إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان القصص والروايات!
المجيب
د. أحمد محمد الدغشي
عضو هيئة التدريس بجامعة صنعاء
التاريخ الاثنين 18 رجب 1429 الموافق 21 يوليو 2008
السؤال

ما حكم الإسلام في القصص والحكايات؟ ألا يعدُّ التأليف في هذه المجالات نوعاً من الكذب والخداع؟.
وما حكم التمثيل؟ ألا يدخل أيضا في دائرة الكذب والخداع؟ ألا يدخل في دائرة الحديث "ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له ويل له"؟.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقبل الجواب المباشر لابد من التأكيد على أن الفتاوى التي تتصل بهذ الباب -باب الفنون بأنواعها تأليف الروايات الخيالية أو التمثيل- قد تكون متأثرة غالبا بالفتن والمحن التي لحقت بالمسلمين -ولا تزال -، ولذلك لا غرابة أن تتأثر بعض تلك الفتاوى بمثل تلك الأجواء، فتأتي مشددة وربما محرِّمة، غير أن التحقيق في هذا الأمر يبيّن أن ذلك الاتجاه ليس الاتجاه الصائب أيّا كانت مبرراته، ذلك أن الثابت أن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلّم- قد مارس اللهو البريء، والدعابة الجميلة، كما قصَّ على الصحابة وبعض أزواجه قصصا وحكايات، غاية ما فيها أنها صحيحة وصادقة، وهذا ما لا أحسب أن إشكالاً فيه لديك -أخي الكريم- وإنما الإشكال في القصص والحكايات غير الصحيحة، وهنا أقول: الأمر يحتاج إلى تفصيل، فإذا كان ما يقدّم في شكل حكايات وقصص أو تمثيليات يهدف إلى التسلية بلا قيود أو ضوابط أو التهويل المبالغ فيه، ويحوي إلى جانب ذلك معاني غير مشروعة كالسخرية والتنابز أو الاستهزاء، أو الترويج للفاحشة، أو الاستهانة بالأخلاق، أو الدعوة إلى تجاوز حدود الله، ورعاية حرماته ونحو ذلك، إلى جانب أن بعضه يكتب أو يقدّم باللهجات العامية، فلا شك في حرمة ذلك وما في حكمه، سواء أتى في قالب فني أم في أية صورة من الصور.
أما ما جاء بهدف إحياء الفضيلة والدعوة إلى الاستمساك بالقيم النبيلة ونحو ذلك فلا حرج من تأليفه وحكايته، حتى وإن كان لم يتم على الحقيقة.
ومما ينبغي أن يُعلم أن مثل هذا الفن ليس جديداً بالكلية، فلقد عرف المسلمون في تاريخ القصص والحكايات: (رسالة الغفران)، (وألف ليلة وليلة)، وترجموا (كليلة ودمنة)، كما ألّف المتأخرون قصة (عنترة بن شداد)، و(سيف بن ذي يزن)، و(سيرة بني هلال)....إلخ، ولم نسمع تشنيعا عليها بالمطلق، مع إدراكنا أنها لاتخلو من غرائب وعجائب لا يقبلها شرع ولا عقل. لكن لا يُعقل أن يشغب القليل منها على الكل، أو أن يقضي على أصل المبدأ وهو فن الرواية والقصة أو تمثيل ذلك .ولو أخذنا بهذه القاعدة ما بقي لنا من كتاب -بصورة عامة خلا القرآن الكريم-لم يسلم من التضعيف والتوهين والرد.
والحديث الذي أشرتم إليه :"ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم, ويل له ويل له" فقد رواه أبو داود (4990) والترمذي (2315) وحسّنه، عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو إنما ينطبق على الصنف الأول الذي أشرنا إلى حُرمته والتحذير منه. أما أن يفهم على مطلق الكذب فذلك بعيد قطعا. أرأيت إلى الحوار الذي جرى بين سليمان -عليه السلام- وبين النملة أو الهدهد -كما أثبت ذلك القرآن الكريم في سورة النمل- فقطعا لم يكن ذلك -ولا ما في حكمه- بلسان عربي مبين، وإنما نقلت إلينا الحادثة بما يفيد حصول الحادثة. وكذا ما يحكى عن الحيوانات والطيور العجماوات والجمادات، فلا يزال الناس-بما فيهم العلماء والوعَّاظ والدعاة- يتناقلون ذلك بلا أدنى حرج، ذلك أن همهم أخذ المقصد النبيل المفيد منه، دون أن يتبادر إلى ذهن أحد أن ذلك قد حدث بالفعل. ومن حديث الحيوانات قولهم -على لسان الثور الأسود-: "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"، وعن الطيور قول العصفور لأخيه الذي أشفق على الصياد حين رأى الدمع يذرف من عينيه، وفي يديه بندقية صيده في يوم شاتٍ: "لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى فعل يديه"، وعن الجمادات قول الجدار للمسمار: "لِمَ تطرقني؟ قال المسمار: بل سل من يدقني". وهكذا.. لا حرج -إن شاء الله- في هذا اللون من التأليف على هذا النحو..


إرسال إلى صديق طباعة حفظ