إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان قاعدة يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء
المجيب
علي بن عبد العزيز المطرودي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاربعاء 17 صفر 1428 الموافق 07 مارس 2007
السؤال
سمعت عن قاعدة تقول (يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء) فما معناها، وما الذي يستثنى منها، وما الذي يندرج تحتها؟ وأي أبواب الفقه يدخل فيها؟ وما علاقتها بمقاصد الشريعة الإسلامية السمحة؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذه القاعدة من القواعد الكلية التي تدخل في عدد من أبواب الفقه، ولها مجموعة من التطبيقات، وقد ذكرها ابن السبكي في الإبهاج (3/153)، والزركشي في المنثور في القواعد (3/374)، والسيوطي في الأشباه والنظائر (186).
كما ذكرها عدد من الفقهاء في كتبهم الفقهية.
وقد قال عنها ابن السبكي: "وهذه قاعدة في الفقه عظيمة مسائلها، ومن أراد الإحاطة بفروعها فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر".
ومعنى القاعدة: أنه يغتفر ويتسامح في بقاء واستمرار حكم لم تتحقق فيه بعض الأمور المطلوبة شرعاً بعد وقوعه وتمامه ما لا يتسامح فيه لو كان يراد ابتداؤه على الوجه الذي تختل فيه تلك الأمور.
ومثال ذلك: أنكحة الكفار إذا أسلموا لا ينظر إلى تخلف الولي والشهود فيها؛ وذلك لأنهم يستمرون على نكاح وجد قبل الإسلام، لكن لو أراد أحد ممن أسلم أن يتزوج ويبتدئ نكاحاً جديداً لا يغتفر تركه لذلك.
وقد ذكر ابن السبكي والزركشي والسيوطي عدداً من فروعها، ومن ذلك:
إذا طلع الفجر وهو مجامع فنزع في الحال صح صومه، ولو وقع مثل ذلك في أثناء الصوم أبطله.
ومنها: العدة فإنها رافعة لحل النكاح إذا وجدت في ابتداء النكاح، وليست رافعة له إذا وجدت في أثنائه، فإن الموطوءة بشبهة تعتد وهي باقية على الزوجية.
ومنها: الإحرام يمنع ابتداء النكاح، ولا يقطعه.
ومنها: الأصح صحة رجعة المحرم لتنزيلها منزلة الدوام، وابتداء النكاح له ممنوع شرعاً.
ومنها: توقيت النكاح مانع في ابتدائه، ولا يمنع في دوامه، فلو تزوجها شهراً أو أسبوعاً أو نحو ذلك لم يصح، لكن لو تزوجها بلا تحديد وقت، ثم قال بعد زواجه: أنت طالق غدا أو بعد شهر صح؛ لأن هذا بعد الابتداء.
ومنها: عقد الذمة لا يجوز مع تهمة الخيانة، ولو اتهمهم بعد العقد لم ينبذ إليهم عهدهم.
ومنها: لو نكح حرة لم ينفسخ نكاح الأمة التي نكحها قبل ذلك؛ لأنه يستمر على نكاحه، ولو تزوج الأمة بعد الحرة انفسخ نكاحه لها؛ لأن هذا ابتداء، وما قبله استمرار.
ومنها: لو رأى المتيمم الماء في أثناء صلاته أتمها إن كانت مما يسقط فرضها بالتيمم، وهو مانع في ابتداء الصلاة.
ومنها: لو ملك عبداً له عليه دين، ففي سقوط الدين وجهان، أصحهما: لا، وإن كان لا يثبت له على عبده ابتداء؛ لأن للدوام من القوة ما ليس للابتداء.
ومنها: لو حضر القتال معضوبا أو زمنا أو أعمى لم يسهم له، لكن لو حضر صحيحا، ثم عرض له ذلك في الحرب لم يبطل حقه من السهم في الأصح.
- وأدلة هذه القاعدة هي أدلة فروعها؛ إذ من مجموع الأدلة الواردة في تلك الفروع توصل الفقهاء إلى هذه القاعدة، ومن تلك الأدلة ما يتعلق ببقاء الكفار على أنكحتهم السابقة بعد إسلامهم؛ إذ لم يتعرض النبي صلى الله عليه وسلم إلى تلك الأنكحة مع أنه يعتريها قصور في شروطها.
- وأما ما يتعلق بالاستثناء منها فينبغي أن يعلم أن القاعدة متى أُخذت بضوابطها فإنه لا يستثنى منها شيء، وما يظهر أنه مستثنى هو في الحقيقة ليس كذلك؛ وذلك لأنه قد تخلف فيه أحد شروط القاعدة وضوابطها، وهو أيضاً داخل ضمن فروع قاعدة أخرى، وهناك قاعدة مقابلة لهذه القاعدة، نصها: (يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام)، وهي وما يتفرع عنها بمثابة الاستثناء من القاعدة السابقة على تسليم وجود المستثنيات من القواعد.
- وأما علاقة هذه القاعدة بمقاصد الشريعة فظاهرة من ناحيتين هما:
1- أن من مقاصد الشريعة دفع الضرر، ولا شك أن هذه القاعدة تحقق هذا المعنى بوضوح؛ إذ لو لزم في الأحكام السابقة التي تخلفت بعض ضوابطها أن تعاد على وجه جديد تتحقق فيه تلك الضوابط، للزم من ذلك ضرر واضح.
2- أن من مقاصد الشريعة دفع المشقة، وهذا المعنى متحقق أيضاً في هذه القاعدة على نحو ما سبق.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ