إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان صحة حديث: آيتان "ما أذنب عبد فقرأهما إلا غفر له"
المجيب
د. محمد بن إبراهيم السعيدي
رئيس قسم الدراسات الإسلامية في كلية المعلمين بمكة
التاريخ الاحد 02 محرم 1428 الموافق 21 يناير 2007
السؤال

أرجو توضيح هذا الحديث في كتاب فتح القدير سوره آل عمران.. أخرج سعيد بن منصور وأبن أبي شيبة عن ابن مسعود، قال: "إن في كتاب الله لآيتين ما أذنب عبد ذنبًا فقرأهما فاستغفر الله إلا غفر له"، "والذين إذا فعلوا فاحشة" الآية، "ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه" [النساء:110]. وأخرج الحاكم والترمذي عن عاطف بن خالد قال: بلغني أنه لما نزل قوله تعالي: "ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرُّوا علي ما فعلوا" صاح إبليس بجنوده، وجثا علي رأسه التراب إلى آخر الحديث.. وكذلك أخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له"، ثم قرأ هذه الآية "والذين إذا فعلوا فاحشة..." فما مدى صحة تلك الأحاديث؟

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
أما الحديث الأول فقد رواه سعيد بن منصور، وصحح سنده (3/ 1090) كما ذكره الهيثمي رحمه الله، وقال رجاله رجال الصحيح , وقد جاء في أحاديث كثيرة أن
الاستغفار كفيل بمحو الذنوب بإذن الله بدلالة هاتين الآيتين. ومن ذلك ما رواه
في سنن أبي داود (2/86) و سنن الترمذي (2/258) و مسند الإمام أحمد بن حنبل (1/8) والبيهقي في السنن الكبرى (6/110) عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت عليا يقول: إني كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل مؤمن يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له" ثم قرأ الآية: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم..." [آل عمران:135]. وهو يدل على فضل الله عز وجل، وسعة رحمته، وسهولة أسباب رحمة الله ومغفرته لمن
وفق إليها.
أما حديث إبليس، وأنه حثا على رأسه التراب ... فقد نسبه السائل في رسالته إلى الحاكم والترمذي، وليس صحيحاً، والصحيح : أن الذي رواه الحكيم الترمذي، كما ذكر ذلك السيوطي في الدر المنثور (2/326) وهو –أي الحكيم الترمذي- محمد بن علي المؤذن المعروف بالحكيم الترمذي من علماء القرن الثالث الهجري، وكانت وفاته أوائل القرن الرابع، ولم يكن مرضي الطريقة في العقيدة، ووهنوه في الحديث لسان الميزان (5/309) وقد وردت أحاديث مسندة عن جزع إبليس من استغفار المؤمنين، منها ما رواه الطبري بسنده، قال في تفسير الطبري (4/96) حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت البناني قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم" بكى:
وهناك روايات كثيرة في هذا تتضافر بمجموعها ولا عجب فيها. فإن إبليس يسوؤه أن يتوب بنو آدم أويغفر الله لهم، كما أن مغفرة الله لعباده وتكفيره الذنوب بالاستغفار ثابت في أحاديث صحيحة، منها ما في صحيح البخاري (5/2323) عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" قال: "ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة".
أما سؤال الأخ عن العمل بهذه الأحاديث فقد تبين للسائل قوة الحديث الأول والثالث، أما الثاني فهو خبر عن إبليس لا يتعلق به عمل العبد.
ومن غير هذه الأحاديث فالاستغفار واجب على المسلمين بنص الكتاب في الآيات التي ذكرها السائل، والأحاديث التي دلت على وجوبه من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم به، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ما جاء في صحيح البخاري (5/2324) قال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ