إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل سُحر النبي صلى الله عليه وسلم
المجيب
د. أحمد بن محمد الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإٌسلامية
التاريخ الاحد 03 ذو الحجة 1427 الموافق 24 ديسمبر 2006
السؤال

إن أحد أصدقائي ينكر أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تأثر بسحر الكفار. (وكما نعلم فإن سورة الفلق والناس قد أنزلتا لهذا السبب). ولكنه أنكر وذكر المرجع من سورة الفرقان الآية التالية: "أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا" "انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا".

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فثبت أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قد سحر، والذي سحره رجل يقال له: لبيد بن الأعصم، فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: سحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، رجلٌ من بني زريق يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم –أو ذات ليلة- وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: "يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتأني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال: أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان" فأتاها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في ناس من أصحابه، فجاء فقال: "يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين" قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ فقال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أثوِّر على الناس فيه شرًّا فأمر بها فدفنت" صحيح البخاري (5763)، وصحيح مسلم (2189).
وفي رواية للبخاري (5765) عن عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يُرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، قال سفيان بن عيننة أحد رواة الحديث: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا.
ولا يتعارض هذا مع نعي القرآن على المشركين نسبتهم السحر إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- في قول الله تعالى: "وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا" [الفرقان:8-9].
لأن المشركين أرادوا بقولهم "إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً" أن ما جاء به من الوحي والرسالة ما هو إلا خيال مسحور. فغرضهم هو إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم، ولم ينسبوا السحر إليه في أمور الدنيا. والذي ثبت في السنة من السحر هو في أمور الدنيا ولا تعلق له بأمور الوحي والرسالة فلم يكن هناك تعارض. قال القاضي عياض: "فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده".
فالنبي –صلى الله عليه وسلم- له اعتباران: اعتبار كونه بشراً، واعتبار كونه رسولاً. فبالاعتبار الأول يجوز عليه ما يجوز على سائر البشر، ومنه أن يسحر. وبالاعتبار الثاني: لا يجوز أن يقع عليه ما يخل بالرسالة لكونه معصوماً.
وقد أنكر واقعة سحر النبي –صلى الله عليه وسلم- بعض الفرق المبتدعة كالمعتزلة ومن تأثر بهم وردوا الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك. وهذا مسلك خاطئ فإنه لا تعارض أصلاً بين صحيح السنة وصريح القرآن.
وذكر ابن القيم رحمه الله الأحاديث الدالة على سحر النبي –صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب.. (إلى أن قال) والسحر الذي أصابه كان مرضاً من الأمراض عارضاً شفاه الله منه، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما، فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء، فقد أغمي عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه، ووقع حين انفكت قدمه، وجحش شقُّه (أي انخدش) وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته، ونيل كرامته.
وأشد الناس بلاءً الأنبياء، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس، فليس ببدع أن يبتلى النبي –صلى الله عليه وسلم- من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلي بالذي رماه فشجه، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السلا وهو ساجد، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم، وعلو درجاتهم عند الله". ا.هـ.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ