إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تحديد وقت اصفرار الشمس
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاحد 27 ربيع الأول 1428 الموافق 15 إبريل 2007
السؤال

إذا كان لا يمكن تحديد وقت اصفرار الشمس بالساعات؛ نظراً لاختلاف الوقت باختلاف الفصول .. فمتى يكون وقت اصفرار الشمس في فصل الصيف ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأفوض أمري إلى العلي القدير، سائله تعالى أن يلهمنا جميعا بفضله ورحمته الرشد والسداد والتوفيق في الدنيا والنجاة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؛ مجيبًا على السؤال: (متى يكون وقت اصفرار الشمس في الصيف؟)؛ أنقل عن المتخصصين مكتفيًا بنبذة موجزة في المحاور التالية:
(1) أوقات الصلوات:
قال الشيخ سيد سابق (رحمهم الله تعالى جميعا) في فقه السنة (ج1ص97): "للصلاة أوقات محددة لا بد أن تؤدى فيها؛ لقول الله تعالى: "إِنّ الصّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مّوْقُوتاً" [النساء: 103] ؛ أي فرضًا مؤكدا ثابتا ثبوت الكتاب (له أوقات محددة), وقد أشار القرآن إلى هذه الأوقات، فقال تعالى: "وَأَقِمِ الصّلاَةَ طَرَفَيِ النّهَارِ وَزُلَفاً مّنَ الْلّيْلِ إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَىَ لِلذّاكِرِينَ" [هود 114 ], وفي سورة الإسراء:" أقِمِ الصّلاَةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ إِلَىَ غَسَقِ الْلّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً" [الإسراء: 78 ], وفي سورة طه:" فَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ الْلّيْلِ فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ النّهَارِ لَعَلّكَ تَرْضَىَ" [طه : 130] , يعني بالتسبيح قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وبالتسبيح قبل غروبها صلاة العصر.., هذا هو ما أشار إليه القرآن من الأوقات.
وأما السنة فقد حددتها وبينت معالمها فيما يلي:
(1) عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان". رواه مسلم.
(2) عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلام فقال له: "قم فصله, فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله, فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر حين برق الفجر أو قال سطع الفجر, ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء, ثم جاءه حين أسفر جدا فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت". رواه أحمد والنسائي والترمذي, وقال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت يعني إمامة جبريل.., تبين من الحديثين المتقدمين أن وقت الظهر يبتدئ من زوال الشمس عن وسط السماء، ويمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثله.. إلا أنه يستحب تأخير صلاة الظهر عن أول الوقت عند شدة الحر حتى لا يذهب الخشوع، و(يستحب) التعجيل في غير ذلك.. (و)وقت صلاة العصر يدخل بصيرورة ظل الشيء مثله، ويمتد إلى غروب الشمس, وينتهي وقت الفضيلة والاختيار باصفرار الشمس..
وأما تأخير الصلاة إلى ما بعد الاصفرار فهو وإن كان جائزا إلا أنه مكروه إذا كان لغير عذر, قال النووي في شرح مسلم:" قال أصحابنا للعصر خمسة أوقات : ( 1 ) وقت فضيلة, ( 2 ) واختيار, ( 3 ) وجواز بلا كراهة, ( 4 ) وجواز مع كراهة, ( 5 ) ووقت عذر (لسبب قاهر مانع)، فأما وقت الفضيلة فأول وقتها, ووقت الاختيار يمتد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه, ووقت الجواز إلى الاصفرار, ووقت الجواز مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب، و(كذلك) وقت العذر..، ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداء، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاء".
وقال الآبي الأزهري في كتابه الثمر الداني (ج1ص88): "آخر الوقت المختار للظهر أن يصير ظل كل شيء مثله.. (و)أول وقت العصر المختار هو آخر وقت الظهر المختار..، (و)آخر وقت العصر المختار أن يصير ظل كل شيء مثليه.., (و)تقديم العصر أول وقتها أفضل".
(2) تعيين وقت اصفرار قرص الشمس:
قال البيهقي في السنن الصغير (ج2ص363): "روينا النهي عن الصلاة في أوقات ثلاث؛ عن عقبة بن عامر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: (حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع, وحين تقوم الظهيرة حتى تميل, وحين تصفر الشمس للغروب حتى تغرب)".
وقال الشيخ عطية محمد سالم في شرح بلوغ المرام (ج1ص267): "(باعتبار) دائرة الشمس من شروقها إلى غروبها ثماني عشرة درجة (أي 180 درجة قوسية)، (يكون) وقت الزوال عند الدرجة التاسعة..، وما بين كبد السماء إلى الغروب تسع درجات..، فحينما تزول الشمس من كبد السماء إلى جهة الغروب تكون أمامها أربع درجات ونصف.. (لتبلغ) وقت العصر.. وحينئذ تكون الشمس بيضاء نقية، وعندما تقترب من جهة الغروب.. تصفر".
ويرجع اصفرار قرص الشمس لمرور الأشعة بميل في الغلاف الجوي عند الغروب, وبالمثل لا يبدو القرص أبيض عند الشروق إلا بعد ارتفاعه بفترة مماثلة, وتتبدل مدة الاصفرار قليلا بالزيادة صيفًا والنقص شتاءً نتيجة لاختلاف طول النهار, وقد نقل د. حسن باصرة أستاذ الفلك بجامعة الملك عبد العزيز عن د نزار محمود قاسم الشيخ من كتابه (مواقيت العبادات الزمانية والمكانية) قوله: "إن المعنى المتبادر للذهن من قولهم اصفرار الشمس هو تحول لون قرص الشمس من لونه الأبيض إلى اللون الأصفر, وهذا الحد أخذ به الحنفية، وقيدوه بضابط آخر، وهو أن لا يحار (أي لا يزيغ) بصر العين حين النظر إليها، فإذا حارت العين فوقت الاصفرار لم يدخل بعد، وهذا هو الصحيح في مذهبهم, ويقابل هذا الصحيح قولان آخران، الأول: إن حد التغير أن يبقى للغروب أقل من رمح.
الثاني: أن يتغير لون شعاع الشمس الساقط على الأرض والحيطان من لونه الأبيض إلى الأصفر لا باعتبار قرص الشمس، فإن هذا يسبق تغير لون الشمس بزمن قدره ثلث ساعة تقريباً حسب تقديري, وبهذا الأخير أخذ المالكية، وأما الشافعية والحنابلة فلم أقف على تفسير لهم لهذه الحالة حسب ما اطلعت عليه من مراجعهم المتوفرة لدي, والظاهر من عباراتهم أن مرادهم كمراد الحنفية، وهو تغير لون قرص الشمس إلى اللون الأصفر، وهذا القول يتوافق مع ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وفيه: (ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول) - أي طرفها السفلي - فإنه نسب الاصفرار إلى ذات الشمس، وهذا بتقديري يكون بحوالي ربع ساعة قبل المغيب..
وأما إذا أخذنا بتقدير بعض الحنفية، وهو مقدار رمح وهذا أحوط, فلمعرفة هذا الوقت حسابيا نعوض مقدار الرمح، وهو نحو خمس درجات لحساب وقت صلاة الضحى، ثم نطرح النتيجة من وقت آخر النهار، وبذلك نعرف وقت ابتداء الاصفرار (وهو لا يتجاوز 20 دقيقة), والله أعلم".
وأضاف د. حسن باصرة قائلا: "يعادل ارتفاع الرمح ما لا يقل عن 4,5 درجة, فتكون فترة الدرجة أربع دقائق باعتبار النهار وسطيا 180 درجة من أفق الشروق إلى أفق الغروب, وحينئذ يمكن تقدير زمن الارتفاع إلى رمح بحوالي ثلث ساعة؛ أو نحو 18 - 20 دقيقة, فتكون بالمثل فترة اصفرار قرص الشمس حتى يختفي تحت الأفق نحو 18 - 20 دقيقة", وأيد فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد هذا التقدير في أجوبته (سؤال رقم 67911 في موقع المرأة المسلمة) بقوله: "صلاة العصر يلزمك أداؤها قبل اصفرار الشمس، وتحديد هذا بالساعات يختلف من فصل لآخر، والظاهر أن قبل المغرب بربع ساعة ونحوها تكون الشمس قد اصفرَّت، فيكون قد خرج وقت صلاة العصر", وأيد هذا التقدير كذلك فضيلة الشيخ د. حاتم الطبشي الداعية بمكة المكرمة بقوله: "باعتبار قطر قرص الشمس 2,5 دقيقة يقدر الرمح بثمانية أقطار، أي حوالي ثلث الساعة كما يحدث في صلاة العيدين", وإلى هذا ذهب أيضا د. أحمد الحجي الكردي الخبير في الموسوعة الفقهية، وعضو هيئة الإفتاء في دولة الكويت بقوله: "اصفرار الشمس إلى غروبها مدة نصف ساعة تقريبا في الصيف، وثلث ساعة تقريبا في الشتاء قبيل أذان المغرب".


إرسال إلى صديق طباعة حفظ