إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الاقتراض الربوي لرفع البطالة
المجيب
د. عبدالقادر جعفر جعفر
أستاذ مشارك في الاقتصاد الإسلامي بالجزائر
التاريخ السبت 05 ربيع الأول 1428 الموافق 24 مارس 2007
السؤال

هل الاقتراض من البنك الربوي لعمل مشروع صغير لتفادي البطالة حرام؟ مع العلم أنه لا يوجد حل آخر.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، و بعد:
أيها الأخ الكريم:
بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً على اهتمامك بدينك، ونسأل الله أن يحفظك ويرعاك.
أما الاقتراض بالربا فتحريمه معلوم من الدين بالضرورة، والأدلة على ذلك كثيرة ومعلومة.
غير أن غياب تطبيق الشريعة تطبيقاً حقيقياًّ في معظم بلاد العالم، وما اصطبغت به القوانين الحاكمة لمعاملات الناس عامة والمالية خاصة من المخالفات الشرعية، أوقع المسلمين الحريصين على التمسك بدينهم في وضع صعب، بل تجد إباء إلا أن تكون تلك المعاملات محرمة أو ملوثة بالحرام مع قدرة المعنيين بالتقنين على جعلها متوافقة مع الشريعة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعليه وجد المسلمون الحريصون على دينهم أنفسهم بين أمرين أحلاهما مرّ: إما البقاء على حال الفقر، وكاد الفقر أن يكون كفرا، وما يترتب عنه من آثار ضارة في الدين والدينا، أو الانغماس في معاملات ربوية تجلب اللعنة والطرد من رحمة الله.
هذا الوضع دفع المسلمين إلى البحث عن الرخص، وتوالت هذه الرخص حتى فتح بابها على مصراعيه، وتكاد الأسئلة الواردة من الناس ألا تكون إلا سؤالا عن رخصة، ومعلوم أن شيوع الرخصة ربما حولها إلى عزائم وأصول ينكر على من يخالفها.
وإن أصعب ما في أمر الرخصة هو وجود سببها المعتبر شرعا، وأكثر الأسباب هو الضرورة، وأخطر ما في أمر الضرورة هو تقديرها، ومدى امتلاك الواقع فيها القدرة على الالتزام بضوابطها.
فما أحرج وضع المفتي في مثل هذه القضايا، وهو لا يقدر غالبا أن يقدّر تلك الضرورة، ولا أن يعرف مستوى تديّن السائل، إلا أن يكون ذا صلة وثيقة بالسائل وأحواله، من جهة، وهو يرى من جهة أخرى قوانين معظم البلاد الإسلامية تخالف الشريعة، وكيف أنها قيدت معاملات الناس، حتى فيما عرف عبر التاريخ أنه كان يتم بين اثنين بكل حرية واختيار غير رقابة الحسبة.
واعلم أخي بأن أكثر ما كان يخشاه المسلمون ولا يزالون يخشونه هو الربا، لقول الله تبارك وتعالى: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ" [البقرة:275-276]
ولما رواه مسلم (1598) عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه, وقال: "هم سواء". وأجمعت الأمة على أصل تحريم الربا. فلا يجوز الاقتراض بفوائد ربوية؛ لأن هذا المال لا خير فيه ولا نفع.
ومع إدراكنا لصعوبة وضعك أنت و أمثالك فإننا ننصحك –يا أخي الكريم- بأن تصبر ما استطعت، وأن تتّقي الله تعالى أكثر ليجعل لك مخرجا، قال عز وجل: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً".[التحريم: الآيتان:2و3].
فقد بيّن الله تعالى أن المتقي يدفع الله عنه المضرة بما يجعله له من المخرج، ويجلب له من المنفعة بما ييسره له من الرزق، ولا يكون رزقه إلا طيبا، وبأسباب حلال.
ونرجو ألا تعدم سبيلا في البحث عن سبب حلال لعيشك، ولو أن يكون أقل ضررا من الربا وشروره، وأهل العلم في بلدك يساعدونك في ذلك بإذن الله تعالى.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ