إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان كيف التوفيق بين الأمر بالتوكل وهذه الآثار!
المجيب
د.محمد بن سريّع السريّع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاحد 12 ربيع الثاني 1428 الموافق 29 إبريل 2007
السؤال

أرجو أن تشرحوا لي هذه الأخبار، وما مدى صحتها؟
عن سفيان ، قال : « قرأ واصل : " وفي السماء رزقكم وما توعدون" ، فقال : ألا أرى رزقي في السماء، وأنا أطلبه من الأرض ، فدخل خربة يتعبد فيها ، فكانت تتنزل عليه كل يوم دوخلة من رطب ، فلما توفي دخل أخوه فكان مكانه.
وهذا الخبر عن خبيب ( من حديث طويل في رياض الصالحين) : والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيبٍ، فوالله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنبٍ في يده، وإنه لموثقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرةٍ، وكانت تقول: إنه لرزقٌ رزقه الله خبيباً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالتوكل على الله من أعظم عبادات القلوب ، ومن أهم الأسباب التي يستجلب بها الرزق، وقد تكاثرت النصوص في الأمر بالتوكل والحث عليه ، وأمر الله به خاصة خلقه من الأنبياء والرسل .
وقد جرت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه من بعده على تحقيق التوكل على الله، والاعتماد عليه، مع عملهم بالأسباب التي جعلها الله أسباباً في جلب النفع ودفع الضر. قال ابن رجب رحمه الله : " إن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل ، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له ، والتوكل بالقلب عليه إيمان به".
ولو أن العباد حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق الطير إلى أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن الناس من يوهم نفسه التوكل على الله، ويذر العمل بالأسباب، ويترك طلب الرزق، فيستشرف هو وأهل بيته إلى ما في أيدي الناس ليطعموه أو يعولوه .
قال ابن رجب رحمه الله : " إن المتوكل على الله حق التوكل من يعلم أن الله قد ضمن لعبده رزقه وكفايته، فيصدق الله فيما ضمنه، ويثق بقلبه، ويحقق الاعتماد عليه من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق ... فإن هذا نوع نقص في التوكل " .
وما أشار إليه السائل وفقه الله في قصة الصحابي الجليل خبيب رضي الله عنه التي رواها البخاري في صحيحه ؛ فهي من قبيل الكرامات التي يتفضل الله بها على بعض أوليائه ؛ تثبيتاً لقلوبهم وتطميناً لنفوسهم .
وأما ما يذكر من قصص وأخبار عن بعض السلف في ترك السعي في طلب الرزق، وإكرام الله لهم ببعض الأمور في مثل ما ذكره الأخ السائل؛ فهي مما يكرم الله به بعض أوليائه الصالحين ، ممن رزقهم الله صدق يقين وثقة به سبحانه " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " ، لكنها لا تتأتى لكل أحد ، وليست تدل بمجردها على كمالهم أو فضلهم على من لم يؤتَ مثلها ، فإن بعض الكرامات قد ييسرها الله لبعض من ضعف إيمانهم ويقينهم، أو حتى من غلب جهلهم ، فيوفقهم ربهم ويسددهم ويهديهم سبيل المؤمنين ، وحال الكمال هي التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الجمع بين الأمرين دون اعتماد على الأسباب .


إرسال إلى صديق طباعة حفظ