إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل في هذه القصيدة مخالفات
المجيب
د.سليمان بن محمد الدبيخي
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين - حائل
التاريخ الاربعاء 01 ربيع الثاني 1428 الموافق 18 إبريل 2007
السؤال

هل في كلمات هذه القصيدة محذور شرعي؟ فقد كُتِبت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم:
تناهى العشق فيكم واشتياقي فعدني باللقاء أيا حبيبي
ببابك سيدي كان التلاقي فهل لي عودة بين الغيوبي
وهل لي زورة قبل المنايا وهل لي دعوة هل من نصيبي
بمدح جمالكم زين السجايا حظينا بالأزاهر و الطيوبي
وبتنا في هوى خير البرايا فما أزكاه من ريح رطيبي
رسول الله يا كنز العطايا ويا روح المسافر في الدروبي
ملكتم روحنا وحشا الحنايا فما أبغيتم رمق القريبي
وحبك يا أبا الأيتام سقيا نعيش بها معاً نايي العصيبي
حنانك يا أبا الزهراء جدي وكن لي شافعاً يوم الخطوب
وجد لي سيدي بكريم وصل وعدني باللقاء يا حبيبي

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم فرض لازم، وأصل عظيم من أصول الإيمان، فيجب على المسلم حتى يتحقق عنده الإيمان أن يقدم محبة الله تعالى، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم على محبة كل أحد، كائناً من كان، ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"، وفيهما عنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما 00"
وتوعد الله تعالى بالوعيد الشديد لمن قدَّم محبة ملاذ الدنيا وشهواتها ومحبوباتها على محبته أو محبة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: "قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُم وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" . بل يجب على المسلم تقديم محبة النبي صلى الله عليه وسلم حتى على نفسه التي بين جنبيه، ففي البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يارسول الله, والله لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك)، فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر)، فلا يبلغ المسلم حقيقة الإيمان حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين.
ودليل هذه المحبة وعلامتها وبرهانها وآية صدقها هو اتباعه عليه الصلاة والسلام، والعمل بمقتضى ماجاء به، فنطيعه فيما أمر، وننتهي عما نهى عنه وزجر، وألا نعبد الله تعالى إلا بما شرع، وهذا هو معنى ومقتضى شهادة أن محمداً رسول الله.
وعليه فمن تحقيق محبته عليه الصلاة والسلام طاعته وأمتثال أمره في قوله -كما عند البخاري من حديث عمر رضي الله عنه-: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله" والإطراء هو مجاوزة الحد والغلو في مدحه والثناء عليه، ومن ذلك رفعه فوق منـزلة النبوة والرسالة، كوصفه بصفات الألوهية والربوبية التي يختص الله تعالى بها، كمن يجعله شريكاً لله تعالى في الخلق والتدبير والضر والنفع ونحو ذلك، أو ينسب له علم الغيب، أو يجعله ملاذه ومعاذه عند حلول الخطوب ونزول الشدائد، كقول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم
ومثل ذلك ما جاء في هذه القصيدة المتقدمة في السؤال، فقد تضمنت عدداً من المخالفات الشرعية، كالتوسل المحرم، وطلب زيارته في هذه الدنيا قبل نزول المنية؟ فهل يعني هذا -إن لم يقصد قبره- أن النبي صلى الله عليه وسلم حي الآن، أو أنه يقدر على ذلك إذا أراد... أم ماذا؟!.
وكذا الاستغاثة به، وبث الشكوى إليه، كل ذلك مما لا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، بل حتى في حال حياته لا يجوز أن يُسأل مالا يقدر عليه.
فهو القائل عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: "... يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها".
وشفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إنما تكون لأهل التوحيد من أمته بعد إذن الله تعالى ورضاه عن المشفوع له، قال الله تعالى: "وَكَم مِن مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى". ومعلوم أن الله لا يرضى لعباده الكفر والشرك، فلا يرضى لعباده إلا التوحيد.
والدليل على أن شفاعته صلى الله عليه وسلم خاصة بأهل التوحيد ما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسعد الناس بشفاعتي: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه".
وفي صحيح مسلم عنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً".
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم إذاً ليست مجرد أقوال تُدعى، أو توسلات تبتدع، أو قصائد يُمتدح فيها، بل هي عمل واتباع، وفقنا الله جميعاً لمحبته واتباع شرعه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ