إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان متى يجوز الجهر بالسوء ؟!
المجيب
د. محمد بن إبراهيم السعيدي
رئيس قسم الدراسات الإسلامية في كلية المعلمين بمكة
التاريخ الاربعاء 18 رجب 1431 الموافق 30 يونيو 2010
السؤال

نأمل منكم إيضاح حدود الجهر بالظلم؛ بمعنى أن أعلن عن ظلم وقع عليّ . وكذلك متى أكون غير صابر عند وقوع أذى أو ما لا أرجو، هل عندما أبكي وأدعو ربى أكون غير صابر؟

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
السؤال هنا عن أمرين:
أولهما: متى يصح الجهر بالظلم والواضح أنها تعني: الشكوى من ظلامة الغير لها وغيبة من ظلمها:
فالجواب وبالله التوفيق: أن الأصل في ذلك قوله تعالى: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما" [النساء:148]. فقد ذكر ابن عباس -رضي الله عنهما- كما في أحكام القرآن لابن العربي ج1/ص644 (إنما نزلت في الرجل يظلم الرجل فيجوز للمظلوم أن يذكره بما ظلمه فيه لا يزيد عليه) ونقل عن ابن عباس أيضا أن المراد الجهر بالدعاء على الظالم, ولا تعارض بين القولين، فكلا الأمرين جائز.
وقد روى مسلم (2587) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المستبَّان ما قالا، فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم".
وروى أبو داود (5153) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، فقال: "اذهب فاصبر". فأتاه مرتين أو ثلاثا، فقال: "اذهب فاطرح متاعك في الطريق". فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه، فعل الله به وفعل وفعل. فجاء إليه جاره، فقال له: ارجع، لا ترى مني شيئاً تكرهه.
وفي سنن أبي داود أيضا (1497) عن عائشة رضي الله عنها قالت: سُرِقت ملحفة لها فجعلت تدعو على من سرقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبخي عنه" أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه.
وروى أبو داود أيضا (3628) عن عمرو بن الشريد عن أبيه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَيُّ الواجد ظلم يحلّ عرضه وعقوبته" قال ابن المبارك –أحد رواه الحديث-: يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس. ومعنى لَيُّ الواجد: أي مماطلة الغني الموسر بما عليه من دين.
إذًا فمن وقع عليه ظلم من شخص، جاز له أن يتكلم في من ظلمه بقدر مظلمته دون افتراء. فإن افترى وزاد فعليه عقوبة الزيادة.
وقال أبو بكر ابن العربي -في أحكام القرآن-: قال علماؤنا: وهذا إنما يكون إذا استوت المنازل أو تقاربت. فأما إذا تفاوتت فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غصب، وهذا صحيح وعليه تدل الآثار.
ولم يظهر لي صحة ما قال ابن العربي رحمه الله، فإن الآية مطلقة في كل من وقع عليه الظلم. ولم أجد من الآثار ما يجعل للفضلاء خاصية في هذا الأمر تمنع العامة من الانتصار منهم إذا ظلموهم.
لكن إذا كان هذا الانتصار يؤدي إلى مفسدة أعظم تعود على المظلوم أو الأمة؛ كما إذا كان الظالم من الحكام الذين قد يؤدي الجهر لهم بالسوء من القول إلى مضرة عظيمة، تلحق المظلوم أكثر مما سبق ووقع عليه، أو يوقع الحديث عنه بلبلة في المجتمع توصل إلى الفتنة فإن المنع من الجهر له بالسوء متجه لا لفضله ووجاهته، بل باعتبار أن جلب المصالح مقدم على درء المفاسد.
الأمر الآخر في السؤال: هل هذا الانتصار والجهر بالمظلمة والبكاء مناف للصبر؟ فالجواب: أن الانتصار من الظالم بالجهر بظلمه قد يكون من الأمور المندوب إليها إذا ترتب عليه إنكار منكر، أو الحد من تعدي ظلم هذا الظالم إلى الغير، أو رجوع هذا الظالم عن ظلمه والتزامه الطريق المستقيم. كما أن السكوت عن الظلم وعدم ذكره قد يكون من المحرمات إذا ترتب عليه تجاوز الظالم وجرأته وتماديه في الباطل.
بل قد يكون الجهر بالمظلمة من الجهاد إذا كان الظالم من أهل القوة، وترتب على الجهر بظلمه كفه عن الناس.
إذاً فليس ترك الجهر بالظلم صبرا على كل حال.
أما متى يكون ترك الجهر صبرا فذلك إذا كان الظالم من أهل الخير والصلاح، ووقع منه الظلم دون قصد وتربص، كالقاضي الذي يظلم خصما دون أن يقصد ظلمه، بل لعدم اكتمال الحجة لديه. أو كان الجهر يؤدي إلى مفسدة أعظم؛ كما لو كان الظالم سلطانا، وكان في الجهر بظلمه تحريض على الفتنة. وهذه أمور تقدر بزمانها ومكانها.
ولا ينافي الصبر البكاء من ألم الظلم دون تسخط على قضاء الله وقدره. فإن البكاء عاطفة أوجدها الله في الإنسان، وفي بثها دون مبالغة أو تسخط مصلحة تعود على بدن الإنسان ونفسه.
هذا والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ