إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان أحاديث الذّكْـر عند الإفطار
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 10 رمضان 1422 الموافق 25 نوفمبر 2001
السؤال
ما صحة الأحاديث الواردة في الأذكار المستحبة عند الفطر ؟
الجواب
وقفت على جملة من الأحاديث ورد فيها أذكار خاصة تقال عند الفطر ، وهي كما يلي :

1- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- الذي أخرجه (ابن ماجة 1/557)، باب في الصائم لا ترد دعوته ح(1753) من طريق إسحاق بن عبيد الله المدني ، قال : سمعت عبد الله بن أبي مليكة يقول : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد " .
قال ابن أبي مليكة : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : (اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ).
والحديث مداره على إسحاق بن عبيدالله المدني : هو إسحاق بن عبدالله بن أبي مليكة التيمي .
هذا هو الأرجح في ترجمة هذا الراوي ، وهذا هو الذي اختاره الأئمة البخاري، وأبوحاتم ، وأبو زرعة، وابن أبي حاتم ، والمزي ، والذهبي ، بينما ذهب ابن عساكر ، وتبعه مغلطاي ، وابن حجر إلى أن الراوي هنا هو : إسحاق بن عبيدالله بن أبي المهاجر .
وعلى كل حال فكلا الرجلين في عداد المجاهيل ، وقد قال الذهبي عن إسحاق بن عبيدالله المدني : "مقبول" ، وقال ابن حجر : "مجهول الحال" .
ينظر : (التاريخ الكبير 1/398)، (الجرح والتعديل 2/228)، (تهذيب الكمال 2/456) (الكاشف 1/237)، تهذيب التهذيب 1/220، التقريب /102.

تخريجه :
* أخرجه الحاكم 1/422 ، والبيهقي في " فضائل الأوقات " (300) ح(142) من طريق إسحاق به بنحوه.
* وأخرجه أبوداود الطيالسي، عن أبي محمد المليكي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده بلفظ :" للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة، فكان عبدالله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده، ودعا" .
الحكم عليه :

إسناد ابن ماجه متصل، ورجاله ثقات ، سوى إسحاق بن عبيدالله ، فإنه مجهول الحال، ولذا فإن قول البوصيري في "المصباح" 1/310، وفي "إتحاف الخيرة" 3/443 : "إسناده صحيح" فيه نظر ، والسبب في تصحيحه للإسناد هو أنه ظن أن إسحاق بن عبيدالله بن الحارث الذي وثقه أبو زرعة ، وقال النسائي فيه : لابأس به ، كما نقل هو ذلك في كلامه ، وليس الأمر كذلك ، بل الراوي هو إسحاق بن عبيدالله بن أبي مليكة كما تقدم بيان ذلك .
وأما الطريق التي رواها أبوداود الطيالسي فهي عن أبي محمد المليكي ، ولم أظفر لهذا الرجل بترجمة ـ بعد البحث ـ فلا يحكم لهذه المتابعة بشيء حتى يعرف حاله ، وعليه فهو طريق ضعيف ، لاسيما وقد تفرد به عن عمرو بن شعيب مع كثرة أصحابه ، إذْ لم أقف ـ بعد البحث ـ على متابعٍ له .
وقد ضعَّف حديث الباب جماعة من أهل العلم ، ومنهم :
المنذري في "الترغيب والترهيب" 2/89، وأشار ابن القيم إلى ضعفه بقوله في "الزاد" 2/52 : "ويُذكر عنه ..." ثم ذكره ، فصدّره بصيغة التمريض ، وقد حسن الحديث الحافظ ابن حجر ـ كما في الفتوحات الربانية" لابن علان 4/342.
2- حديث ابن عمر -رضي الله عنه- :
أخرجه أبو داود 2/765 باب القول عند الإفطار ح ( 2357 ) من طريق مروان ـ يعني ابن سالم المقفع ـ قال : رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع مازاد على الكف ، وقال : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-; إذا أفطر قال : " ذهب الظمأ وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله " .
والحديث مداره على مروان بن سالم المفقّع : بفاء ثم قاف ثقيلة ، كذا ضبطه ابن حجر في التقريب عند ذكر اسمه ، وفي تهذيب التهذيب ، وفي الألقاب من التقريب بـ ( المقفع ) قاف ثم فاء .وفي النـزهة ضبطه بـ ( المقنع ) قاف ثم نون ، وهو كذلك في المستدرك للحاكم.
والذي في سنن أبي داود، والسنن الكبرى للنسائي، وسنن الدارقطني ، وسنن البيهقي، وتحفة الإشراف ، وتهذيب الكمال ، ورد بقاف ثم فاء. والله أعلم.
ذكره ابن حبان في الثقات ، ولذا قال الذهبي : " وثق " ، والحافظ ابن حجر " مقبول " .
ينظر : السنن الكبرى للنسائي 2/255، 6/82 ،سنن الدارقطني 2/146 ،مستدرك الحاكم 1/422 ، سنن البيهقي 4/239 ، تهذيب الكمال 27/390 ، تحفة الأشراف 6/46، الكاشف 2/253، التقريب/526،725 ، نزهة الألباب 2/191،92.
تخريجه :

*أخرجه النسائي في " الكبرى " 2/255 باب ما يقول إذا أفطر ح (3329)، وفي 6/82 كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا أفطر ح (10131) ، والدارقطني 2/146 ح ( 2256 ) ، والحاكم 1/422 ،والبيهقي 4/239 من طرق عن علي بن الحسن بن شقيق به بنحوه .
وإسناده ضعيف من أجل مروان المقفع ، فإنه في عداد المجاهيل ، وقد قال الدارقطني عقب إخراج الحديث : " تفرد به الحسين بن واقد ، وإسناده حسن " ا هـ ، وصححه الحاكم .
ونقل المزي في تهذيب الكمال 27/391 عن ابن منده أنه قال : "هذا حديث غريب ،لم نكتبه إلا من حديث الحسين بن واقد " .
وقد تقدم في ترجمة الحسين أن له أوهاماً في حديثه ، فلعل هذا منها ، ويؤيد هذا كلام الإمامين الدارقطني ، وابن منده اللذين نصّا على تفرد الحسين به . والله أعلم.
ولم أقف – بعد البحث – على شواهد لحديث الباب المرفوع الذي فيه الدعاء عند الإفطار ، إلاّ أن البيهقي في شعب الإيمان 3/407 روى من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع قال ابن عمر : كان يقال إن لكل مؤمن دعوة مستجابة عند إفطاره إما أن يعجل له في دنياه أو يدخر له في آخرته ، قال : فكان ابن عمر –رضي الله عنهما- يقول عند إفطاره: يا واسع المغفرة اغفر لي .
وفي إسناده محمد بن يزيد بن خنيس – الراوي عن ابن أبي رواد – قال عنه أبو حاتم الرازي لما سئل : كان شيخاً صالحاً ،كتبنا عنه بمكة ، وكان ممتنعاً من التحديث، أدخلنا عليه ابنه ، قال ابن أبي حاتم ، فقيل لأبي فما قولك فيه ؟ قال : ثقة ـ كما في الجرح 8/127 – وقال ابن حبان : كان من خير الناس ، ربما أخطأ ، يجب أن يعتبر بحديثه ، إذا بيّن السماع في خبره – كما في (تهذيب الكمال 27/17) وهو هنا لم يبين السماع بل قال : قال عبد العزيز بن أبي روّاد . وقال الذهبي : "هو وسط" كما في (الميزان 4/68) .
وفي الإسناد أيضاً ابن أبي روّاد ، وهو صدوق عابد ربما وهم ـ كما في التقريب(357) ، وهو مع هذا تفرّد به عن نافع ، إذْ لم أقف على من تابعه ، وقد تكلم فيه بعض النقاد بخصوص روايته عن نافع ، فقال ابن حبان في ( المجروحين 2/136) : " وكان ممن غلب عليه التقشف حتى كان لا يدري ما يحدث به ، فروى عن نافع أشياء ، لا يشكّ مَن الحديثُ صناعته إذا سمعها، أنها موضوعة ، كان يحدث بها توهماً لا تعمداً .. " ، ثم ذكر ابن حبان بعد ذلك أنه روى نسخة موضوعة لا يحل ذكرها إلاّ على سبيل الاعتبار .
3 – عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أفطر قال: بسم الله ، اللهم لك صمت ، وعلى رزقك أفطرت ".
أخرجه الطبراني في ( الأوسط 7/347) ح ( 7549 ) ، وفي (الصغير 2/51) من طريق داود بن الزبرقان ، عن شعبة ،عن ثابت ، عن أنس فذكره .
وفي الإسناد علتان وهما :
الأولى :داود بن الزبرقان ، وهو متروك الحديث ، كما في التقريب(198) .
الثانية : أنه على ضعفه الشديد، تفرد به عن شعبة، كما قاله الطبراني في الموضعين السابقين، ولذلك قال ابن حجر في (التلخيص 2/202) : " بسند ضعيف " ا هـ، وهو دون ذلك بكثير، والله أعلم .
4 – عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال:كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أفطر قال :" لك صمت وعلى رزقك أفطرت ، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم " .
أخرجه الطبراني في (الكبير 12/146) ح (12720)،و(الدارقطني 2/147)ح ( 2257 ) من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس .
وعبد الملك هذا قال عنه ابن معين والأزدي : كذاب ، وقال أبو حاتم : متروك ذاهب الحديث ، وقال ابن حبان : يضع الحديث ، كما في (الميزان 2/666) .
وفي الباب أيضاً آثار عن بعض السلف في الدعاء عند الصوم ومنها :
أثر الربيع بن خثيم ، وهو ثقة عابد مخضرم ـ كما في التقريب (206) ـ فقد كان يقول : " الحمد لله الذي أعانني فصمت ، ورزقني فأفطرت " .
أخرجه ابن فضيل في كتاب "الدعاء" (238)رقم ( 67 ) ، وعنه ابن أبي شيبة (2/344)ح(9744) عن حصين بن عبد الرحمن السلمي قال :كان الربيع بن خثيم يقول : فذكره . والله أعلم .
وبعد : فإن هذه الأحاديث ـ كما يلاحظ القارئ الفاضل ـ منها ما ضعفه يسير ، بل حسّنه بعض أهل العلم ، ومنها ما هو دون ذلك ، ومجموعها مع اختلاف مخارجها ،يدل -بلا ريب- مع دلالة القرآن كما سيأتي على مشروعية الدعاء في هذه المواطن الشريفة .
والدعاء -كما هو معلوم- مشروع في كل وقت ، فكيف بالأزمنة والأمكنة الفاضلة ؟ هي بلا شك أولى وأحرى ؛ لكونها مظنة الإجابة .
ولله درّ الحافظ ابن كثير -رحمه الله- حين قال عند تفسير قوله –تعالى- : "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان "[البقرة : 186] ـ (1/208):
" وفي ذكره –تعالى- هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر ،كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده ..." ثم ذكر جملة من الأحاديث السابقة .

إرسال إلى صديق طباعة حفظ