إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان إسرائيليات كاذبة في حقيقة الشمس والقمر
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الثلاثاء 04 محرم 1428 الموافق 23 يناير 2007
السؤال

هل تعني الآية "وكل في فلك يسبحون" أن كل واحد يسبح في مركبة؟ حيث ذكر ذلك أحد الكتاب في أحد المواقع، وأورد حديثاً من الطبري: "عندما تشرق الشمس على مركبتها في أحد فصول الربيع يرافقها ثلاثمائة وستون ملكاً ناشري أجنحتهم. فعندما يريد الله أن يختبر الشمس والقمر يظهر علامة لخدمه وبتلك الوسيلة؛ من أجل أن يطيعوا فتقع الشمس من على المركبة، وتهوي إلى النهاية العميقة من ذلك المحيط. وعندما يريد الله أن يزيد من معنى الإشارة ويخيف خدمه بشدة، فالشمس تهوي بالكلية، ولا يبقى منها شيء على المركبة.فذلك هو الكسوف الكامل للشمس" فهل هذا الحديث ضعيف أم موضوع؟ كما أنه يورد كثيراً من الأحاديث من الطبري، وكلها غريبة (مثلا الأرض تغرب في الشمس, أنهار بين الجنان, مدن في السماء, الخ) فهل يمكن التعليق على الآية المذكورة، وعلى حديث الطبري تعليقاً عاماً؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:
فجوابا على السؤال عن الحديث أن للشمس مركبة يرافقها ثلاثمائة وستون ملكاً، والسؤال عن معنى الآية الكريمة "وكل في فلك يسبحون", أقول مستعينا بالعلي القدير سائله تعالى التوفيق والسداد:
لم ترد الرواية المذكورة في المراجع المعتبرة في الحديث، ولم ترد حتى في تفسير محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ، وإنما في تاريخه المعروف باسم "تاريخ الطبري" أو "تاريخ الأمم والملوك" [تاريخ الأمم والملوك المعروف باسم تاريخ الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي سمة 310 هـ دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1407هـ] وأوردها كذلك أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ الأصبهاني المتوفى سنة 369 هـ في كتابه "العظمة" [كتاب العظمة لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ الأصبهاني المتوفى سنة 369هـ، دار العاصمة الرياض الطبعة الأولى 1408, تحقيق رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري] ويروي مطلعها فزع ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين عندما علم أن كعب الأحبار -وهو من مسلمة أهل الكتاب- يتحدث عن الشمس والقمر بما لا يتفق مع ما يدل عليه القرآن الكريم؛ فقال: "كذب كعب, كذب كعب, كذب كعب -ثلاث مرات- بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام.. قاتل الله هذا الحبر وقبح حبريته، ما أجرأه على الله وأعظم فريته".

ولا يتفق طول الرواية مع سمة حديث من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم في الإيجاز بلا إسهاب، حيث بلغ عدد ألفاظها 2552 لفظا؛ فضلا عما حوت من غرائب ومنكرات تكفى للتحقق بيقين أنها صنعة القصاصين والوضاعين مثل: "خلق الله للشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلاثمائة وستون عروة، ووكَّل بالشمس وعجلتها ثلاثمائة وستين ملكا، ووكَّل بالقمر وعجلته ثلاثمائة وستين ملكا.. وخلق الله بحرا فجرى دون السماء، قائم في الهواء، فتجري الشمس والقمر في ذلك البحر، فذلك قوله تعالى: "كل في فلك يسبحون".
والفلك دوران العجلة في ذلك البحر، فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع. على عجلتها، ومعها ثلاثمائة وستون ملكا ناشري أجنحتهم في الفلك يجرونها..
والذي ترون من خروج الشمس بعد الكسوف (هو) من. ذلك البحر، فإذا أخرجوها. احتملوها حتى يضعوها على العجلة".
قال فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين: "هذا الحديث الطويل مُتَلَقى من الإسرائيليات، أو من وضع القصاص الذين يسردون قصصا طويلة في مواعظهم، فلا يصح.. (و) الأغلب بهذا السياق أنه لم يثبت" [شرح كتاب العظمة المجموعة الثانية لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين] والحديث الموضوع مختلق مكذوب، وهو بالحقيقة ليس بحديث، ولكن الأجلاء سموه حديثاً بالنظر إلى زعم راويه, وكثيراً ما يكون من نسج خياله أو معتقدات الأمم أو آثار الصحابة والتابعين، ويرفعه الواضع زوراً، إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فما هو المصدر الرئيس إذن لخرافة عجلة الشمس؟ إنه من خارج الجزيرة العربية, ففي الأساطير اليونانية القديمة ركب الضوء اللامع (Phaeton) ابن الشمس (Helios) عربة الشمس (Sun-Chariot) وكانت تجرها أربعة خيول, ومع تطور الأسطورة تؤيد الوثائق التوهم بأن الملائكة تقود العربة، ويحمل الشمس في كل يوم ملاك.
وتضيف الموسوعة العالمية الحرة (Wikipedia) قائلة: "أسطورة عجلة الشمس حيث تركب فيها الشمس عجلة (Chariot) ترجع إلى أصول هندية أوروبية )Indo-European(, وهي مثل أسطورة زورق الشمس (Sun Barge) في زمن أقدم" [Wikipedia; Free Encyclopedia].

ووفق الموسوعة العالمية الحرة: "اكتشف مجسد في العام 1902 لعجلة الشمس في مستنقع تروندولم (Trundholm) بمنطقة أودشريد (Odsherred) غرب الدنمرك, وتبين أنه يرجع إلى العصر البرونزي أي منذ حوالي 4000 سنة إلى حوالي 3000 سنة قبل الميلاد, وهو محفوظ اليوم بالمتحف الوطني الدنمركي تحت اسم عجلة الشمس بالدنمركية
(Solvogn)" [Wikipedia; Free Encyclopedia] وهل يليق إذن بمحقق نزيه أن ينسب أصول الأسطورة إلى عصر النبوة الخاتمة في القرن السابع بعد الميلاد متخطيا ما يقارب 6000 سنة إلا أن يكون جاهلاً بالحقيقة أو متجنيًّا بلا دليل!.
والآن تأمل إحدى روائع القرآن بترفعه عن الخرافة والدلالة بتلطف على حقيقة لم تُعرف إلا بعده بأكثر من عشرة قرون, فالفكرة السائدة منذ القدم عند كبار الفلاسفة أن النجوم ثوابت، وترجع حركتها اليومية لحركة مداراتها التي ظنوها أجساما صلبة شفافة ألصقت عليها، وتدور بدورانها النجوم، وأن حركة الكواكب والشمس والقمر ترجع بالمثل لحركة أفلاكها الصلبة الشفافة, ولذا من المدهش قبل عصر الاكتشاف أن يؤكد القرآن الكريم في مواضع عديدة أن الأجرام السماوية هي المتحركة بذاتها، وأن لكل منها فلكاً Orbit يخصه يقطعه في مدة مقدرة؛ يقول العلي القدير: "وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّى" [الرعد:2] ومقام إطلاق القدرة في تقدير حركة كل الأجرام السماوية ناسبه العدول عن التثنية في وصف حركة الشمس والقمر إلى الجمع بلفظ (كُلّ) ليشمل الوصف كل الأجرام, وفي قوله تعالى: "لاَ الشّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الْلّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ وَكُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [يس:40].
قال القرطبي: "(كل) يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب.. (في فلك يسبحون) أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء.. (و) الأفلاك (هي) مجاري النجوم (والكواكب السيارة) والشمس والقمر" [تفسير القرطبي لأبي عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي المتوفى سنة 671 هـ - (ج 11 / ص286)].
وقال القاسمي: "التنوين في لفظ (كُلٌّ) عوض عن الإضافة (للأجرام)، والمعنى كل واحد من (الأجرام كالشمس والقمر) في فلك خاص به يسبح بذاته" [تفسير القاسمي 1/335] وقال ابن عاشور: "المراد تعميم هذا الحكم للشمس والقمر وجميع الأجرام، وهي حقيقة علمية سبق بها القرآن" [تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور الشهير بالطاهر بن عاشور والمتوفى سنة 1393 هـ - تفسير يس 40].


إرسال إلى صديق طباعة حفظ