إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الحقوق المعنوية وحماية كبرى الشركات!
المجيب
د. عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي
كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاحد 28 صفر 1428 الموافق 18 مارس 2007
السؤال

اطلعت على قرار منظمة المؤتمر الإسلامي فيما يتعلّق بالحقوق المعنوية وحرمة التعدِّي عليها، ولكن ببلدنا مئات الآلاف وربّما أكثر ليس لهم عمل غير المتاجرة في هذه السلع المقلدة، فهم مخيّرون بين البطالة والضياع، أو الاستمرار في هذه التجارة التي أصبحت غير جائزة، أي حرام يأثم صاحبها، كما فهمت من القرار السابق الذكر. (ولا يخفى عليكم شروط العولمة المجحفة على الدول النامية: فلا انتدابات للوظيفة تقريبا...صعوبة المشاريع..المنافسة غير المتكافئة مع الدول المتطورة اقتصاديًّا.
أليس في هذا القرار إجحاف: فيزداد الغنيّ غنى و الفقير فقراً؟
أليس في هذا القرار استثناء لهذا السواد الأعظم من المستضعفين؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله: وبعد:
فإن من خصائص هذا العصر الذي نعيش فيه أن أصبح لكل شيء فيه قيمة مادية ومعنوية، وما كان بالأمس مباحا متاحا للجميع أصبح اليوم لا يؤخذ إلا بمقابل، حتى الآراء والأفكار والاستشارات أصبحت تباع وتشترى، وتحفظ حقوقها لأصحابها فضلا عن العلامات التجارية، والاختراعات والابتكارات وغيرها... فكيف بالأمور المادية المحسوسة من آلات وأجهزة وملابس... وهذا شيء اقتضته طبيعة العصر الذي نعيش فيه، وهو لا يتعارض مع شرعنا؛ لأن من أصول ديننا:
1- حفظ الحقوق العامة والخاصة.
2- أن عصمة مال المسلم والكافر غير الحربي كعصمة دمه.
3- وجوب الوفاء بالعهد.
4- المعاملة بالمثل.
والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، وقوله تعالى: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".
وقد توافقت آراء علماء العصر على منع أخذ الحقوق المعنوية دون إذن من أصحابها، كمنع أخذ الأمور المادية، وأنه لا فرق بينهما من حيث الأصل. والذي يمتهن التجارة في البضائع والسلع المقلدة يقع في أحد محظورين أو كليهما:
فهو يبيع سلعا مقلدة تحمل علامات تجارية، وأسماء شركات مشهورة يرغب فيها الناس لثقتهم فيها، وهي في الحقيقة مقلدة، ولو عرف المشتري بذلك لأحجم عن الشراء، وإن كان هذا ليس عاما في الناس، فقد يوجد من يرغب في السلع المقلدة لرخصها مقارنة بالأصلية.
ومن ناحية أخرى هو يضر بأصحاب الشركات والعلامات التجارية، فهم قد بذلوا أموالا طائلة لإنتاج هذه السلع، وإخراجها على الصفة التي هي عليها، فكيف يستباح التعدي عليهم، وإلحاق الضرر بهم.
وأنا لا أقول بأن جميع أنواع التقليد ممنوعة، بل الممنوع أن آخذ عينة من سلعة معروفة، وأصنع منها كميات دون إذن من أصحابها، وأضع عليها علامتهم التجارية وبلد المنشأ، حتى لا يكاد يفرق الرائي بين الأصلية والمقلدة، أو أشتريها جاهزة، وأبيعها للناس، فهذا هو الممنوع.
ومن التقليد ما هو مباح، وهو المعروف بالمحاكاة، فأصنع بضاعة مشابهة للبضائع المعروفة، وليست مطابِقةً مطابَقةَ الصورة الملونة للأصل، وتحمل اسما غير محمي، كما يفعل الصينيون اليوم على سبيل المثال، فهذا لا حرج في عمله والمتاجرة فيه.
وأما القول بأن الالتزام بهذا الأصل سيزيد الغني غنى والفقير فقراً، وفيه حماية للكفار، وتقوية لاقتصادياتهم على اقتصاديات المسلمين، وسيمنع كثيرا من المسلمين من العمل وأسباب الرزق فهذا من التشغيب الذي لا يلتفت إليه. فالكفار أخذوا بأسباب الحضارة والتقدم، وتقاعسنا عنها، فلا نحملهم فشلنا وجلوسنا في مؤخرة الأمم، فكان هذا الكلام يمكن أن يكون مقبولا قبل أربعين أو خمسين سنة من الآن، حين كانت المجتمعات العربية والإسلامية تئن تحت وطأة الاستعمار، أو حديثة عهد بالاستقلال، أما اليوم وبعد مضي هذه السنين الطويلة فاللائمة تقع علينا شعوبا وحكومات، وليس على غيرنا. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ