى الله عليه وسلم- فمن قدم سورة أو أخرَّها فقد أفسد نظم القرآن.
وقال ابن حجر ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيًّا. قال: ومما يدل على أن ترتيبها توقيفي ما أخرجه أحمد وأبو داود، عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي، قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف... الحديث، وفيه فقال لنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "طرأ علي حزبي من القرآن فأردت ألا أخرج حتى أقضيه" فسألنا أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قلنا كيف تحزبون القرآن؟ قالوا نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى نختم. قال فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ويحتمل أن الذي كان مرتباً حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ما عداه.
قال السيوطي: ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاء، وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لذكرت المسبحات ولاء وأخرت طس عن القصص(الإتقان، السيوطي، 1/63).
ومما يؤيد هذا القول: ما نراه من تناسب عجيب بين سور القرآن، مما يؤكد القول بالتوقيف.
ومن سمّى السور بأسمائها؟
اختلف في تسمية السور أيضاً على أقوال:
الراجح منها أن منها ما هو توقيفي وهو الأكثر، ومنها ما هو باجتهاد من الصحابة ومن بعدهم. لأنه لم يرد عن النبي –صلى الله عليه وسلم- نص بتسمية جميع السور، ولما اشتهر بين المسلمين على مرِّ العصور من تسمية السور بأكثر من اسم، كتسميتها بذكر أولها (كتسمية سورة الملك بسورة تبارك) وسورة النبأ بسورة (عم) وهكذا. فيكون التوقيفي من الأسماء ما ورد عن النبي –صلى الله عليه وسلم-، وما لم يرد فيه نص عنه –صلى الله عليه وسلم- فيحتمل أن يكون باجتهاد من الصحابة ومن بعدهم، وما كان من الصحابة أقوى مما كان من بعدهم؛ لاحتمال سماعهم من النبي –صلى الله عليه وسلم-.
أما تغيير الأسماء في زماننا هذا فنقول فيه: لا يجوز تغيير ما كان توقيفيًّا من أسماء السور مما وردت به النصوص عن النبي –صلى الله عليه وسلم-.
وأما ما لم يرد به نصٌّ فيجب الالتزام به؛ لاتفاق الأمة على التسميات المعروفة، ولمنع فتح الباب لتغيير أسماء السور، لما يترتب على ذلك من مفاسد، حتى لا يصير القرآن ألعوبة بين أيدي الناس، وحتى لا يكون ذلك سبباً في اختلاف الناس، واتهام بعضهم لبعض، لجهل أغلبهم بما هو توقيفي منها وما هو اجتهادي.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ