إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حقيقة السماء!
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ السبت 08 محرم 1428 الموافق 27 يناير 2007
السؤال

ما حقيقة السماء من الناحية الشرعية والعلمية، وهل هي تدور؟!
وهل ذُكر في القرآن أن السماء تدور، وهل اكتشف العلم ذلك أم لا؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:
فجوابا على السؤال حول دلالات لفظ "السماء" لُغويا في القرآن الكريم والحديث والأثر، ومدى تطابق دلالاتها مع الواقع كما كشفه العلم، أقول مستعينا بالعلي القدير، سائله تعالى التوفيق والسداد:
ورد لفظ "سماء" إفراداً وجمعاً في القرآن الكريم غالبا بالتعريف، مما يعني أن الموصوف في كل حالة مشاهد معلوم للأمم, خاصة مع بيان شيوع العلم بتميزه لطبقات على لسان نوح عليه السلام: "أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً" [نوح: 15]. و"مَلَكُوتَ السّمَاوَاتِ" الذي عاينه إبراهيم عليه السلام لم يكن سوى النجوم، وألمع الكواكب بعد الشمس والقمر, وأصل لفظ "السماء" هو "العلاء" بالنسبة للناظر من الأرض, وهو يدل على موجود في العلو، حتى قالوا "هو كل ما علاك فأظلك", وهو يتَّسع ليشمل جملة موجودات تعين إحداها القرائن.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه: "ذكر جماعة من المفسرين.. في هذه الآية: "وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً" [البقرة: 22] أن المراد بالسماء هنا هو السحاب، سمي بذلك لعلوه وارتفاعه فوق الناس, ومن هذا الباب أيضا قوله..: "مَن كَانَ يَظُنّ أَن لّن يَنصُرَهُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السّمَآءِ ثُمّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" [الحج:15]؛.. قال المفسرون معناه فليمدد بسبب إلى ما فوقه من سقف ونحوه، فسماه سماء لعلوه بالنسبة إلى من تحته. ومن هذا الباب قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ" [إبراهيم: 24],.. فقوله هنا (في السماء) أي في العلو, والأدلة في هذا الباب في كلام الله تعالى، وكلام رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكلام المفسرين، وأئمة اللغة على إطلاق لفظ السماء على الشيء المرتفع كثيرة" [مقال لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حول الوصول إلى القمر].
وقد تقدمت المعرفة البشرية لتدرك أن الكواكب أدنى من عوالم تعلوها، انتظمت فيها النجوم بروجا في طبقات متدرجة في البعد، وتوزعت اللبنات في الكون المنظور واحدة ضمن أخرى تعلوها، بحيث يصدق عليها الوصف أيضا بالسبع؛ فوق سماء الكواكب الأدنى، ودون أبعد أجسام ممكنة الرصد والمسماة أشباه النجوم.
(Quasars quasi-stellar radio source) تتدرج البروج من تجمع نجمي محلي Local Cluster ضمن تجمع أكبر Super-Cluster داخل المجرة إلى تجمع مجري محلي ضمن تجمع أكبر, وكل جرم يدور في فلك أي مدار في تلك الأحياز المتداخلة التي تماثل "طرائق" أو "معارج" متدرجة في العلو.
ومع اكتشاف الحقائق المستورة خاصة في القرون الثلاثة الأخيرة تعجب أن تجد نفس الأوصاف في القرآن الكريم قبل أكثر من عشرة قرون في روائع تصويرية بالغة الدقة, فتوزع الأجرام بانتظام في طبقات يجعل المساحات الشاسعة التي تمضي فيها فوقنا، ويصلح تسميتها سماوات أيضا طبقات، ويجعل أفلاكها أي مداراتها محلا كالطرائق، وليست أجساما صلبة تدور ثبتت عليها الأجرام كما اعتقد سابقا, يقول العلي القدير: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ" [المؤمنون: 17]. قال ابن جزي: "يعني الأفلاك لأنها طرق" [تفسير التسهيل لابن جزي محمد بن أحمد بن محمد الغرناطي الكلبي المتوفى سنة 741هـ دار الكتاب العربي لبنان 1403 هـ -1983- (ج 2/ص240)]. وقال ابن عاشور: "وطرائق جمع طريقة.. وهي الطريق.. شبه بها أفلاك الكواكب" [تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن محمد بن عاشور الشهير بالطاهر بن عاشور والمتوفى سنة 1393 هـ - (ج 15/ص361)]. والتشبيه بالطرائق يعني أن كل الأجرام تتحرك, قال تعالى: "كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [الأنبياء:33]. [ويس:40] و"كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّى" [فاطر:13] [والزمر: 5], و"كُلّ يَجْرِيَ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى" [لقمان: 29]. قال القرطبي: "(كل) يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب.. (في فلك يسبحون) أي يجرون.. وقال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم (والكواكب) والشمس والقمر" [تفسير القرطبي لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي المتوفى سنة 671 هـ - (ج11/ص 286)].
وفي قوله تعالى: "لاَ الشّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الْلّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ وَكُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [يس:40]؛ قال القاسمي: "التنوين في لفظ (كُلٌّ) عوض عن الإضافة (للأجرام)، والمعنى كل واحد من (الأجرام كالشمس والقمر) في فلك خاص به يسبح بذاته" [تفسير القاسمي1/335]. وقال ابن عاشور: "المراد تعميم هذا الحكم للشمس والقمر وجميع الأجرام، وهي حقيقة علمية سبق بها القرآن" [تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور الشهير بالطاهر بن عاشور والمتوفى سنة 1393هـ تفسير يس:40]. ويعاين البشر آيات السماوات كالشمس والقمر تتحرك، ولكن القرآن يجعل سكون الأرض نسبيًّا دالاً على حركتيها اليومية والسنوية؛ ببيان أنهم هم الذين يمرون على آيات السماوات وهم على ظهرها، كما يمرون على آيات الأرض وهم على ظهر المركوبات ولا يعتبرون, يقول تعالى: "وَكَأَيّن مّن آيَةٍ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ" [يوسف: 105].
وقوله تعالى "قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ" [يونس:101]؛ لم يوجِّه النظر للسماوات ذاتها، وإنما إلى ما فيها، مما يعني أنها محل، وأن بروج الأجرام التي تزينها ممكنة الرؤية, ومثله قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ" [الأعراف: 185]. قال الألوسي: "أجمعوا أن السموات التي هي الأفلاك لا ترى لأنها شفافة.. لا تحجب الأبصار عن رؤية ما وراءها من الكواكب" [تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمود ابن عبد الله الحسيني الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ - (ج 9 / ص 178)].
وقال ابن عاشور: (قد عدَّ الله تعالى السماوات سبعاً، وهو أعلم بها وبالمراد منها، إلا أن الظاهر الذي دلَّت عليه القواعد العلمية أن المراد من السماوات الأجرام العلوية العظيمة (بآفاقها أو أفلاكها).. ويدل على ذلك أمور:
أحدها: أن السماوات ذكرت في غالب مواضع القرآن مع ذكر الأرض، فدلَّ على أنها عوالم كالعالم الأرضي..
ثانيها: أنها ذكرت مع الأرض من حيث أنها أدلة على بديع صنع الله تعالى، فناسب أن يكون تفسيرها تلك الأجرام المشاهدة (بآفاقها أو أفلاكها)" [تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور الشهير بالطاهر بن عاشور والمتوفى سنة 1393 هـ -(ج1/ص203)].
وفي قوله تعالى: "تَنزِيلاً مّمّنْ خَلَق الأرْضَ وَالسّمَاوَاتِ الْعُلَى. الرّحْمَـَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىَ. لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثّرَىَ" [طه: 4-6]؛ لفظ (الْعُلَى) جمع العليا تأنيث (الأعلى) فأفاد وجود غيرها تماثلها في طبقية التكوين، وهو ما يتفق مع تشكل الفضاء إلى طبقات تميزها بروج الأجرام، وتشكل الجو كالأرض بالمثل إلى طبقات, وفي قوله تعالى: "إِنّا زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ" [الصافات:6]؛ لفظ (الدنيا) تأنيث (الأدنى) وهو من (الدنو) بمعنى الأقرب، أو من (الدناءة) بمعنى الأسفل بالنسبة لغيرها، ولذا يدل تعبير (السماء الدنيا) هنا على الطبقة الأقرب والأسفل من آفاق الأجرام.
وفي الأفق الأقرب تتوهَّج الشهب في الجو كالمصابيح، كما في قوله تعالى: "وَزَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ" [فصلت:12], وهي تمثل خطراً على كل عابر، كما في قوله تعالى: "وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ" [الملك:5], وجزم القرآن الكريم بأن ما تُرْجَم به الشياطين هو الشهب يقطع بنفي وصف الكون المنظور أجمعه أنه (السماء الدنيا), والقول إذن بأن السماوات الست الباقية كلها غيبية لا ترى يخالف صريح القرآن في إمكان النظر إلى كل السماوات، وبهذا يمكن حمل تعبير (السماء الدنيا) على الجو عند الإطلاق وعلى الأفق الأدنى من آفاق الأجرام عند التخصيص بالكواكب, ومرد الإشكال إلى الفهم بأن الشهب المعبر عنها في الآيتين الكريمتين تشبيها بلفظ (مصابيح) لتوهجها نتيجة الاحتكاك بالهواء هي النجوم الثوابت، ولكن المحققين قد دفعوا هذا الوهم، وقالوا بأن النجوم ثوابت في مواقعها لا ينقص عددها، وإنما المراد هو الشهب دونها كما هو صريح القرآن الكريم, قال الألوسي: "وإطلاق الرجوم على النجوم، وقولهم رمى بالنجم يحتمل أن يكون مبنياً على الظاهر للرائي، كما في قوله تعالى في الشمس: "تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ", وهذه الشهب ليست هي الثوابت، وإلا لظهر نقصان كثير في أعدادها، بل هي جنس آخر غيرها يحدثها الله تعالى، ويجعلها رجوما للشياطين, ولا يأباه قوله تعالى: "وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَاءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ"؛ حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها, لأنا نقول كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض.. والشهب من هذا القسم، وحينئذ يزول الإشكال" [تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمود ابن عبد الله الحسيني الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ - (ج 9/ص466)].
هكذا يجد المتأمل في نظم الكتاب العزيز نمطاً فريداً يطابق الواقع تماما, ولما كانت معرفة الناس بالواقع متباينة جاء التعبير غالبا بالتعميم كلفظ (السماء) وعينت القرائن الدلالة, وفي الجملة يجب على كل ناظر أن يعي بأسلوب الكتاب العزيز في البيان، وكل من يتلمس مطعناً يعلن عن جهله ببالغ إحكامه وبلاغته، حيث يتوهم دلالة يحاكمه بها، ولا يحاكم إلا ما توهم, ويزول عجبك مما كشفه القرآن من حقائق ظلت بعده مستورة عدة قرون عندما تعلم أنه تحقيق لوعد يعلنه بجلاء قوله تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" [فصلت:53].


إرسال إلى صديق طباعة حفظ