إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان سب أبي سفيان هل هو نفاق؟
المجيب
د.سليمان بن محمد الدبيخي
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين - حائل
التاريخ الثلاثاء 22 ربيع الأول 1428 الموافق 10 إبريل 2007
السؤال

أود الاستفسار عن موضوع تناقلته بعض المصادر عن أبي سفيان بن حرب –رضي الله عنه- أنه قال: "يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان (الله يعلم بما يحلف!!) ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة، وتلقفونها تلقف الكرة، فو الله ما من جنة ولا نار". ..
فهل يجوز اتهام أبي سفيان بالنفاق، وهل ما نُقِل عنه صحيح؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فمحبة الصحابة وتوقيرهم والدعاء لهم، والتحذير من سبهم والطعن فيهم أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، دوَّنوه في كتبهم، وضمنوه عقائدهم، وتواصوا به فيما بينهم، كيف لا وهم حملة الدين، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، الذين رأوه وآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، فمحبتهم والذب عن أعراضهم دين وإيمان، والطعن فيهم والنيل منهم كفر ونفاق، بل هو طعن في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، لأنهم هم الناقلون لهما، فالقدح فيهم يؤدي إلى إبطال الكتاب والسنة.
قال السمعاني كما في الفتح (4/365): التعرض إلى جانب الصحابة، علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة.ا.هـ.
وقال ابن تيمية: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله بقوله: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ" ا.هـ.
وقد تظافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة على مدح الصحابة، والثناء عليهم، والتزكية لهم، وبيان عظيم منزلتهم وسابقتهم في الإسلام، وإليك شيئاً من ذلك:
قال الله تعالى: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً".
وقال تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"
وقال عز وجل: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً".
وقال جل شأنه: "يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
وقال تعالى: "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
وأما السنة فهي مليئة بمدحهم والثناء عليهم، والتحذير من سبهم والنيل منهم، ومن ذلك ما يلي:
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم...".
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "النجوم أَمَنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون".
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه".
ولا يعني هذا أن نتجاوز الحد في محبتهم، أو محبة أحد منهم كما فعلت الرافضة، بل نعتقد أنهم بشر يخطئون ويصيبون، فلا ندَّعي العصمة لأحد منهم، كما نعتقد أنهم يتفاضلون، فأفضلهم الخلفاء الأربعة، ومن أسلم من قبل الفتح وقاتل أفضل ممن أسلم من بعد وقاتل، قال الله تعالى: "لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَن أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ".
وقد درج أعداء السنة من الرافضة ونحوهم على شتم الصحابة وسبهم والقدح فيهم والنيل منهم، وتشويه سيرهم بقصص مختلقة، وأحاديث ملفقة، واتهامات باطلة، وحكايات غريبة، هي محض نسج عقولهم الفاسدة وقلوبهم المريضة، ومن ذلك تشكيكهم في إسلام أبي سفيان رضي الله عنه، واتهامه بالنفاق، ولعله يكفي في بيان فساد هذه الدعوى وبطلانها وعدم صحتها أن من مصادرها المسعودي، الذي عرف بتشيعه، وكثرة نقله للأكاذيب والأباطيل في تاريخه (مروج الذهب) وغيره.
قال ابن تيمية في منهاج السنة (4/84) مشيراً إلى حكاية منقطعة ذكرها المسعودي: " وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى، فكيف يوثق بحكاية منقطعة الإسناد في كتاب قد عرف بكثرة الكذب".
وقال ابن حجر في لسان الميزان (4/224): "وكتبه طافحة بأنه كان شيعيًّا معتزليًّا ..."
وعلى هذا فلا يصح الاعتماد عليه، أو النقل منه في مثل هذا. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ